في الأكشاك هذا الأسبوع

دولة إمارة المؤمنين تختار فصل الدين عن السياسية في نهاية حكومة الإسلاميين

إعداد: عبد الحميد العوني

   اختار حزب الأصالة والمعاصرة الطريق الثالث قبل إلياس العماري في أمانته العامة، واختار وسط اليسار قبل قيادة الوسط في الساحة السياسية، وأخذ من الفكر الاشتراكي الجوهر الاجتماعي، ومن الليبرالية جوهر الديمقراطية الاشتراكية المبنية على الانتخابات، والمفاجئ أن تختار دولة إمارة المؤمنين فصل الدين عن السياسة في كواليس المؤتمر، قال الجميع، إن بن كيران صوت ليكون إلياس العماري أمينا عاما للبام، لو عقد حزب العدالة والتنمية مؤتمره، وانتخب العثماني لقررنا استمرار الباكوري، ولو اختار الإسلاميون اسما آخر لاخترنا ما يناسب.

   ودون أن يذهب بن كيران إلى دايفوس، وهو خارج المغرب في البلد الذي انتقد أحد مسؤوليه الأمنيين النافذين، انتخب مؤتمر الأصالة إلياس العماري الموعود بالمواجهة المفتوحة ضد الإسلاميين للحفاظ كما قال على المسلمين، أنه مخاض عسير لفصلا لدين عن السياسة، وقد يقتل هذا الخيار حزب العدالة والتنمية، وإن بعد حين.

   لم يعرف المؤتمرون لماذا حيكت مناورة تأنيث الطريق الثالث قبل انتخاب إلياس العماري، لاقتراح فاطمة المنصوري لقيادة البام وزعامة تيار الديمقراطية الاجتماعية في مقابل نبيلة منيب واقتراحها في ندوة قيادة الطريق الثالث بين الأصولية الدينية والأصولية المخزنية، وسبق لحسن أوريد أن ناقش مع اليوسفي في ندوة لإحياء الذكرى الخمسينية للمهدي بنبركة، إطلاق طريق ثالث بين الهوياتيين والتكنوقراط؟

   ولا يختلف المراقبون أن حالة التأنيث ترمي إلى إضفاء حالة من التحديث، لكنه تحديث شكلي لن يدعم مشروع الفصل بين الدين والسياسة، كما يقول أوريد صراحة في كتاب صدر له قبل أيام تحت عنوان: مأزق الإسلاموية، حالة المغرب.

   وفي دهاليز مؤتمر الأصالة والمعاصرة، وجدنا الصف منقسما بين من يقول باستمرار قيادة مصطفى البكوري لاستقرار الخارطة السياسية، ومن يريد تموقعا جيدا للأصالة والمعاصرة ولن تكون دون قيادة الحزب لما يسمى  للطريق الثالث، انتهى القرار في 12 دقيقة الأخيرة إلى ما يسمى المشروع الجديد الفاصل بين السياسة والدين، لتعزيز ربط الدين بالدولة في شخص أمير المؤمنين.

   وكشف اعتماد الديمقراطية الاجتماعية مذهبا لحزب البام أن إدارة هذا التيار منذ عهد البصري عبر حزب عرشان فشلت، وإن قرر بعض الأمنيين أخيرا الاستعانة بذوي النزوع السلفي لعودة الحزب وتجديده في نفس الإطار، وتقدم حزب الأصالة والمعاصرة للإجابة عن سؤال احتواء الطريق الثالث والديمقراطية الاجتماعية في مهمة مزدوجة من خلال جيل حزبي ثان.

وانتقد محمد المعزوز الخلط الحادث في الصياغة بين الوثيقة المذهبية والتقرير السياسي لوجود نية في استثمار مذهب فكري (الديمقراطية الاجتماعية) استعمله أمنيون في وقت سابق، واحتواء طريق ثالث دعا إليه منافسون سياسيون، ومن المهم في هذه الحسابات ألا يسطو اليساريون الجذريون على هذا المذهب وأن يؤول لصالح المشروع الديمقراطي الحداثي عن طريق حزب الأصالة والمعاصرة.

