في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة| مؤشرات نهاية حزب الأصالة.. حزب الفيل يا ملك الزمان

بقلم: مصطفى العلوي

   كلما سمع الزعيم الأمازيغي أحرضان، خبرا مفجعا عن أحد، قال “إنه من الخيمة مشا مايل”، أو ما توسع فيه كثير من العلماء الذين خلفوا الكثير عن بوادر السقوط.

   والسقوط كالموت، ندان متلازمان، لأن بوادر الموت وإن كانت تظهر مواكبة للعجز نتيجة طول الممارسة، فتموت الأحزاب القديمة مثلا، وأشلاؤها متراصة هذه الأيام أمام أعيننا، مثلما قد يموت شاب في مقتبل العمر نتيجة إفراطه في السرعة مثلا، مثلما تموت الثقة بعد التجربة. ليبقى الاستغراب أمام توقعات أن يموت حزب، كانت انطلاقته الأولى، يا حسرة، من المكاتب الخاصة في القصر الملكي، بقيادة صديق الملك، فؤاد الهمة، الذي كان انسحابه من حزبه الفتي(…) أول أزمة قلبية عرفها حزب الأصالة والمعاصرة، وربما انسحب الهمة من الحزب برغبة صادقة، رغم أن الكثيرين يعتبرون انسحابه ضربا من مسرحية(…) لولا أن قراره بالانسحاب من هذا الحزب، كان مبررا، بافتقاده لوسائل تحقيق المبتغى، وهو الذي تربى في أحضان أبيه المنتمي لحزب المهدي بنبركة (انظر الحقيقة الضائعة عدد 17 دجنبر 2015).

   وحين أصبح هذا الاتحادي(…) أقرب المغاربة إلى الملك مصدر القرار، ومصدر القوة، بقي يرى في الأفكار الاشتراكية، أقرب السبل لضمان استمرار الملكية أكثر من الرغبة في استقطاب هذا الحزب أو ذاك، فرأينا فؤاد الهمة، في مقهى الكونطوار، بجانب بنك المغرب في العاصمة، يبادل سفات شفتيه العصبيتين لسجائر المالبورو، مع سفات مواكبة، لفنجان القهوة، وهو يستلهم سبل التعاون في ذلك الصباح البارد، مع الجيل الاشتراكي الجديد، متحدثا إلى نبيل بنعبد الله، وعبد الكريم بنعتيق، ليوسع الهمة اتصالاته عبر هذا الثنائي، مع أقطاب يساريين آخرين، مع الساسي، وحفيظ، والاشكر، والحبيب المالكي، والأموي، وحسن بنعدي، حتى قبل أن يؤسس “الحركة” التي كانت مبادرة ناجحة “من أجل الديمقراطية”.

   حتى المؤتمر الأول لحزب الأصالة، عقد يوم 20 فبراير 2009(…)، ولو لم تحدث حركة 20 فبراير، التي أتت من بعد، مطالبة التخلص من الهمة والماجدي، لكانت 20 فبراير الأصالة والمعاصرة، هي المنطلق المنطقي للإصلاح، بدعم من المعني الأول بالمستقبل والاستقرار، والذي هو ملك المغرب. تصوروا لو أن حزب الأصالة أطلق يوم 20 فبراير 2009 بعضا مما أطلقته 20 فبراير الثورية، لكان فؤاد الهمة قد أصبح زعيما سياسيا.

   لولا أن فؤاد الهمة، صدم في مؤتمره يوم 20 فبراير بانسحاب الأحزاب الثلاثة التي كانت أول من انضم إليه، حزب العهد للوزاني، وحزب البيأة للعلمي، والحزب الديمقراطي لعبد الله القادري.

   يوم 20 فبراير الذي انعقد فيه أول مؤتمر لحزب الأصالة كان الحاضرون، وعددهم حوالي خمسة آلاف مؤتمر يأخذون انطلاق هذا الحزب مأخذ الجد، حزب قريب من الملك، قد يجعلهم قريبين من النفوذ.

   الحاضرون في المؤتمر الأول للمعاصرة، شاهدوا مندوب منظمة التحرير الفلسطينية يتقدم نحو الميكروفون، فبدؤوا يطلقون عليه وابلا من الهتافات المعادية: حماس، حماس، حماس، ليضطر فؤاد الهمة ويقف وهو يطالب الهاتفين بالسكوت، لأن هتافهم كان في الواقع يعني بداية الشعارات الثورية.

