في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة| الانتحاريون في المغرب كانوا قبل داعش والعلماء يفكرون: نحن في حاجة إلى سلطان قوي

بقلم: مصطفى العلوي

   لو كان وزير التعليم يقرر تدريس مواد تاريخ المغرب، وصراعات قبائله والمجازر التي حصلت فيه على أطراف المدن والجبال، والوديان والأنهار، لنزل الطلبة والجامعيون إلى الشوارع مطالبين بمراجعة مشروع الجهوية الغير مدروسة، والتي أسفرت عن نتائجها، الانتخابات الجهوية الأخيرة.

   لأن مائة سنة التي مرت على هذه الأحداث، لا تكفي لأن تنسي المغاربة أخطاء جدودهم، إن لم يكن هناك بيننا أحياء عاشوا هذه المآسي المطبوعة بجهل(…) من ساق القدر هذا الوطن، ليخططوا له ويرسموا له الطريق.

   في غشت 1894، قتل أحد سكان الشاوية، بمدينة الدار البيضاء أحد السواح الألمان، فأمسكت شرطة عامل المدينة، عبد الرحمن بركاش، بالقاتل وأعدمه، ليثور إقليم الشاوية بأكمله، ويشكل عصابات حول الدار البيضاء ومظاهرات تطالب بإطلاق سراح كل الشاويين المعتقلين، ولما شعروا بإحراج الدولة وضعفها(…) وسعوا طلباتهم بإلغاء الديون التي يدين بها بعض الشاويين لليهود والنصارى الساكنين معهم، بل وإن المعتصمين، أمسكوا بمائة وخمسين أروبي، خطفهم الرفادة الزناتيون وعروهم من ثيابهم، ثم هربوا، ليسمع الإنجليز بالخبر ويرسلوا أسطولهم إلى ميناء الدار البيضاء.

   وسمع الجيران في دكالة، بالخبر، فهجموا على مدينة الجديدة وأعلنوا الثورة على المخزن، ليمتد التمرد جنوبا إلى الرحامنة، عبر تمرد قبائل أحمر، ومسفيوة الذين احتلوا مدينة دمنات، قبل أن يسمع الأنكاديون والمهاية، وفي أطراف مدينة وجدة، ويعلنوا التمرد في جهاتهم (التفاصيل في كتاب أربعة قرون. مارتن).

   وعندما تعم الفوضى، تظهر الزعامات المختلفة، تارة باسم الشلوح، وتارة باسم المتدينين، فبعد ثورة الدار البيضاء، ووصول الأسطول البريطاني، ظهر في الشاوية، زعيم يسمى الشيخ البوعزاوي ليسد الفراغ، وادعى أنه شريف من أحفاد المولى إدريس، دعمته في هذا الاتجاه، الزاوية القادرية. وفي 1903 انفجرت ثورة دكالة، بزعامة قائدها بوعلي الذي جمع تحت نفوذه أولاد فرج، والزوايا وشتوكة، والشياظمة.

   قد يقول قائل، وأين هو السلطان، والسلطان في ذلك الزمان، كان هو عبد العزيز، وكان قد استفاد من الدرس الذي تلقاه والده السلطان العظيم، الدائم الحضور على فرسه، مولاي الحسن الأول، الذي ذاق مرارة الانفصال، وغلبه الانفصال رغم عظمته، في المعركة التاريخية ببني يزناسن، التي ركب حصانه ليفرض فيها النظام، بعد الهزيمة التي لحقته من طرف الفاسيين سكان فاس، الذين أرادوا إعلان شبه استقلال داخلي في دروب فاس، حول زعيمهم الحاج أحمد الرايس، الذي جند حوالي 2500 من أتباعه الذين كانوا يقولون، ألسنا على طريق ضريح مولاي إدريس، لكن جيوش مولاي الحسن أحاطت بهم، وقال قائد جيشه: لقد أحكمنا القبض على الفاسيين كفئران في مصيدة، لكن السلطان الحسن الأول، أمر بإيقاف إطلاق النار، وبعث مرسولا خاصا ليطمئنهم، وجد الزعيم الرايس، ملتفا في بطانية داخل ضريح مولاي إدريس، أبلغه السلطان، أنكم لستم المذنبين، وإنما المذنب هو عامل الإقليم باشا فاس السراج الذي استدعاه السلطان وقال له: إن الفاسيين يشعرون أنهم تحت قبضة أيدي ضعيفة، فأنت لا تعرف الحكم ولا القيادة.