   ويبدو جليا أن الاشتراكي اليوسفي والاشتراكيين الموحدين الذين تقودهم منيب تجمعهم قناعة “الدولة القوية” لكن حزب الأصالة والمعاصرة قد يحول قوة الدولة إلى قوة النظام فقط أو ينتهي الأمر إلى الدولة المتضخمة التي خشيت منها مطارحة محمد المعزوز.

   ومن جهة أخرى لا يبدو تمييز بين قوة الدولة وقوة النظام في الصراعات الحالية حول “الطريق الثالث” فبين من يدعوا إلى قوة الدولة عوض قوة النظام لقناعته بالملكية البرلمانية، وفي مقدمتهم الاشتراكيون الموحدون في شخص منيب والاتحاديون الاشتراكيون بزعامة لشكر، قبل اليوسفي، ويقبل الآن، بالملكية القوية المساوية للدولة القوية، وهي طريق ثالث في نظره بين الملكية التنفيذية المعضدة بإمارة المؤمنين، والملكية البرلمانية على النمط الأوروبي.

   ومن المخيف بناء دولة متضخمة أو بناء نظام متضخم يعيد الملكية إلى ما قبل دستور 2011، لأن هذين الخيارين سلبيين. ومن المهم، في هذا السياق الوصول:

   1ـ إلى تمييز العمل التأطيري عن المهمة الاستراتيجية لحزب الأصالة والمعاصرة وباقي أحزاب وتنظيمات اليسار في مرحلة محددة.

   2 ـ أن تكون القناعة المذهبية متمايزة عن القناعة التاكتيكية للحزب.

   3 ـ أن يكون الاختيار الاقتصادي أساسا لتبني رؤية أو مذهب فكري، ولا يزال الطريق الثالث دون ماهية أو هوية اقتصادية بالمطلق.

فشل الترجمة الإيديولوجية واللغوية في تنزيل (الديمقراطية الاجتماعية) ضمن بنود الوثيقة المذهبية لحزب الأصالة والمعاصرة

   يستنتج قارئو الورقة المذهبية لأول تنزيل لمذهب (الديمقراطية الاجتماعية ) صعوبات كأداء اعترضت صائغيها في حزب الأصالة والمعاصرة، لعدم وجود خلفية فكرية محلية لمعتنقي (المذهب) وعدم استيعابه نظريا لربطه قيما بقوى اجتماعية واقتصادية محددة، والحزب جمع رجال الأعمال “الصناعيين”  والفلاحين بالأرياف في تربة انتخابية واحدة، وليتمكن الاقتصاد المغربي من بناء صناعة وطنية متقدمة وفلاحية بالأساس لإنتاج معنى اجتماعيا لا بد من الانضمام إلى فكرة يمكن إنتاجها مغربيا أو مغربتها.

   ويبدو “عدم الانسجام” مؤكدا بين الورقة المذهبية والتقرير السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة وبين مهمته لبناء طريق ثالث في المغرب.

   وتغليب فكرة “المحافظة الاجتماعية” التي يمثلها حزب العدالة والتنمية في صفوف الطبقة الوسطى والصغرى المتدينة أو “المحافظة الإدارية” التي تمثلها قيادة مصطفى البكوري في حزب البام، يشكل الهاجس المؤكد لدى طبقة الحكم.

   ويتفق الحزبان المتنافسان في تغليب أساليب البيروقراطية الحالية على ما عداها، ويعمل حزب (التجمع الوطني للأحرار) على هذه الرغبة من داخل الحكومة، فيما تدفع معارضة حزب الأصالة والمعاصرة إلى تكريس الحكومة القوية في حدود خدمتها وكونها أداة من أدوات النظام القوي.

   ولا يقترح دعاة الطريق الثالث سلة من الإجراءات لدعم التنافسية العادلة لإرساء نظام اقتصادي مختلط أو اقتصاد السوق الاجتماعي في مقابل موضوعي للنيوليبرالية.

   ومعارضة الأطراف الثلاثة: الاشتراكية الديمقراطية، والديمقراطية الاجتماعية، والملكية الاجتماعية للنيوليبرالية شيء متوقع بعد المصالحة التي قادها بن كيران بين حزبه ودوائر التمويل الدولي، وبين النيوليبرالية والملكية التنفيذية في تنزيل دستور 2011.

