في الأكشاك هذا الأسبوع

كتاب يتهم الحركة الوطنية بإهمال اليهود المغاربة في يد إسرائيل

إعداد: سعيد الريحاني

   أعاد مؤتمر الأقليات الدينية، الذي دعت إليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بشراكة مع الإماراتيين النقاش من جديد، حول دور المكون اليهودي في النسيج المجتمعي المغربي، رغم أن المشاركين الذين تجاوز عددهم 300 وقعوا على نداء مراكش، الداعي إلى التعايش واستيعاب مختلف الانتماءات..

  ولم يعتبر المسلمون المغاربة اليهود أقلية على مستوى المعاملة، بل كانوا كالمسلمين موجودين في كل الأنشطة والمجالات، منتمين إلى كل الطبقات الاجتماعية، مسهمين في بناء المجتمع، مكلفين بوظائف ومهمات من الدولة، متميزين بثقافتهم. حسب ما أكده الملك محمد السادس في رسالة إلى المشاركين.

   فيما يلي قراءة في كتاب “يهود المغرب وحديث الذاكرة”، الذي صدر مؤخرا عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وهو عبارة عن ترجمة أنجزها خالد بن الصغير، للمؤلف الأصلي عمر بوم، ومن خلالها تتأكد ضرورة فتح نقاش حقيقي حول المكون اليهودي، لسد الباب أمام المغالطات(..).

   بين ثنايا كتاب “يهود المغرب وحديث الذكرة”، توجد شهادة للمقاوم إبراهيم النوحي، تحمل الحركة الوطنية مسؤولية التقصير في التعامل مع اليهود المغاربة، حيث يقول الكاتب: “في سنة 2000، التقيت بإبراهيم النوحي، وهو مغربي مسلم، وعضو سابق في جيش التحرير بالجنوب المغربي، وعقدت معه اجتماعات طويلة على امتداد فترة استغرقت 9 أشهر، فحدثني أثناء جلساتنا بإيجاز عن الخطوط العريضة لتاريخ الطوائف اليهودية المستقرة بمشارف الصحراء، بما في ذلك اعتماد أعضائها على الارتباط السياسي بمشايخ القبائل، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي ربطتهم بجيرانهم المسلمين”، فضلا عن معلومات أخرى تتعلق بالأسباب التي دفعت بأولئك اليهود للهجرة: “لقد غادر اليهود لأسباب كثيرة، ومنها الدوافع الاقتصادية والسياسية والشخصية والدينية، غير أن كثيرا منهم غادرونا بسبب فشلنا من موقعنا كوطنيين في إدماجهم، على الرغم من ادعائنا لما هو عكس ذلك. صحيح أن الصراعات حول السلطة بين الملك وغيره من الزعماء السياسيين، ربما كانت وراء إجبار الحكومة على التوصل إلى اتفاق أو عقد صفقة، تم بموجبها تسهيل الهجرة اليهودية المغربية مقابل بعض الحوافز الاقتصادية والعسكرية”.

   هكذا تحدث إبراهيم النوحي في شهادته، قبل أن يسأله الكاتب، إذن أنت ترمي باللائمة على القوى الوطنية وتحملها مسؤولية هذه المغادرة؟ فيجيب: “لا أنا لا ألوم أيا كان؟ وكل ما في الأمر أنني أعتقد أنه من موقعنا كأمة، خسرنا فئة اجتماعية ديناميكية للغاية، ربما استطاعت المساهمة في بناء دولتنا الفتية، ولكن بصفتي مغربي، فقد اعتدت حقا السماع بأن اليهود غادروا لأن الفرصة أتيحت لهم لتحقيق حلم العودة”. وأضاف موضحا: “هذا ليس صحيحا، وبصفتي جنديا سابقا، في جيش التحرير بالجنوب، إنهم لم يفكروا بتاتا في المغادرة إلى إسرائيل، على الرغم من وجود حقيقة مفادها أنهم كانوا ينظرون إلى أرض فلسطين كبقعة مقدسة يحلمون بزيارتها، إن العديد منهم يعتبرون المغرب بلدهم الأصلي، وعندما كنا نقاتل الفرنسيين في الأراضي القريبة من أقا، أمدونا بشاحناتهم التي ساقوها بأنفسهم إلى ميدان المعركة، لقد صنعوا الصنادل والسراويل، بل قاموا بحلق رؤوس الجنود، فهل اعترفنا لهم بهذا الصنيع بعد الاستقلال؟ كلا، لم نفعل، وكان علي أن أخوض النضال من أجل الحصول على الاعتراف من المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، بمساهمتهم البطولية.. إننا لم نفعل شيئا يستحق الذكر، للعمل على إشراكهم في بناء الدولة إبان مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث نجح الصهاينة في تحقيق ما فشلنا فيه.. “.

   شهادة النوحي الموثقة في كتاب، تستدعي أكثر من نقاش، ولكن الكاتب كان قد وصل إلى خلاصة مفادها: في ظل الغياب الجسدي لليهود بغالبية المدن المغربية والمناطق النائية، يجد المغاربة أنفسهم اليوم في مواجهة مع ذكريات عن الحياة اليهودية الموجودة بالأمس، والحاضرة فيما سلف من الأيام بين أحضانهم. ويواصل أجيال الأجداد الكبار والأجداد، تبادل أطراف الحديث والدردشة بدرجات من الحنين، بخصوص ثراء الحياة التي جمعت بين كنفها اليهود والمسلمين على حد سواء في الماضي، وتعكس المعطيات المستمدة من جيل الشباب، وجود وجهات نظر ضيقة ومعلومات غير صحيحة وناقصة عندهم حول اليهود.. هذا جزء من استنتاج وصل إليه الكاتب عمر بوم، بعد أن سرد مجموعة من الأمثلة الميدانية من مدينة “أقا” وغيرها.

