في الأكشاك هذا الأسبوع
تبادل الدموع بين فؤاد الفيلالي وحفيظ العلمي، كل واحد يعرف لماذا يبكي.

الحـقــيقة الضــــائعة | كيف بكى الجنرال بنسليمان ساعة إعدام رفاقه

 

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

تعجب المستشار في القنصلية الأمريكية بطنجة “جورج هولت”، من مظاهر العلاقة بين رجال الشعب، وبين الملك، حين يدور عليه الزمن، فقد شاهد هذا الأمريكي السلطان مولاي عبد العزيز، عندما جاء إلى ميناء طنجة على ظهر باخرة صغيرة، في عز البرد من شهر دجنبر 1909 هاربا من أخيه المنتصر السلطان الجديد، مولاي حفيظ، وقال الدبلوماسي الأمريكي إنه بقي ينتظر نزول السلطان السابق من المركب، وكان مولاي عبد العزيز ليلا، وهو على ظهر الباخرة، ينتظر أن لا يبقى أي أحد، بالميناء، حتى بعض المخازنية بقي ينتظر ذهابهم.. ولما لم يبق أحد، نزل السلطان خائفا.. قبل أن يذهب لسكناه البعيدة عن طنجة..

وقد فهم الدبلوماسي الأمريكي، أن هذا الملك المبعد عن عرشه، هو ورقة قد تلعبها أمريكا ضد فرنسا، المتصرفة في شؤون المغرب قبل الحماية، وتعيد مولاي عبد العزيز إلى عرشه لولا أنه رفض، وقامت الدولة الأمريكية، بعدما راجت أخبار عن إمكانية عودة مولاي عبد العزيز للعرش، واستدعته لزيارة بارجة أمريكية كبرى، في ميناء طنجة، اسمها “جورجينا”، فجاء مولاي عبد العزيز، على متن حصان، بسرعة وكأنه هارب ولم يكن في الميناء أحد، في تلك الساعة المبكرة من الصباح، إلا بعض الصيادين، كما يحكي الكاتب الذي صعد معه على متن الباخرة، كيف تعجب السلطان من ضخامتها: ((وكان يتفسح وزيت المحركات تلطخ كساءه الأبيض، في غرفة الآلات، وهو يردد: عجوبة، عجوبة، وعندما سمع ضباط الباخرة يتكلمون في اللاسلكي ابتعد هاربا وهو يقول: الجن، الجن ماشي مزيان)).

الأعجوبة السياسية كانت كما يروي الكاتب الأمريكي، عندما رجع الملك من الباخرة: ((لنجد اكتظاظ الرصيف من أدناه إلى أدناه بالناس، الذين لا نعرف كيف جاؤوا بهذا الكم، وكيف شاع خبر وجود السلطان السابق بهذه السرعة، حيث كان ما لا يقل عن ألفين(…) من الناس في انتظاره تجمعوا حوله وهم يتصارعون للمس طرف ردائه.. وانحنت له لحي الشيوخ التي خطها الشيب، فبكى)) (ملخص الكتاب. عبد المجيد بن جلون. جولات في مغرب أمس).

وهكذا تأثر الدبلوماسي الأمريكي الكاتب، بدموع السلطان السابق، ربما ((كأعظم حادث شاهده في حياته)) كما يقول، فبكاء الملوك والأقطاب هو ظاهرة الدرس الأزلي، الذي أعطته السماء، وتحدث عنه القرآن، في سورة التوبة، حين قال لهم ((فليضحكوا قليلا، وليبكوا كثيرا)).

فكثير منهم بكوا.. ولكن بعد فوات الأوان، في كثير من الحالات، قديما.. وحديثا(…).

حديثا حينما يصدمون باكتشاف أشياء كثيرة، كانت تحجبها عنهم ظروف حجب الرؤيا بواسطة المستشارين والمقربين، أو حينما يتفحص الكثيرون منهم، ما يدور في خلدهم مما لا يستطيعون أن يحكوه لأحد، فيدفنوه حرقة في صدورهم، وكثير منهم يبكون ليلا.. من جزئيات تنكد عظمتهم نهارا.