   وفجع مؤسس حزب الأصالة فؤاد الهمة، مرة أخرى في هذا المؤتمر الأول، مؤتمر 20 فبراير، بصدمة أخرى نتيجة الأخطاء التي ارتكبت في السنة الأولى من تاريخ الحزب، قبل المؤتمر، حينما أصدر خمسون مسؤولا من الحزب بفاس بيانا مسموم الجوهر(…) يقول فيه أصحابه: ((إن حزب الأصالة يحتضر، فسرعان ما انكشفت الحقيقة، وتبددت الغيوم، وتمزق حبل الكذب إربا إربا، وظهرت النوايا الخفية، لأن الأمر يتعلق بدراما تراجيدية، تولى المخرج والمهندس الكبير(…) صاحب المسرحية الهزيلة بتوزيع أدوارها، على ممثلين من ذوي الحركة الخفية(…) واللمسة الفنية التي تطرب الفؤاد، وتحرك الهمة(…))) (الجريدة الأولى. 8/1/2009).

   حكم لم يستطع الهمة التخلص من مصداقيته، وها هي قاعات مؤتمرات الأصالة والمعاصرة، ترفل في صفوفها الأولى، بالنخبة المتميزة من الفنانين والمغنيين والمسرحيين.

   ويبدأ الحاضرون تحت أنظار فؤاد الهمة بالصفير، وكأنهم في ملعب للكرة، عندما قدم رئيس المؤتمر بيد الله، أحد الخطباء للمنصة، الممثل الهزلي البيگ، ملك موسيقى الراب، تحت أنظار عبد الهادي بلخياط، والحاج يونس، وعبد العظيم الشناوي، وماجدة اليحياوي، وعبد الرزاق البدوي، وعائشة ساجد.

   ليتحرك في ضمير فؤاد الهمة، وكأنه يحلم بمشروعه السياسي الاشتراكي، ويسائل نفسه، هل هذا مؤتمر لحزب سياسي، أو مسرح ترفيهي(…)، أم أنها كما كتب المعلق الصحفي رشيد نيني ((شركة الأصالة والمعاصرة المجهولة)) قبل أن يكشف عن سر المشكلة ويكتب في نفس المقال: ((أصبحت كل المشاريع الاستثمارية والعقارية الكبرى خاضعة لسلطة رجل واحد اسمه إلياس العماري(…) لأن كل مناطق الريف(…) سقطت تحت سيطرته)) (الأخبار. 5 أبريل 2011).

   كان فؤاد الهمة قبل هذا، وبعد مؤتمر 20 فبراير 2009، قد استخلص الدرس، ليعلن رسميا: ((إن مبادرة تأسيس الحزب، تبين أنه غير مرغوب فيها(…) وحتى الأحزاب التي أسهمت في تسيير البلاد، كانت تمنح مزيدا من جرعات السيروم)) (المساء. 11 مايو 2009).

   طبعا، اكتشف فؤاد الهمة بين جلسة وأخرى بعد المؤتمر الأول للحزب، أن أقرب المقربين إليه من قيادات الحزب، ذهبوا بعيدا في فقدان الثقة في المستقبل، علي بلحاج، وحميد نرجس، وخديجة الكور، ومحمد بن حمو، وأحمد التهامي، كلهم دعوا إلى مؤتمر استثنائي لتصحيح الأوضاع، ولما لم يكن هناك مؤتمر استثنائي لتصحيح الأخطاء(…) بدأت الانسحابات: صلاح الوديع، حسن بن عدي، بلكوش، نرجس، بعد البشير الزناكي، وكلها أسماء توحي بالتعقل، والانضباط والرغبة في إصلاح البلاد، لكن لم يجدوا لهم مكانا في مبادرة الأصالة والمعاصرة، الحزب الذي أطلق عليه الكثيرون منهم تسمية “الحزب ذو الرأسين”.

   وهكذا بقي الحزب كله بين أيدي إلياس العماري، خصوصا وأن أمينه العام القانوني(…) هو المهندس الباكوري، الذي رغم جديته وتميز مستواه، فإنه مرصود لمهام اقتصادية أخرى، بينما رغبته في منافسة إلياس العماري للأمانة العامة، كشفت أنه لم يبق للحزب موجه ولا محرك في الخفاء.

   بينما الصراعات الجانبية عند هذا الريفي المتنطع(…) الذي بدأ خطبه السياسية مرة في ملعب الكريكت بالدار البيضاء، يوم 15 أبريل 2008، وهو في عاصمة البورجوازية والطبقة العاملة، بخطب ويقول بعد حريق حصل في الدار البيضاء ((إنه حريق البورجوازية البشعة))، وربما يجهل إلياس المقولة العربية التي يرددها الجميع: ويل لمن أشارت إليه الأصابع ولو بالخير، أم أنه بحكم ضعفه أمام التجربة السياسية في أمريكا الجنوبية، يعتبر نفسه بمثابة الرئيس الفنزويلي “نيكولا مادورو” السائق النقابي، الذي أصبح رئيسا بدل الزعيم “هوغو تشافيز”، السياسي الكبير.