ولكن السلطان الحسن الأول، إنما كان يهدئ واجهة فاس، ليتفرغ للانفصال الآخر الذي أعلنته قبائل بني يزناسن، بعد أن قال له قائد جيشه: إننا يا مولاي ثمانية آلاف، وجيوش بني يزناسن ستون ألفا(…)، إنه لم يبق لنا إلا الفرار، والإفلات بأرواحنا، تصوروا ستين ألفا يلتحقون بدعاة الانفصال.

   ولم يكن الحسن الأول خائفا، حيث جمع جيوشه ((وعبر نهر سبو وتوجه نحو بني يزناسن، كتب شهود أنه خلال المعارك قتل رجال، وشخصيات سامية، فيهم من قطعت أشلاؤهم وافتقد كثير من الوزراء المهمين الذين بقوا تائهين)).

   وكانت مأساة بالنسبة للملك العظيم، الذي كان يطمح إلى السفر إلى أطراف مملكته على أطراف نهر السنغال وشرقا في تمبكتو بالمالي الحالي، ولكنه وجد نفسه في وضعية كتبها المؤرخون بهذه الصيغة الحزينة: ((عندما واجهنا وحدات القبائل، التحق مولاي الحسن بالمعسكر هادئ البال تحت مظلته، وما حدث من بعد(…) هو أن القايد محمد بن القاسم الشركي، وجد السلطان مختفيا تحت الصخور حافي القدمين، ماسكا بندقية، فأعطاه القائد فرسه وأمسك بلجامه إلى أن أوصله لطريق العودة)) (زمن المحلات. لويس أرنو).

    سنون من بعد، وبعد موت السلطان الحسن الأول، وتنصيب ولده الصغير عبد العزيز، في إطار صفقة بين أم الولد الشركسية قيقة، والرجل الأول، صديق الملك، المسمى باحماد، اكتشف علماء المغرب أن سبب هذه المشاكل والمصائب كلها ((هو أن المغرب يبقى دائما في حاجة إلى سلطان قوي يحرس الإسلام، ويحرس الحدود، ويقوم بالمهمة التي كلفه بها الله)) (رسالة العلماء لإقالة السلطان عبد العزيز).

   وكان ثائر آخر في آخر أيام الحسن الأول، يسمى بوعزة الهبري قد أعلن الثورة في نواحي تازة، وهو الذي في لحظة تعقل ومراجعة لتاريخ الحسن الأول، قال في خطاب مشهور له: ((أنا لا أريد بالسلطان شرا، فليقم بواجبه)).

   ودائما السلطان، ودائما يتحرك التمرد في العقول، عندما يشعر الشعب بعد تغيير السلطان، أن السلطان الجديد، يكتفي بالإرث الذي خلفه له والده، ويتفرغ للمتعة، وهو ما حصل بعد أن مات الحسن الأول، وورثه ولده الشاب عبد العزيز، الذي لم يكن على مستوى الأحداث، لقد استفحلت أفكار الانفصال الجهوي(…) مع موت الحسن الأول، مع بداية القرن العشرين، الذي تزامن مع الاحتلال الفرنسي للمغرب، وهو الاحتلال الذي لم يستطع التغلب على ما سمي بالمقاومة الشعبية، المقاومة التي كانت منطلقة من فكرة الانفصال، وهو ما أكدته الوثائق الفرنسية من خلال تقرير كتبه المستشار العسكري الفرنسي الكولونيل “بوكو” إلى الجنرال ليوطي ((ينصحه بإعطاء الحكم الذاتي لقبائل آيت يوسى، وتلميح ليوطي في غشت 1914، إلى الفشل العسكري الفرنسي في مواجهة الحركات الانفصالية، من منطقة الأطلس المتوسط إلى الصحراء في الجنوب، خصوصا بعد انطلاق ثورة الصحراوي الهيبة الذي رفض مقترحا لليوطي في مفاوضاته معه، من أجل إطلاق يديه في المنطقة الممتدة إلى الصحراء الغربية، شرط الاعتراف بالسيادة السلطانية، لكن الهيبة، رفض الاعتراف بالسلطان)).