كواحد من ملوك الأندلس، الذين كان الإسبانيون قرونا طويلة، يتعجبون من عظمة هؤلاء الملوك المسلمين الذين حكموهم إلى أن يأتي اليوم الذي يدفعون فيه أمام الهزيمة ثمن أخطائهم.. ليصبح البكاء، هو التعبير الأخير، عن المرارة.. لنقرأ وصف الكُتاب الإسبانيين، لدور البكاء في هزيمة المسلمين في الأندلس.

((في اليوم الذي تحدد لتسليم قصر الحمراء، كان رنين البكاء يتردد في غرف القصر والحاشية منهمكة في حزم أمتعة الملك، الذي حين بلغ الباب الذي سيغادر منه المدينة إلى الأبد(…) ضج الحراس بالبكاء(…) بينما وقف الملك يسرح بصره في تلك الربوع التي شهدت عزه وسلطانه، فانهمر دمعه وأجهش بالبكاء، فصاحت في وجهه أمه الأميرة عائشة: “أجل: فلتبك كالنساء، ملكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال” وسماها الإسبان في كتبهم “إنها زفرة العربي الأخيرة” « EL ULTIMO SUSPIRO DEL MORO »)) (دولة الإسلام في الأندلس. عبد الله عنان).

وتتضخم عظمة البكاء، بقدر عظمة الباكين، خاصة إذا كانوا رؤساء، ملوكا، أو سلاطين، أو عظماء متجبرين، وهناك دموع تكون حرى (…) وأكثر إيلاما، إذا كان الباكي يعرف مقدما ماذا ينتظره في المقبل من الأيام، مثل شاه إيران، الذي استدعاه الرئيس الأمريكي كارتر، بضعة شهور قبل أن تحدث الثورة الإسلامية، وبالتحديد في نونبر 1977، حيث أقام له كارتر حفلات باذخة، وكان مئات الطلبة الإيرانيين يتجمعون للمظاهرات ضد الشاه، ومتظاهرون مؤيدون له، فأطلق البوليس الأمريكي قنابل مسيلة للدموع ((فراحت غازاتها تهب عبر حديقة البيت الأبيض، وهنا وقف ملك الملوك الشاه، والرئيس كارتر يختنقان، ويغصان بالدموع(…) بينما كان كل واحد منهما يحاول امتداح الآخر: رغم أن كثيرا من الحاضرين كانوا مقتنعين بأن واقعة المظاهرات خططت لها حكومة الولايات المتحدة كإهانة متعمدة للشاه)) (رحلة الشاه الأخيرة. شوكروس).

وكان الشاه ذكيا يفهم كل شيء.. يفهم طبعا، أن الأمريكيين يضحكون عليه ((وشرب كارتر نخب الشاه بحرارة في العشاء وعند الغذاء، في اليوم الموالي، خطب الشاه وقال: بأن كارتر جلب له الدموع في الصباح، والدموع في الليل(…))) (نفس المصدر).

وعندما أقام الشاه، حفل عشاء لكارتر، مركبا من ((الشمبانيا، دون بيرنيون والكافيار، والكباب والرز المخلوط مع اللحم، والفواكه والمشروبات الخرافية، ثم البوظة المثلجة يغطيها الكونياك المشتعل، ألقى الرئيس كارتر كلمة ترجم فيها قول الشاعر الإيراني المعارض(…) السعدي يقول فيها:

إذا كنت لا تبالي ببؤس الآخرين

ولا تهتز فيك مشاعر الأسى لهم

فإنك لا يمكن أن تدعى بشرا مثلهم)) (نفس المصدر).

