في الأكشاك هذا الأسبوع

مراكشيون يخافون على مهنة المحاماة من أصحاب المهنة

بقلم: محمد بركوش

   كنت قد تحدثت كثيرا، وبأطناب ممل مع نقيب سابق بهيئة غير هيئة المحامين بمراكش) في شأن المقرر الذي أصدره المجلس بمدينة الحمراء في حق زميل ينتمي لرجال الدفاع، وله نصيب على قد الحال في السياسة التي دخلها من الباب المشرع دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة والواقية من ضربات الخصوم والأعداء والمتربصين، تعبت مع المتحدث لأن له مهارة ونفسا طويلا في الجدل، وجدت صعوبة في إقناعه بأن ما جرى ليس سوى امتحان مستعار على أرض السؤال كما قال محمد الشركي، يمكن أن تتغير مع نتائجه كل الاستفهامات الكبرى وتتبدل كل الرؤى، لكن الرجل مقتنع أيما اقتناع  بأن مراكش “المدينة التي شهدت محاكمها أعنف المحاكمات السياسية وأشدها ضراوة على الإطلاق”، هي “أصل البلاء” -هكذا قال-، ومصدر جل المشاكل التي تعاني منها مهنة المحاماة النبيلة فمنها تدحرج «الطعن في المقررات الضمنية» بعد ابتكار إن صح التعبير من النيابة العامة وقيدومها الأستاذ الكبير العلامة “عبد الإله المستاري”، ودفاعها المستميت على المبدإ أولا و قبل كل شيء، رغم ما كانت ودفاعها المستميت على المبدأ أولا وقبل كل شيء، رغم ما كانت تلقاه طلباتها أو بالأحرى طعونها من تصد ورفض بلغة أوضح من قبل الرئيس الأول الأسبق لمحكمة الاستئناف الأستاذ مولاي هاشم العلوي الذي تذكرناه بالمناسبة، وأعدنا سيرته المهنية وتلمسنا بصماته النيرة، وتلون بعضا من قراراته الصائبة، وهي عديدة لا تزال تشكل مرجعية قانونية لدى المهتمين والمشتغلين بالقطاع، شأنها شأن مؤلفاته التي أعادها إلى  الواجهة الأسبوع الماضي أحد البرامج التلفزيونية المهتمة بالانجاز الثقافي في المغرب وخارجه، ومنها أيضا يضيف المتحدث القرار الفد أو الفريد بلغة أوضح والذي ألغى فوز الأستاذ الصباري كنقيب، وأعاده إلى الصفوف في انتظار كلمة محكمة النقض في الموضوع، وهو انتظار عجل ربما بتولية النقيب حتيتش عبد اللطيف المعروف بتعلقه وتحكمه في منطلقاته وتعصبه لتطهير المهنة، ورفضه الدخول في متاهات لا تصلح ما فسد بقدر ما تضيف الطينة بلة، وسنه لمنهجية خاصة وتعامله بنفس أبية وروح عالية، (مثلا اعتماده على ماله الخاص في السفريات والتنقلات المهنية) وتفاعله الايجابي مع كل فعاليات القطاع، وحرصه على تفادي الخطوات الخاطئة، لأن هذه الأخيرة في نظره تورث الانكسار والانكسارات المتتالية تسبب الضعف والوهن، وان كان صدور مقرر الإيقاف وتنفيذه بطريقة فيها «الكثير من التسرع» قد خلق تساؤلات ملحة حول انسجام عناصر المجلس وتعايشها داخل رواق مهني عال: تساؤلات ربما وكان قال احد الزملاء لم تأخذ في الاعتبار«أن ثمة أمورا متكثرة يصعب تجليتها وإظهارها على وجه التمام» اعتمادا على أن التلاقي الحقيقي يستعصي بالختم على كل حالة حالة بالإجماع، (وهذا هو الوجه الغبي في الديمقراطية التي يحتكم فيها إلى الأغلبية)، إذ يتوجب والحالة هاته الاستغراق في النقاش واخذ الرأي الأخر يتوسل وساطة غير العلاقة الخاصة أو الحزبية وتفادي الأحكام المسبقة والسريعة والمتولدة عن غضب، أو كراهية أو سوء فهم، دون أن ينسى المتحدث الإشارة إلى المقرر الأخير الذي اعتبر صدوره «سقوطا في خطأ  وبما سيكلف المجلس بل المهنة كثيرا، وسيضعها في موقف حرج أمام جهات أخرى»، وهذا بالطبع كلام كبير، حركته العاطفة قبل استفتاء العقل كما يقال، نظرا لوجود  علاقة صداقة كانت هي المستقوية والمتحكمة، على عكس وجهة نظري التي كانت تروم الحفاظ على رمزية المؤسسة وحماية هويتها إن صح التعبير، وإن كنت في العمق ضد السرعة والتشدد واعتماد السطحية والخلفيات.