   وبعد الهيبة، فوجئت السلطات الفرنسية بقبيلة أمازيغية كبرى، قبيلة امهاوش، وقد اختاروا مناسبة عيد المولد النبوي، لإعلان منطقتهم منطقة إسلامية مقدسة ممنوع دخول الجيش الفرنسي إليها ((لتظهر مبكرا الدعوة الإسلامية في حركة سماها المؤرخ ريفي “حركة الإخوان المسلمين” متزامنة مع ظاهرة تسربت من قبائل إيكورا، أعلنوا مع امهاوش، الزعيم أبو بكر امهاوش، رسولا إسلاميا(…) يدعو أتباعه إلى الاستشهاد في سبيل الله، بتأييد من الزاوية القادرية والزاوية الدرقاوية، وبعد أن كان الأقطاب يسمون، رجال الحال، أصبحوا يسمون أنفسهم رجال الساعة)) (تقرير الإقامة العامة. بتاريخ 23 أبريل 1923).

   بل إنه في ذلك الزمان، شاعت ظاهرة الانتحاريين الإسلاميين، حيث جاء أحد أقطاب أيت سغروشن عند حاكم منطقة المرس “اللوتنان دوروسوا” ليقول له يا سيد الفسيان، بصيغة الشجعان، إننا سنضحي بحياتنا من أجل هذا الوطن، ليعثر الجيش الفرنسي أياما من بعد، على جثة هذا القطب السغروشني في أرض المعركة التي حصلت في صيف 1923.

   وكان النموذج الانفصالي الأكبر، قد دخل تاريخ المنطقة الجنوبية المغربية، مبكرا، بعد أن فقد سكان سوس، العالمة(…) كل ثقة في العاصمة(…) منذ سقوط الدولة السعدية التي سبق للسوسيين أن دعموها، وأصبح السوسيون ((يريدون تأسيس دولة جديدة(…) يجمعون بها كلمتهم المتفرقة بعد أن تفرق أمر المغرب(…) وافتقدوا الرجال المحنكين، الذين يقدرون على تدارك ضعف العرش(…) الذي وقع في غلطة المعتصم العياسي، وأمثاله، في ترك المملكة في أيدي العبيد(…))) (المختار السوسي. إيليغ).

   وقد كان ظهور الزعيم السوسي بودميعة، واستمرار تحركات أولاده وأحفاده في حوز مراكش وحتى في القطر الجزائري، مناسبة لكشف القوات الأروبية، عن دعمها الدائم لكل حركات الانفصال، كما نراه الآن، في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي، بعد أن رأيناهم وهم دعاة الانفتاح والديمقراطية كيف اكتفوا بالتفرج على تساقط الأنظمة الملكية، تفرجوا على سقوط ملك مصر فاروق في 1952، وسقوط ملك العراق فيصل سنة 1958، وسقوط ملك اليمن يحيى في 1962، وسقوط ملك ليبيا السنوسي في 1969، وحتى عندما أسس الأمير عبد القادر الجزائري، بعد انسحاب العثمانيين من الجزائر، إمارة إسلامية، فقد شطبته الجيوش الفرنسية من الوجود.

وعندما قامت دولة إيليغ في جنوب المغرب بعد التبرير الذي كتبه القطب المختار السوسي، من أنه ((متى فقد الرجال المقتدرون حوالي العرش، فسرعان ما ينهار.. فتعود الفوضى جذعة إلى الشعب)) (المعسول).

تعليق واحد

  1. يعطيك الصحة اياك اعني واسمعي يا جارة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!