في رسائل بين الرباط وأنقرة: “الأسبوع” تكشف سر منع جماعة العدل والإحسان في تركيا

 إعداد: عبد الحميد العوني

   قالت مصادر خاصة، إن قرار نور الله نازي كلكانسي منع دخول أرسلان وزكريا سرتي وسعدية جغلالي إلى الأراضي التركية جاء لأن هؤلاء ليسوا باحثين في مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات، ولهم ميول سياسية متطرفة، قبل أن يقرر منع الندوة، مباشرة بعد الجلسة الافتتاحية، خوفا من صدور بيان يستنكر عدم السماح لأرسلان بالمشاركة.

   وجاء وقف نشاط مؤسسة الإمام مؤقتا طبقا لتقرير أوروبي يرتكز على تقييم فرنسي وإسباني في 12 فقرة قبل انطلاق الحوار التركي ـ الأوروبي ليوم 25 يناير، وحملت كاتي بيري تحفظاتها عن جماعة العدل والإحسان إلى المسؤولين في أنقرة، واعتبر رئيس الحكومة المغربية الجماعة المذكورة في وقت سابق (معارضة للانتخابات ومتزعمة للاحتجاجات الشعبية بما يضعف حزب العدالة والتنمية في ولاية تنفيذية جديدة، وباعتبارها دولة في الدولة قال نازي كلكانسي، إن تركيا تريد بمنع نشاطات العدل والإحسان  في تركيا منع نشاط (غولن) في المغرب.

 تقرير كلكانسي في الفقرة الثانية يقول: إن مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين ليست تابعة لجماعة العدل والإحسان بل لعائلته ومحبيه، ونادية ياسين متحفظة من أرسلان وسطوته على مؤسسة الإمام للأبحاث والدراسات

   لم تستطع جماعة العدل والإحسان تمييز “مركز أبحاث” عن فرع لها في الخارج، وترفض تركيا تمدد جماعة العدل والإحسان أو إطلاقها فرعا تركيا تابعا لها تحت أي ظرف.

   وفي تصريحه للصحافة، وأعاد نشره موقع الجماعة، قال أرسلان: إن الأمن التركي حمل لائحة تتضمن أسماء عدد من المسافرين الذين كانو يرافقونني للمشاركة في أشغال المؤتمر، وطلبوا منا جميعا تسليم جوازات سفرنا، وهو ما تم بالفعل، وبعد عودتهم سلموا للبعض جوازاتهم وسمحوا لهم بالمرور، وبينما طلبو مني ومن شخصين آخرين عدم مغادرة المطار والبقاء إلى حين ركوب طائرة تعيدنا إلى المغرب.

   ويظهر الفرز واضحا بين الباحثين وغيرهم في عمل الأتراك، وبعد رد الفعل من طرف أرسلان، منعت السلطات النشاط كليا، لخوفها من تحويل اللقاء إلى احتجاج.

   ويذهب تقييم الأتراك إلى:

   أ ـ عدم تمييز جماعة العدل والإحسان النشاط الفكري عن العمل السياسي، ومؤسسة الإمام للأبحاث والدراسات مؤسسة تركية وليست فرعا تركيا لجماعة العدل والإحسان وهو ما يطرح مشكلة المدير أمكاسو، ورفضت السلطات مشاركة السياسيين في النشاط وسمحت للباحثين والدارسين بالدخول.

   ب ـ عدم حضور عائلة عبد السلام ياسين، وأشار التقرير إلى إدارة النشاط في مؤسسة الإمام من المحبين وأصحاب الحقوق، وتمتلك الأسرة إلى الآن هذا الجانب.

   وتحفظ رئيس الحكومة المغربي عن إطلاق لفظ “الإمام” على عبد السلام ياسين، وهناك إمام واحد عند المغاربة هو الملك وأمير المؤمنين، ولا يشترك في الإمامة العظمى أحد من المغاربة، وهو ما زاد من إرباك الأتراك.