   لقد بعثر القرار الذي أصدرته محكمة الاستئناف بمراكش يوم 13/1/2016 وهي مشكلة من قضاة أكفاء وبأوزان ثقيلة ومعرفة واسعة بالقوانين على رأسهم الأستاذ “عبد اللطيف الحطاب” الذي راكم تجربة كبيرة في الميدان المدني جعلته مرجعا مهما في القضايا المدنية، يقصده الجميع للاستشارة والاستفادة وحل بعض الصعوبات، والأستاذ “المصطفى جرايف” الذي «قرر» في الملف وسعى إلى تجهيزه ووضع تصور تام وكامل لمحتوياته، وكذا الأستاذ “سيف الإسلام” و”محمد الغالي بورحيم” والدكتور “عبد الله الكرني” قلت قرار بعتر كل المعلومات المتنقلة وأذاب كل الأخبار الرائجة، والتي «ذاخ» معها المواطن العادي حيث اختلطت عليه الأمور ولم يعد يعرف شيئا بعد أن تداخل مشكل مهني مع مشكل مرتبط بالفساد المالي: فعل ذلك (أي القرار الذي ألغى مقرر توقيف الأستاذ “نور الدين أيت الحاج”بعد قراءة طقوسية ومهنية محضة قائمة على الشرط القانوني، ونقاش مستفيض وحاد أحيانا، وتفكيك للنصوص المعتمدة وخلخلتها، وفقا لرغبة المشرع وليس رغبة جهة من الجهات، وذلك للوصول إلى منطوق منسجم مع الحيثيات ومنع النصوص المطبقة خلافا لمقرر المجلس الذي توسع في التفسير بشكل مطط كثيرا من بعض الفصول، منطوق أعاد الكثير من النور الذي قضى بأشعته على كسوف شرس كما قيل كان سيؤدي إلى دفن حلم رجل (لا يهم من هو) في مقبرة مترامية النسيان وحشد حقوق زبنائه معه، وهذا من روع الكثيرين ممن أصبحوا يخافون على المهنة من أصحاب المهنة، ويتخوفون من «تسرب سياسة الانتقالية أو التفاضلية» كما عبر عن ذلك أحد الزملاء، خاصة أن هناك قضايا مطروحة تتسم بخطورة ما وبعنف مهني معين ومع ذلك لا يزال أمرها أو أمر البث فيها معلقا على شرط أو شروط، “محكمة النقض تفضح محامية بمراكش استعملت اسم زميلها في ملف قضائي دون علمه” (عنوان أوردته جريدة الأخبار العدد 936 بإمضاء الصحفي الكبير باطراح)، زيادة طبعا على مسألة الافتحاص ومحاسبة الفترة الماضية والتي قيل عنها بانها انهكت الميزانية بشكل ملحوظ، نتيجة السفريات التي لا تضيف قيمة ولا تجد نفعا، وكذا المصاريف الكمالية والتعويضات الخيالية حسب ما يتردد في الوسط العام.

   لقد أعطى القرار الذي أصدرته محكمة الاستئناف بمراكش بتوجه قانوني وقناعة تامة الأسبقية لتطبيق القانون، التطبيق السليم، إذ لم يتطرق إلى براءة الطاعن ولا إلى إدانته من الأفعال المتابع بها، وإنما توقف عند إلغاء مقرر التوقيف وترتيب الأثار القانونية على ذلك، وفي نفس الوقت حمل رسالة بالغة الوضوح وسهلة القراءة إلى أولئك الكبار الذين سبق أن وصفوا قضاة استئنافية مراكش بالجهل القانوني عند إلغاء انتخاب الصباري: رسالة تقول بان القضاء والمحاماة رغم الاختلاف أحيانا في الأسبقيات والمنطلقات فأنهما معا لا يتأخران في درء الاعطاب والمخالفات والاستجابة السريعة لهزاتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!