ألم يبق لملك الملوك، أمام هذه الإشارة، إلا العينين ليبكي بهما، أليس هذا التذكير الشعري، يكشف أن الرئيس الأمريكي على علم مسبق بالثورة.

الدموع الأخيرة في مسيرة الشاه كانت في عيون زوجته فرح ديبا وهي تشهد موته في القاهرة، وقد وقفت بجانبها جيهان زوجة السادات تواسيها.

دموع أخرى في تاريخ المغرب، وفي عز عظمة المخزن أيام الأميرة للافاطمة، حفيدة السلطان مولاي إسماعيل، بنت ولده مولاي سليمان، حينما قام زوجها بهجرها، ونفيها إلى مكناس سنة 1781 ((غلبها حزن الهجران(…) فماتت حسرة، وحزن عليها ولدها مولاي علي بن مولاي عبد الله، فمات حسرة حزنا على وفاتها، وسمع أخوه مولاي المامون بموت أمه وأخيه، فمات هو أيضا شهورا قليلة بعد موتهما)) (نساء بدون حجاب. محمد بركاش).

الموت بالحزن والأسى أخطر طبعا من الموت بالمرض، فقد ماتت أم الملك محمد الخامس في شتنبر 1953، سنة بعد نفي ولدها محمد الخامس في 20 غشت 1952 وسمع ولدها محمد الخامس بالخبر وهو في المنفى، فكان وقع موتها عليه أخطر من وقع المنفى.

وفي ما يتعلق بنا، يحفل التاريخ المغربي بالكثير من الخزن والبكاء، وإن كان البكاء يعتبره الكثيرون ضعفا.. فإن البكاء ليس حصرا على الضعفاء والبؤساء.

يحكي أحد محامي الوزير السابق في المالية، مامون الطاهري رحمه الله، وقد كان قمة في حسن الأخلاق، وفي الذكاء، مرة رافق الملك الحسن الثاني في إحدى زياراته لشاه إيران، قبل أن ترغمه الأيام على البكاء.. وكان الحسن الثاني لا يقبل انشغال الشاه عنه، فيقول للمامون الطاهري عدة مرات، اجلس معي لتؤنسني، ليتذكر المامون الطاهري ظروف القرب الحميم من الحسن الثاني، عندما كان في سجن سلا، الذي أودعه فيه صديقه الملك، بعد أن قرر متابعة مجموعة من الوزراء بتهمة الرشوة، وبقي المامون في سجنه عدة سنوات، وعندما دخل محاميه، انفجرت عيناه بالدموع وهو يحكي.

كتلك الدموع التي رآها كثير من الشهود، في عيون الولد المدلل عند الحسن الثاني، صهره فؤاد الفيلالي، عندما لم يحضر زفاف ابنته للاسكينة، وما أحرها من دموع.

دموع كثيرة سالت في المغرب هو أيضا، من عيون رجال أقوياء، ولازالت دموع أخرى ستجري في زمن الظلم، فتلك سنة الكون، كتلك الدموع التي جرت من عيون واحد من أقوى رجال العسكر في المغرب، الجنرال حسني بنسليمان، الذي حضر فجر يوم 13 يناير 1973، عملية إعدام الطيارين المحكوم عليهم بالإعدام في حادث الهجوم على الطائرة الملكية سنة 1972 وكان أغلبهم أصدقاء للجنرال بنسليمان، فحكى الضابط الذي كان حاضرا في موقع الإعدام، وهو في حالة اعتقال، وكتب: ((كان الجنرال حسني بنسليمان، يدير رأسه قبل إطلاق كل رصاصة لأن هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يقتلون، الواحد تلو الآخر، كلهم من أصدقائه وفي الوقت الذي شد فيه وثاق أمقران، استدار الجنرال بنسليمان وأشاح بوجهه وبكى(…))) (مذكرات. محمد الرايس).

((أفمن هذا الحديث تعجبون.. وتضحكون.. ولا تبكون)) (النجم).

صدق الله العظيم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!