   ومن جهة ثانية، يعرف الجميع ما نشره موقع “لوفيغارو” الساعة 24 الذي رفض فيه أرسلان تأكيد أو نفي استقالة نادية ياسين من التنظيم منذ عام 2011(1)، وتراجعت شعبية عبد السلام بعد قومة 2007 وابنته نادية في رهانها على حراك 2011. ويبدو أن العائلة ليست جهة التنظيم في مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين في تركيا، كما يوضح تقرير كلكانسي والصراع بين نادية ياسين وأرسلان حول مؤسسة الإمام خلقت ضبابية قصوى انعكس على تقييم الأتراك.

   وتطمح نادية ياسين التي عادت ابنة الفقيد فقط(2) إلى إدارة مؤسسة الإمام في تركيا، وهذا ما توصلت إليه تركيا من أحد أفراد العائلة، ورفضت أنقرة أن يكون أي لجوء سياسي للعمل على الأرض التركية، وكان من الخطأ تقدم القيادات السياسية وليس الفكرية للمؤسسة المعلنة في تركيا، ومن الخطإ المضاعف تراجع النساء عن مواقع الجماعة، فالنساء أقل مكانة في القيادة من عهد عبد السلام ياسين تقول إحداهن للباحثة الأمريكية “فيش سكثفيل”: نحن في التنظيم أسماء للقول للغرب والمخزن، لاحظوا لدينا نساء (3) ويشير بحث مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى هجرة أو هروب المناضلين، ولن يكون نحو اسطنبول وتأسيس مركز لـ “غولن  آخر”، وعبد السلام ياسين نسخة من غولن أو العكس، كما يمكن القول أن أردوغان نسخة من الغنوشي، وبن كيران نسخة منهما.

 تحولات 2015 منعت نشاط مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات في تركيا

   عرفت أنقرة تحولا أمنيا كبيرا، بعد تمرير 16 مادة من القانون التركي للأمن الداخلي في 2015، ويعتبره الباحث التركي “تماغزي أوزدمير” ضربة قاسية للديمقراطية(4)، وموجهة بالأساس للمشاريع الخارجية فوق الأراضي التركية، بالإضافة إلى مشاريع الأحزاب الديمقراطية والكردية ذات الامتدادات الإقليمية.

   ولا تعود مؤسسة عبد السلام ياسين لقانون 5393 بل لقانون الأمن الوطني، واعتبره الوزير أحمد دافو توغلو (استضافة لمعارضة بلدان أخرى)، وعدم تمكن قيادة العدل والإحسان من تمييز النشاط الفكري لمؤسسة الإمام عن نشاطها السياسي، سمح بتحريك التخوفات الاستخبارية حول التنظيم. وحسب الصحافي بولنت أوراكوغلو من يومية (يني سفاك) فإن الإجراءات الوقائية سبقت كل الإجراءات القانونية.

   ويعرف المراقبون طاعة الأتراك للقانون وهذا الشيء ثابت تاريخيا(5) فيما تحولت القضية في مؤسسة الإمام من قضية بحثية أو روحية أو دينية إلى قضية سياسية، وهذا الخطأ خطأ شخصي لأرسلان. والإجراءات القانونية المتبعة بعد حظر النشاط في مؤسسة الإمام غير مستوعبة ولا متأكدة من خطوات استئناف العمل على صعيد الندوات والمحاضرات في المؤسسة. وإن لم تستوعب جماعة جماعة العدل والإحسان التحولات القانونية والأمنية في تركيا والتي حدثت في 2015، فإن أنقرة تابعت تفاصيل تحولات الجماعة أو ما يدعوه الأتراك تحولات 30 يونيو 2015، وفي هذا التاريخ أعلنت الجماعة تحولها إلى جماعة أكثر تطرفا، ففي 2011، لم تقاطع العدل والإحسان الانتخابات في عز الربيع العربي وفي عهد عبد السلام ياسين، وقاطعت الانتخابات البلدية والجهوية الأخيرة ضربا لقوة حزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة المغربية، والحليف التقليدي لأردوغان وحزبه.