   ومن الغريب أن تكون مصالحة حزب العدالة والتنمية للنيوليبرالية في نفس الكفة التي صالح فيها حزب الأصالة والمعاصرة والاشتراكية من خلال خلط الفهوم في تنزيله ورؤيته لما يسمى الديمقراطية الاجتماعية.

   وما يجمع بلاغيا بين الإسلاميين والنيوليبرالية يجمع الديمقراطيين الاجتماعيين والفكرة اليسارية ـ الاشتراكية ـ في حزب الأصالة والمعاصرة.

   ومن المعروف أن الجيل الأخير في الديمقراطية الاجتماعية لا يجعل تدخل الدولة “رئيسيا” في ضبط السوق أو في الحماية الاجتماعية، فيما التزم الصائغون بالفكرة الاشتراكية في هذا الباب.

 حزب الأصالة والمعاصرة بين “النظام المتضخم” و”الدولة المتضخمة”

   إن أخذ حزب الأصالة والمعاصرة بالجيل الأول والثاني للديمقراطية الاجتماعية سيكون من الطبيعي أن يسقط المغرب في أحد الخيارين: النظام المتضخم أو الدولة المتضخمة، ووصلت المملكة إلى ما دعاه الملك الحسن الثاني (السكتة القلبية) التي تجاوزتها الدولة فتجاوزها النظام في انتقال العرش بسلاسة من الملك الراحل إلى الملك محمد السادس.

   ومن الصعب قيادة ديمقراطية اجتماعية في المغرب دون مجتمع عضوي بدأ بالجهوية الإدارية الصرفة، ورفض التشكيك في الحدود الحالية للمملكة بعد إطلاق نموذج تنموي في الصحراء.

   والاعتراف الدستوري بالتعدد المغربي لم ينف الرغبة السياسية للنظام في دمج مضاعف للمجتمع المغربي في مفهوم “تمغربيت” الصيغة العامة والمرتجلة للمواطنة.

   ومن المعروف أن المغرب مهدد بسكتة قلبية في حال “تضخم النظام” أو تضخيم دور الدولة الذي زاد بعد تجربة الاشتراكيين (اليوسفي) والتكنوقراط (جطو)، والمحافظين الاجتماعيين (عباس الفاسي) والمحافظين الدينيين (عبد الإله بن كيران).

   ويقترح حزب الأصالة والمعاصرة (الديمقراطية الاجتماعية) بهدف واحد ووحيد : بناء مجتمع مغربي عضوي يتجاوز الحساسيات العرقية في لحظة انتقاله الإداري إلى الجهوية المتقدمة ويتجاوز مشكل الصحراء، بعد دخول القضية مراحل صعبة.

   وإعادة إنتاج مجتمع مغربي من “تمغريبيت” قد يقبل معه المواطن كل أدوات الدولة “الأمنية” في مكافحة الإرهاب، و”الاستراتيجية” في تدبير مشكل الصحراء، وهما المهمتان المركزيتان في أجندة حزب الأصالة والمعاصرة، وفي الجانب الثاني من المعادلة يقترح دعاة الطريق الثالث الذي تتزعمه منيب وجزئيا إدريس لشكر، الملكية البرلمانية لإنهاء مشكل تدبير الدولة بين دوائر التحكم التقليدي والشعب، وإطلاق دينامية جديدة تحل مشكل الصحراء من خلال حكم ذاتي موسع، كما يجيب الطرح على تحديات الإرهاب بالمزيد من الديمقراطية، فيحمي المواطن دولته انطلاقا من مكتسباته ومشاركته الشاملة الكاملة في بناء المستقبل.

   والجانب الثالث والمتمثل بما اقترحه اليوسفي وكشفه حسن أوريد، فإن الطريق الثالث يسير بعيدا في اتجاه فصل السياسة عن الدين وليس فصل الدولة عن الدين، ويحفظ موقع أمير المؤمنين هذه العلاقة دون أن تنعكس على الأحزاب والجمعيات والتنظيم المدني للدولة.