   وعندما كان إلياس، يحضر لمؤتمر 20 يناير 2016، ولم يكن كمؤتمر 20 فبراير 2009، ولا كان مؤتمرا لعرض الأفكار، ولا لتقديم البديل، وإنما مؤتمر كان عدد السيارات فيه ربما أكثر من عدد الحاضرين، سيارات فخمة لأقطاب المال في الشمال(…) أكثر من الحافلات التي نقلت بعض البؤساء من الجنوب، مؤتمر ربما نسي فيه مخططه العماري، ما قاله سنتين من قبل الأمين الجهوي للحزب في البيضاء، وحيد خوجة، الذي غاب طبعا، لأنه وصف إلياس بالتمسرح(…)، وكاد يبكي وهو يذكر ((أنه تحمل ثلاث سنوات من الغدر والخيانة، ويتلقى الطعنات في الظهر، من طرف المنافقين(…) إن ما حصل لي، يا سادة، إنما كان فصلا من مسرحية “الفيل يا ملك الزمان”، المسرحية التي لازال الحزب يعيش فصولها))، أم نسي إلياس، أن المغرب دولة إسلامية لا مكان فيها، مهما كانت الظروف، لما أسماه: حزبنا، حزب لا ديني Laique، أعلنها أسبوعا واحدا قبل المؤتمر.

 واستغبى بعض الصحفيين، الذين انتقدوه، لأنه لم يستعمل صناديق التصويت، في التصويت عليه ((طلع إلياس للمنصة وقال أنا أرشح نفسي للأمانة العامة، ثم انتهى المؤتمر)) (الأحداث المغربية. 26 يناير 2016).

   إلياس كان منطقيا مع نفسه، وهو الذي سألته مجلة “طيل كيل” (4 أبريل 2013) هل شاركت في الاستفتاء، فأجابها أنا لم أصوت، وهذا نتيجة تكويني السياسي.

فما لنا وللمساطير، وما لنا ولدولة أولادها عاجزون عن الطعن في المقاييس المفروضة في الانتخابات والتصويت ((الانتخاب آلية أو مسلسل تتقدمه تقنيات منها عملية الاقتراع، أي التوجه إلى الصناديق المعدة للتصويت ليودع بها الناخب بطاقة التصويت)) (المرجع في القانون الدستوري)، بل كتب الصحفي الحاضر في مؤتمر الأصالة الأخير، الجيلالي بنحليمة ((لم يكن هناك أي صندوق).

   وصدق الصحفي مصطفى السحيمي: ((ها هو الآن يصبح أمينا عاما بعد مؤتمر كان كل شيء فيه مقفلا(…) أشغال سرية.. وغياب أية منافسة، أما البرنامج فقد سبق للحزب أن تميز بالمقترحات وتبنيه لمطلب زراعة الكيف)). السحيمي وجد التعبير المتوافق مع حقيقة الأمر الواقع(…) وكتب: ((إنه مؤتمر ستاليني)) ليكون التعمق مشروعا مطولا في مدلول العبارة التي كتبها قيدوم الحزب نرجس: ((بدأت بوادر النكسة(…) تلوح في الأفق بفتح الباب على مصراعيه لأسراب من المنتخبين والأعيان(…) الذين التحقوا بالحزب، دون أن نعلم ما هي الفائدة التي يجنيها الحزب من هذا الالتحاق(…) لقد ظهرت بوادر النكسة منذ 2010(…) وأضاع حزب الأصالة فرصا من ذهب حين لم يستطع التعايش مع أحزاب الكتلة التاريخية)) (أخبار اليوم. 22 يناير 2016).

   ها هو الباب إذن، مفتوح أمام جيل الأصالة والمعاصرة الذي غاب عن مؤتمرها، وها هي بوادر تأسيس اتجاه جديد أو حزب جديد، تهمين على الأفق المستقبلي لهذا الحزب، من خلال النخبة المتميزة التي ابعدها المؤتمر الأخير(…)، لأنه كما في البداية، من الخيمة مشى مايل، وإن كان الرجل الذي استولى على حزب كان يسمى حزب الملك، رغم أنه لن يمشي بعيدا، يستحق منا أن نقول له جميعا: باز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!