   ولم يعد ممكنا، بأي حال، القبول باستضافة متطرفين ضد الحكم والحكومة في آن واحد، كما جرى التأكيد على “أن قوة  حزب العدالة والتنمية المغربي مستقرة دون حلفاء آخرين في صفوف الإسلاميين”، وإن رأى ملاحظون أن عدم دعم الجماعة لحزب بن كيران في الانتخابات البرلمانية إشارة سلبية لن يحقق معها حزب العدالة والتنمية أيا من أهدافه: محاصرة التحكم أو الفوز بولاية حكومية ثانية.

   ويعد موقف العدل والإحسان في 30 ليونيو الماضي مستهدفا للقصر مباشرة(6)، وقالت الجماعة إن القصر ومحيطه يضبط المؤسسات الرسمية والاقتصاد والصحافة(7) ولن يتقدم المغرب في هذه الحالة.

عندما وصفت جماعة العدل والإحسان المخزن بالأفعى ثار الغضب من الرباط إلى أنقرة

   كان وصف جماعة العدل والإحسان المخزن بالأفعى مثيرا، وعندما حدد عبد الواحد المتوكل، أحد قادة الجماعة  الكبار، المقصود المباشر بالمخزن ثار الغضب من الرباط إلى أنقرة، ومع ذلك، أخر رئيس الحكومة المغربي رد فعله على مقاطعة جماعة العدل والإحسان الانتخابات وعلى الهجومات على المخزن إلى ما بعد 4 شتنبر، وأكد انتصار حزبه ليقول “بانتصار الاتجاه الملكي في صفوف الإسلاميين” وعوض أن تكون (العدل والإحسان) مظلومة لأنها قبلت قوانين تركيا في إطلاق مؤسسة باسم إمامها قال بن كيران إنها ليست جمعية وليست حزبا في بلده، واتهمها بعد ذلك بقيادة “الاحتجاجات الاجتماعية” بعد الانتخابات عقابا لها على قرار المقاطعة، وهو الراغب في رفع هذا القرار في الانتخابات التشريعية، وأن تترك الجماعة لمناضليها وأتباعها “حق القرار” كما جرت عليه العادة في عهد المرشد.

   وصارح بن كيران حزبه أخيرا، بصعوبة الحصول على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، وبالتالي قيادة الحكومة القادمة، وسيكون دعم جماعة العدل والإحسان مميزا لنتائج الإسلاميين في الانتخابات القادمة، لأن الخوف واضح من فشل حصار بن كيران لحزب الأصالة والمعاصرة في دائرة الأغلبية وأحزاب الكتلة التي أطلق عليها الوزير بن عبد الله أخيرا “الحركة الوطنية الديمقراطية” وسيكون لا محالة أي فشل حصارا لحزب العدالة والتنمية.

   ورفع الحصار عن حزب بن كيران لن يكون دون المرور بتركيا، التي تضعضعت علاقتها بالحزب، بفعل تدخلات أجهزة أمنية والعلاقات الخارجية للحزب المنافس (الأصالة والمعاصرة) ويريد النظام المغربي أن يكون تطور علاقات الحزبين (العدالة والتنمية في تركيا والمغرب) بحصار جماعة العدل والإحسان فوق الأراضي التركية، كما سعى لنفس الأمر مع دول الاتحاد الأوروبي.

 تريد الرباط مطابقة الموقف التركي للموقف الأوروبي بخصوص جماعة العدل والإحسان

   فتح الأتراك صفحة أخرى مع الاتحاد الأوروبي في صفقة الثلاثة ملايير دولار وانتقال الأتراك إلى دول شنغن بدون تأشيرة، ولن يكون الأمر سهلا مع تبني أتراك لأفكار المرشد عبد السلام ياسين التي رفضتها  إسبانيا ولم تمتع رئيس جمعية الشروق بالجنسية الإسبانية لقربه من جماعة العدل والإحسان، واعتبرت الرباط قرار مدريد قائما على عدم تمتيع أعضاء العدل والإحسان بالجنسية الإسبانية، لدعوة عناصر جمعية الشروق لإعمال الشريعة، وهي قضية محسومة في المملكتين الإسبانية والمغربية والجمهورية التركية، ولا يقبل الأتراك أن تكون مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين نسخة من جمعية الشروق أو فرعا تركيا لجماعة العدل والإحسان أو يتأثر أتراك بجماعة يرفضها الاتحاد الأوروبي.