الخوف من كابوس أن يتحول حزب العدالة والتنمية حزبا لإمارة المؤمنين، وحزب الأصالة والمعاصرة حزبا للدولة، ويقترح الطريق الثالث فصل الدين عن السياسة كي يكون الطريق سالكا بين الهوياتيين والتكنوقراط

   من الصعوبة أن يلجأ الهوياتيون إلى الدين في نظام إمارة المؤمنين في مقابل هوياتيين لجأوا إلى العرق أو الخصوصية الثقافية للدفاع عن الدولة والتحالف مع التكنوقراط لتأسيس بنية قد تنظر لدولة جديدة من بنيات الدولة الحالية، ورفض هذه الحالات المتفجرة رفض عقلاني وقدرة على الاستجابة لطلب التاريخ والواقع.

   وفي هذه المقاربة يقدم حسن أوريد في كتابه الجديد ما دعاه إعادة إطلاق الملك محمد السادس لتحديث الإسلام الذي بدأ مع علال الفاسي، انطلاقا من خطاب 29 ماي 2006 أسبوعين تقريبا بعد الحدث الإرهابي لـ 16 ماي، وكانت عبارة (لا للتساهل) حاسمة في بناء أمن ديني للمملكة، فبعد بعث التقاليد المؤسسية في الدولة والنظام من طرف الحسن الثاني، قام خلفه بتحديثها، وبين الاستحداث والتحديث يكمن فارق الملكيين والعهدين في خلاصة أولية.

   ويبدو أن داعية الطريق الثالث لا يلتفت إلى دمقرطة المجتمع ـ  أو خلق “مجتمع الديمقراطية” من خلال نهج الديمقراطية الاجتماعية كما ينظر لها حزب الأصالة والمعاصرة، في إطار التحديث من داخل ما يدعى المشروع الديمقراطي الحداثي ـ بقدر ما يرى حماية عناصر التماسك الاجتماعي وترسيخ المؤسسة المسؤولة ونظام القيم وتحديثها من داخل الإسلام (إمارة المؤمنين) والدولة (الملكية).

   ولا تختلف التيارات والأفكار التي تتغيى أو تستهدف بناء طريق ثالث، فحزب العدالة والتنمية مثلا ربح موجة التحديث الدستوري للنظام، دون أن يخرج التحديث عن حسابات الدولة، وذلك برفع منسوب تدبيرها وشفافيتها، فيما ربحت الدولة قيادة المحافظين لمسلسل تنزيل الدستور (الأكثر حداثة) دون صدمات، وتطرح مرحلة ما بعد إطلاق القوانين التنظيمية تحديات منها، هل يمكن التوافق دون طريق ثالث يرفض الهويات الحزبية والمذاهب المستوردة شرقا وغربا، والتمسك بقدرة ذاتية للعمل وإعادة بناء الخصوصية.

   إن الملك الحسن الثاني صنع حداثته من خلال ليبرالية رضى كديره وعقيدة الجنرال أوفقير في بناء المؤسسة الأمنية والعسكرية، لكن “تحديث الإسلام” الذي قاده علال الفاسي واستحداث “الأثر” الذي قاده الخطيب من النزعة الأمازيغية ثم الدينية صنعا طريقا مغربيا تنافس فيه الجميع قبل أن يؤول الوضع إلى الدكتاتورية البيروقراطية عن طريق الأحزاب الإدارية، فنشأ يمين الدولة في مقابل يسار التفت إلى الدولة متأخرا بعد انطلاق حرب الصحراء، وعن طريق البيروقراطية الأمنية التي حاولت الوصول إلى إدارة الدولة مباشرة في انقلابين عسكريين شهيرين.

   وإن ربى الحسن الثاني بصعوبة بيروقراطيته، فإن العهد الحالي يواجه “تكنوقراطه” الذي أخر المنهجية الديمقراطية حوالي العقد من الزمن، وتدسترت في 2011 عقب الحراك الإقليمي المطالب بالديمقراطية.