   يقول الكاتب: “عندما وصلت إلى أقا في فبراير سنة 2004، مشيت بين الحوانيت أو المحلات التجارية اليهودية خارج الملاح، أي الحي اليهودي، غير بعيد عن مكان انعقاد “سوق تكاديرت”، ولم أتمكن من الوصول إلى أي من الحوانيت الصغيرة المنتظمة باتساق عند مدخل الملاح.. وبدا واضحا أن هذه المحلات التجارية قد خبت جدوى شهرتها، ولم تفتح أمام مدرسة التجارة منذ تركها اليهود عند مغادرتهم المنطقة في اتجاه إسرائيل سنة 1962، وكما يقول المثل المغربي في هذا الصدد، فإن سوقا بلا يهود هو مثل الخبز دون ملح، وحسب ما جاء على لسان المسمى علي، البالغ من العمر 90 سنة، إثر استجوابي له: فإنه عندما استقر اليهود خارج المغرب، فقد السوق ملحته”.. “أنظر من حولك، إن الشيء الوحيد الذي بقي من اليهود اليوم، هو مبانيهم المهجورة، والمتآكلة ومعظم منازلهم غير مأهولة، والذكرى الوحيدة المتبقية عن وجودهم، هي مقابرهم. وتذكرنا مدافنهم بزمن اليهود ومكانهم، ويبدو الأمر كما لو أن تكاديرت باتت شبيهة بمصنع وقع إغلاقه، ليترك وراءه آلاف من العاطلين عن العمل دون رواتب، أتمنى لو أن اليهود لم يغادروا أبدا، لقد كانوا يضيفون الخميرة على هذا الاقتصاد..

   لم يفت الكاتب، وهو يعطي الأمثلة عن وجود أمثلة للتعايش بين المسلمين واليهود في المغرب، أخذ أمثلة من السوق، وهذه المرة على لسان الحاج “الناجم لحرش”، هذا الأخير أكد له، أن السوق قد مثل فضاءا ظرفيا، انقاليا يبيح وجود الاختلافات الدينية والقبلية والعرقية، ويتساهل في القبول بها، وفي الوقت نفسه، توجد سلسلة مرجعية من القوانين المختلفة تشكل إطارا يتيح لهذه العلاقات إمكانيات العمل بفعالية، وتوفر الحماية لليهود والمسلمين، كذلك من التجاوزات السياسية والاجتماعية ودواعيها، ثم عدد أمثلة كثيرة عن هذه العلاقة حين قال (حسب الكتاب): “قبيل عهد الحماية الفرنسية، اشترى يوسف الصراف أرضا زراعية في قرية الرحالة عن طريق الرهن، وبعد مرور فترة من الزمن أراد المسلم استعادة أرضه، وفي المقابل طالب يوسف الدائن اليهودي بالحصول على مال، غير أن المسلم صاحب الأرض أصر على استعادتها دون الوفاء بالتزاماته، وقرر الإخلال بتعهده الشرعي لليهودي بالحصول على ماله، غير أن المسلم صاحب الأرض، وإذا باليهودي يلتمس المساعدة من حاميه المسلم، المقيم في بلدة القبابة المجاورة.. وفي اليوم نفسه امتطى هذا الحامي المسلم صهوة جواده الأبيض، وتوجه إلى قرية الرحالة ليطالب أخاه في الدين، بإنصاف اليهودي الموجود تحت حمايته، فما كان من هذا المسلم إلا أن انتابه الفزع، فقصد بيته، وأتى بقدر من المال سلمه في حينه إلى مستحقه يوسف، وهذه هي الطريقة التي كان يطبق بها العدل فيما يتعلق باليهود..” (مقتطف من نفس المصدر).

   إلى هنا يطرح سؤال، إذا كان اليهود جزءا من النسيج الاجتماعي المغربي، لماذا رحلوا؟ الجواب على لسان محارب قديم اسمه عباس، قال: “راجت في أواسط الطوائف اليهودية، أخبار إلقاء القبض على اليهود وإرسالهم إلى محتشدات الاعتقال تمهيدا لإحراقهم، وسمعنا أن هتلر كان عازما على قتل جميع اليهود في أروبا، على أن يتولى في وقت لاحق أمر إبادة كل الطوائف اليهودية في العالم”.

   كيف سمعت عن هذا، هكذا سأل الكاتب عباس، فقال هذا الأخير: “سمعته من موشي، شريكي اليهودي، وقال لي بأنه سنوات الأربعينيات من القرن العشرين، تغلب الألمان على فرنسا، فشرعوا في إرسال اليهود الفرنسيين إلى محتشدات الموت الخاصة باليهود، وقد انتابه القلق وأوجس في نفسه خيفة بعد أن قيل له إن الألمان والإيطاليين سيطلبون من فرنسا القبض على جميع اليهود في المغرب، بغية إرسالهم إلى فرنسا.. وأبلغني أن اليهود المتواجدين في المدن المغربية وصلت إلى مسامعهم شائعات مفادها أن السلطات الفرنسية في الرباط، كانت بصدد التخطيط لمطالبة السلطان محمد الخامس بالعمل على تطبيق مجموعة من الإجراءات المناوئة لليهود، ثم انتابتهم الخشية من بداية المعمرين الفرنسيين فعلا في ممارسة بعض أعمال التمييز ضد إخوانهم اليهود (المصدر: كتاب يهود المغرب وحديث الذاكرة).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!