   وأشارت كاتي بيري المنسقة للاتحاد الأوروبي في أنقرة إلى هذه الترتيبات الأمنية لتسهيل تطبيق طلب أنقرة دخول المواطنين الأتراك فضاء شنغن بدون تأشيرة. وضمن هذه المعايير اعتماد نفس النظرة “الجماعات التي يميل بعض أو كثير من المنتسبين إليها إلى التطرف أو يؤجلون هدفهم المركزي: تطبيقا لشريعة”.

   ويظهر أن الدعوى المشتركة حول الخلافة لعبد السلام ياسين وأبو بكر البغدادي شكلت صعوبة واضحة لفهم واستيعاب الفروق بين جهاد النفس وجهاد السيف للوصول إلى نفس الغاية، وتؤطر نظرة باريس لجماعة العدل والإحسان كل المقاربة الأوروبية وقد أجملها “فرانسوا سودان” في مقال مطول له في “جون أفريك”(8) في فقرة لا تختلف عن خلاصة لمخابرات بلاده في منشور سابق حين قال: “إن عبد السلام ياسين لم يتوقف عن زرع واستثمار الغموض في علاقات بعض مناضليه بالنزعة الجهادية الأكثر راديكالية (9)” وإثارة علاقة جماعة العدل والإحسان والدوائر الدولية للإرهاب ـ أو الجهاد ـ ترتيب بدأ بعد 2011، وساد في أوساط الاتحاد الأوروبي، وخصوصا الاستخبارات الإسبانية والفرنسية، وكلما توقفت أو تجمدت علاقات الاتحاد الأوروبي وتركيا تقدمت علاقات أنقرة مع التنظيمات التي تثير الاتحاد الأوروبي، فإن اقتربت بروكسل وأنقرة ابتعدت علاقة الأتراك والمنظمات الشبيهة للعدل والإحسان والمنضوية حسب فرنسيين يساريين فيما يدعى “الكونفوشيوسية السياسية”(10) حيث النضال والروحانيات، وهذه التركيبة مثيرة لشخص أردوغان، ومن جهة لا يريد علاقات غامضة مع تنظيمات غامضة في هذا الظرف الحساس، بعد إثارة روسيا لعلاقات أردوغان وداعش فيما أثارت فرنسا والاتحاد الأوروبي علاقات أنقرة وجماعة العدل والإحسان. من جهة أخرى قال  أردوغان: لا يمكن السماح بتدمير حزب العدالة والتنمية في المغرب، ولا يمكن، حسب المراقبين، مواصلة المواجهة بعد إعادة أربعين مسافرا دفعة واحدة إلى المغرب لارتباطهم بداعش، واعتقال مواطنيين تركيين في شرق المملكة، ومجرد عودة أرسلان بنفس الأسلوب الموجه ضد داعش رسالة قوية إلى جماعته.

   وتعاني تركيا من تراجع عميق على صعيد الحريات الفكرية، فبعد إلغاء مؤتمر مؤسسة عبد السلام ياسين الخاص بمناقشة أفكاره المناهضة للعنف والطائفية والداعية إلى أسلمة الحداثة، انتقد الطيب أردوغان ألف أكاديمي رغم نزعتهم  السلمية، مؤكدا على ضرورة دفعهم لثمن خيانتهم(11).

   وانتقد تشومسكي الرئيس التركي  لمعاييره المزدوجة، في قضية الإرهاب والسياسة، وعلاقاته التي حسمها بخصوص (اتجاهه أوروبيا)، واعتماده على نفس المعايير (الأوروبية) اتجاه جماعة العدل والإحسان وباقي التنظيمات في شمال إفريقيا أو جنوب المتوسط بتعبير الوثائق الفرنسية. وجاء إلغاء المؤتمر الدولي حول أفكار عبد السلام ياسين من (الدولة الأمنية) باصطلاح الكاتب التركي (كان دندار)، ولا يمكن مقارنة العدل والإحسان بجماعة الإخوان المسلمين التي سهلت اللقاء السابق وأنجحته، وتخلت جماعة الإخوان عن العدل والإحسان لتخلي الجماعة عن دعم بن كيران، لأن بقاء آخر حكومة يقودها إسلامي في المنطقة “فيه تأثير حسن على صورة الإسلاميين في باقي العالم”.