   ومن الصادم أن نجد الملك حداثيا والدولة محافظة منذ الحماية وإلى الآن، وتشكل الأحزاب والمنظمات المجتمعية وأنظمة الدولة “حداثية” معينة مضمونها محافظ، وفي اللحظة الحالية رأي الجميع كيف تتحول دعوات حزب محافظ (العدالة والتنمية) إلى تحديث؟

   لا يختلف المنطق العروبي لعبد الإله بن كيران أو الأمازيغي لسعد الدين العثماني في اجتراح محافظة تؤمن بإنتاج إمارة المؤمنين للأمن الروحي، وهو ما يعده المتطرفون (طاغوتا) كما قالت آخر تسجيلات داعش. وفي رفض الطاغوت كما تحب داعش أن تسمي بن كيران أو “التحكم” كما يحب أن ينعت رئيس الحكومة منافسيه في حزب الأصالة والمعاصرة نجد الطريق الثالث بين التحكم الحداثي أو الطاغوت الديني خلاصة يمكن تلمسها من رفض أطياف التطرف من الديني إلى العلماني الماركسي، ويبقى السؤال هل ما يجري عودة للإديولوجيا لا أقل ولا أكثر؟ وهناك منافسة شرسة بين الفرقاء في التنظير لصالح النظام، هناك من يريده أن يعود إلى المشروع الديمقراطي الحداثي كما بدأ في  الفترة الأولى ما بعد الحسن الثاني، وهناك من يريده أن يواصل المشروع الإصلاحي المحافظ كما استقر عليه الحال بعد 2011، وهناك من يرغب في اجتراح طريق ثالث، خوفا من النزعة الهوياتية والتكنوقراطية في آن واحد، وقد اجتمعتا في حزبين كبيرين متنافسين، وقد يجران المملكة إلى مداخل حرب أهلية، وفي حقيقتها ليست سوى حرب مجتمعية للوصول إلى الديمقراطية.

 ضد “أدلجة” إمارة المؤمنين من طرف حزب العدالة والتنمية أو “أدلجة” المشروع الديمقراطي  الحداثي الذي أطلقه اليوسفي وويجدده حاليا حزب الأصالة والمعاصرة

   لن يكرر أحد درس سعيد السعدي رغم تحريكه لموضوع المرأة، ولن يكرر أي سياسي هفوة بن كيران مع الأمازيغيين التي اعتذر عنها ولم تنسها الحركة الأمازيغية، ولن يكرر حزب أو منظمة الرهان على حركة الشارع كما حدث للساسي أو نادية ياسين، فالحسابات الحالية تجمع على رفض الاستقطاب الحزبي أو السياسي أو الاستقطاب بين حزبين، كما كتب مصطفى الخلفي بعد انتخابات 4 شتنبر، وإن كانت كل الأطراف ترفض الاستقطاب أو التقاطب بين حزبين كبيرين، فإن كل حزب يصنع طريقه الثالث، ويريد أن يمثلها.

   واليوم، ينحل التحالف بين مناصري “أسلمة الحداثة” كما حملها عبد السلام ياسين، وعولمة الديمقراطية كما نادى بها  شباب 20 فبراير، وهناك فقط تحديث للمغرب بتدرج ووسطية وهناك تحديث للإسلام في مقابل حروبه الطائفية في الشرق.

   ويرفض الجميع الحداثة والعولمة والديمقراطية بمعاييرها الكونية، وهي عقيدة أيضا يسطرها دعاة الطريق الثالث، ويمكن أن يعزل هذا التوجه العام (دعاة الملكية البرلمانية) في شخص منيب وإدريس لشكر، كما عزل حركة 20 فبراير، ويذهب رفض المغاربة “للمعيار الدولي” بعيدا، خصوصا في تنظيرات الطريق الثالث.

   ورفض “أدلجة” إمارة المؤمنين أو المشروع الديمقراطي الحداثي الذي أطلقه الملك محمد السادس في بداية عهده جزء من المشكل، وقد يصبح الطريق الثالث الذي اتخذه الجميع انطلاقا من المنظومات المتنافسة هو الحل.