 صلات العدل والإحسان والإخوان المسلمين أصبحت غير واضحة، ودعم الإخوان للمؤتمر  السابق حول أفكار عبد السلام ياسين في تركيا كان مباشرا، ولا يجد التقرير البريطاني حول الإخوان “علاقات متينة” مع الياسينيين “بل يجمعهما النشاط على الأراضي التركية فقط”

   عاد واضحا أن جماعة العدل والإحسان تشبه الإخوان المسلمين في أصلها الصوفي وراديكاليتها السياسية، وإقرارهما الانتخابات و”الخلافة المنتخبة”، وتختلفان في باقي المواضيع، وجاء التقرير البريطاني حول الإخوان المسلمين ليفصل في شأن الجماعات المنتسبة إلى التنظيم الدولي، ويبعد جماعة العدل والإحسان عن هذه الأجندة، ويؤكد على وجود أجندة خاصة للياسينيين رفضها الأتراك، لأنها لا تخدم بالأساس حكومة بن كيران التي انفصلت كليا عن جماعة العدل والإحسان على الأقل حسب القراءة التركية، ومن المفارقة أن يكون “غولن” و”ياسين” في نفس المواجهة لبدء محاكمة الأول وهو لاجئ في أمريكا، وإلغاء نشاط فكري لمؤسسة تحمل اسم الثاني، ورغم وفاة عبد السلام ياسين فهناك تخوف من تنظيم دولي يسهر على متابعة خطوات هذا المرشد، ولأسباب متعددة يربط الأتراك بين غولن وعبد السلام ياسين منها:

   أ ـ جماعة العدل والإحسان تزعمها “إمام”، وخاطبت مجلة “لوبوان الفرنسية” فتح الله غولن بالإمام (13) نقلا عن المعارضين الأتراك، ويواجه الإمام التركي عقوبة تبدإ بسبع سنوات وقد تصل إلى 330 سنة.

   ب ـ إن محامي “غولن” قال بأن صحيفة الاتهام تتضمن “تأسيس جمهورية أخرى”، وتحمل عناصر العدل والإحسان فكرة “الجمهورية” المفضلة عند ابنة الشيخ ياسين (نادية).

   ولا يمكن بأي حال قبول إدارة مؤسسة عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات من جمهورية مثل نادية ياسين أو من قائد مثل أرسلان يحاول إسقاط حكومة (حزب العدالة والتنمية). وأدت هذه الوضعية إلى إيقاف نشاط مركز الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات.

 لا يمكن لتركيا أن يكون لها ذراعان في المملكة: حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان من خلال مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين على أراضيها

   في قراءتنا لتفاصيل ما حدث يظهر أن تركيا تخلت عن دبلوماسيتها الهجومية ليس في المغرب بل في باقي دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كما يقول نورمان ستون في “الغارديان” البريطانية(14).

   ولا يمكن في هذه الحالة قبول ذراعين تركيين في المملكة من خلال حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، خصوصا وأن الحزب والجماعة لو يعودا تحت أي أجندة مشتركة بالمطلق. وما يعيشه المحافظون المغاربة من انقسام بين جماعة العبادي وحزب بن كيران يعيشه الأتراك أيضا، فهذه الفئة خرجت لتتظاهر ضد أردوغان، يقول الصحافي أليف سكوت في نفس الجريدة كما خرجت العدل والإحسان المحافظة لتتظاهر في الشارع بعد مشاركتها القوية في حراك 2011.

   وحكمت التحولات الأخيرة في 2015 على صعيد المواقف السياسية لجماعة العدل والإحسان وعلى صعيد الاستراتيجية الأمنية لتركيا بطلاق المصالح بين أنقرة والجماعة، دون أن يثير شخص العبادي الأجهزة الأمنية التركية “مطلقا “لطابعه التربوي والفاعل في النفوس، وليس في السياسة.