“تسييس” النظام الجهوي أفدح من “أدلجة” حزب لإمارة المؤمنين في مقابل استحواذ حزب للملكية الدستورية وفي موقع ثالث نجد دعاة الملكية البرلمانية

   بين “اشتراكية” اليوسفي و”اشتراكية” الأصالة والمعاصرة التي تحولت أخيرا إلى (الديمقراطية الاجتماعية) نلاحظ التنافس القديم ـ الجديد بين رجالات الدولة أنفسهم وإن بمسميات مختلفة، لكن الوصول إلى قناعة بأن “محافظة” بن كيران التي جاءت على إثر حكومة محافظة قادها عباس الفاسي، محافظة نفعية (براغماتية) وأسست حكومة جديدة اشترك فيها المحافظون الاجتماعيون والدينيون قبل أن يختلفوا، وهذه المحافظة ليست طبقية أو فئوية أو جهوية، على أقل تقدير، لكن الحداثة في حزب الأصالة والمعاصرة فئوية (رجال الأعمال) وجهوية (الريف في مقابل غيره) ويساهم الوصول إلى فصل “البام” عن شروطه الناقصة على صعيد التكوين والتمدد في فصل حزب العدالة والتنمية عن نفس الشروط كي يتمدد، ويتخلى عن أي أثر من آثار الحزب الديني.

   ومن باب أولى، نلاحظ رفض كل المكونات لأي تسييس للنظام الجهوي، فأطلق حزب الأصالة والمعاصرة ورقته المذهبية، وفي جانب ثان، رفض حزب العدالة والتنمية صفة الحزب الديني والدولة الدينية في آن واحد، وهذه النبرة تعزل الطريق الثالث كما أراده اليوسفي وكشفه حسن أوريد، لأن اجتراح كل الأحزاب لطريق ثالث من خلال “عدم التطرف الإيديولوجي” وتعزيز النظرة (البرغماتية) سبيل خالص لدفع الأحزاب  إلى نوع من التسخين اللفظي والإيديولوجي الذي فرض على الساحة “السخونة المطلوبة دون مضمون”.

   ويختلف عن هذا التقييم محمد الساسي، حيث يعتبر حزب العدالة والتنمية حزبا يمينيا متطرفا في مقابل حزب يدعم ويتزعم الأصولية المخزنية، والطريق الثالث مقترح بين تطرفين و أصوليتين، دينية ومخزنية.

 عشر سلبيات للأصولية الدينية التي يتقدمها حزب العدالة والتنمية، اليميني المتطرف، وتتصدر هذه السلبيات حسب محمد الساسي: سيادة التوجه التحكمي في مسألة مصالح الدولة، ولا يختلف انتقاد بن كيران لحزب الأصالة والمعاصرة عما انتقد به نائب الأمين العام لحزب الاشتراكي الموحد حزب الإسلاميين

   يقول محمد الساسي: إن الحزب القائد للحكومة منح للسلطوية كل ما تريد، ويعتبر أن سلبية سيادة التوجه التحكمي في مسألة مصالح الدولة تتصدر عشر سلبيات في قيادة حزب العدالة والتنمية، ولا تختلف هذه القراءة في نعت الإسلاميين بالتحكم وخدمة السلطوية عن نقد بن كيران لحزب الأصالة والمعاصرة، وبين الأصوليتين “السلطويتين” المخزنية والدينية، يقترح الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار طريقا ثالثا يرفض استعظام عنف الدولة في ضبط أخلاق المجتمع كما ينظر له حزب العدالة والتنمية أو استحضار هذا العنف في ضبط حركة المجتمع.

    وفي الحالتين، تعزز الأصوليات بمختلف تلاوينها، “الأصولية المخزنية في الحكم”، ويقترح الساسي المنظر اليساري للطريق الثالث تجاوز عشر سلبيات على الأقل في عمل اليمين المتطرف المتمثل في الأصولية الدينية، ورفض مماثل للأصولية المخزنية، وسيكون رفض عنف الدولة في ضبط حركة المجتمع أو أخلاقه تحريرا للقيم المجتمعية والسياسية، فالحرية لا يمكن أن تنمو في إدارة حزب نيوليبيرالي على الصعيد الاقتصادي ويميني متطرف يقسم المغاربة إلى ملائكة وشياطين، “وقولهم أنهم حزب إسلامي مناورة لعدم الكشف عن موقعهم الحقيقي” ويدعو الساسي من خلال المذاهب الإسلامية إلى تمرير إضافي لرؤية متحررة للمجتمع المغربي. ويضيف بهذا الخصوص: فيما يتعلق بالإجهاض نطالبهم بالاستعانة بالمذهب الحنبلي، وأنا كعلماني أقبل التنصيص على ما جاء به المذهب الشافعي في العلاقات الجنسية الرضائية حيث يغلب جزء من الفقهاء الشوافع ما يصطلحون عليه بالسترة.

   والنظر إلى ما هو خارج مذهب مالك والإيمان بالتعددية المذهبية ضرب لأصولية الدولة وحزب العدالة والتنمية في آن واحد، ويجب التمتع في دولة ديمقراطية بالتعدديات المختلفة على صعيد الفكرة والتنظيم ورؤية المستقبل. ويبقى السؤال شاهدا على صعوبة الإيمان بحزب العدالة والتنمية حزبا إسلاميا ديمقراطيا وهو لا يؤمن بالتعددية المذهبية للإسلام نفسه، فيما يؤمن بالتعددية الحزبية والسياسية لتنظيم مجتمعه.

   إن ما يجري من “بناء أصولي” للأحزاب اليمينية واليسارية قد ينخرط في التطرف الذي يشفع للدولة في بناء أصوليتها الحزبية من خلال إدارة أو إطلاق (الديمقراطية الاجتماعية) لفرض كيانية أيديولوجية على من يخدم الدولة، واليوم تتنافس الأصوليات لخدمة أهداف الدولة والحفاظ على طابعها دون التفكير في الانعكاس الحادث على صعيد المجتمع.

   وظهر في سوريا والعراق، قبلا، كيف بنت أصولية نظام البعث أصوليات اصطدامية في مجتمعها خربت من الداخل كيان الدولة، واستدعت حروبا إقليمية تخدم صدام الأصوليات.

ومن المخيف أن تبني الأصولية المخزنية معالم الطريق الثالث في مجتمعها، وتصادر الفهوم الأخرى في تنزيل النظام الجهوي الذي اختاره المغرب أخيرا، كما يصعب أن تدير الأصولية الدينية تفاصيل التنزيل الديمقراطي للقيم الجديدة للدستور، ونلاحظ أن اقتراح الحركة الوطنية الديمقراطية من طرف الوزير بن عبد الله والمكونة من أحزاب الكتلة والعدالة والتنمية عوضا عن الائتلاف الحكومي الحالي فرصة للحد من أصولية حزب بن كيران ورفض نقيضه  الأصولي (حزب الأصالة والمعاصرة)، فيما يرى البعض أن تحالف أحزاب العدالة والتنمية والأحرار والحركة الشعبية والشيوعي السابق (التقدم والاشتراكية) فرصة أيضا، وبين الاتجاهين الائتلافيين تسود فكرة تقول: إن الإسلاميين أو الديمقراطيين الاجتماعيين الجدد في حزب الأصالة والمعاصرة سيتطرفون إن تكن لهم ائتلافات واسعة تحبس أو تعرقل قبضتهم التحكمية.

   وتقترح الأطراف المشاركة أو الفاعلة أو المؤثرة في المجتمع المغربي تجاوز التحكم الأصولي في السياسة بعزل الدين عن السياسة، وعزل السياسة عن الإدارة في آن واحد، وهو الطريق الثالث الذي اتفق الجميع على وصفه بالديمقراطية، قدر المغاربة بعد 2016، نظاما ومجتمعا، في ظرف انتقالي يشمل بنى الدولة وليس النظام فقط، عندما قرر المغرب أن يتبنى “الجهوية” في إدارته، ويكون الانتقال الجديد بنيويا ويشمل الدولة، وانتقال الدولة وليس النظام فقط فيه مخاطر، لأن الدولة المغربية منذ استقلالها لم تعرف تحولا، وقد اتفق الملكيون والجمهوريون، فيما سبق، على الدولة المركزية لكن اليوم يتفكك المغرب لبناء صورة جديدة للدولة، وهو رهان خطير وغير مسبوق. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!