   ويعتقد الأتراك أن الوضع في دول شمال أفريقيا لا يتطلب أي تمزيق بين الإسلاميين، ورفضت أنقرة أي هجمة أمنية ضد جماعة العدل والإحسان، كما طالبت الجماعة بوقف مقاطعة الانتخابات التي يشرف عليها حزب العدالة والتنمية، لأن هذه الوضعية حسب الصحيفة التركية “توداي زمان” لا تفيد سوى إسرائيل الموحدة، وتستفيد تل أبيب حسب الصحيفة من أوضاع التقسيم الحادثة في ليبيا(15) وباقي دول شمال إفريقيا، ووحدة الإسلاميين ضرورة منطقة وضرورة نظام أيضا، وكانت دعوة المغرب لتقرير مصير القبايل ضربة موجعة ومبهمة وإن اعتبرها حزب العدالة والتنمية التركي (خطوة معزولة، ولن تؤثر على الخارطة الحالية لدول جنوب المتوسط).

   واعتبرت أنقرة أن القراءة الأمازيغية لجيوسياسيات الدول في المغرب العربي تدمر رئاسة حزب العدالة والتنمية للحكومة الحالية في الرباط، والتي دعمت خطوات الملك غير المشككة في الصحراء. وأي امتداد للقراءة العرقية في ليبيا أو الجزائر أو المغرب خطر لا يمكن مواجهته بالمزيد من التمزق وأي تعميم للقراءة العرقية تجاه صراع تركيا والأكراد لباقي المنطقة يخدم إسرائيل وليس الديمقراطية المطروحة على الدول  ذات الحدود في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ومنعت جماعة العدل والإحسان وحزب العدالة والتنمية أي تغلغل للنظرة العرقية، وساهما في الوحدة الوطنية المغربية، بعد تحالف اليسار المتطرف والنزعات العرقية وخدمتهما للأجندة السرية لكل من إسرائيل والقوميات الصغرى. وفي هذا السياق تريد أنقرة التأكيد على:

   1 ـ رفض المساس بوحدة الدول وترفض الكيانات الموازية للدول التي تتشكل من جماعات دينية أو عرقية أو مختلطة.

   2 ـ أن إلغاءها لمؤتمر مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات لم يكن ردا على إلغاء مؤتمر تركي (أمني) في المغرب بل قصدت أنقرة أن تدعم عبد الإله بن كيران بالنظر إلى اختياراته على أنها خيارات الدولة نفسها، ولم ترغب في غير ذلك، يقول بن كيران مخاطبا عناصر جماعة عبد السلام ياسين (لم يطلبوا أن يكونوا جمعية أو حزب؟) وبالطبع لا يمكن أن ينتظموا حسب نفس المنطق في اسطنبول.وهو ما دفع أرسلان إلى تحميل السلطات المغربية مسؤولية ما وقع في تركيا:

   ويمكن حاليا طي صفحة الخلاف بين أنقرة والرباط لأن فتح المجال لمنظمة محظورة بالعمل فوق الأراضي التركية مثير لاهتمام بن كيران. ويمكن المرور حاليا إلى مرحلة متقدمة في العلاقات بين المملكة وتركيا كما سيكون على العدل والإحسان، لرفع الحصار التركي عليها، العودة إلى موقفها السابق في شأن مقاطعة الانتخابات، ولن تكون النتائج مضمونة لحزب العدالة والتنمية المغربي لسببين، ضعف نتائجه الاقتصادية، وحل مشكل الموازنات الماكرو اقتصادية بفعل واحد هو الزيادات في الأسعار، ومن جهة ثانية، أفادت المقاطعة التي أعلنتها الجماعة طرفا واحدا هو حزب بن كيران، لمحاولة إظهار الإدارة أن الإسلاميين الملكيين أقوياء، وتغيرت الحسابات التي تعيد الاصطفافات قبل الانتخابات التشريعية، وتطلق جماعة ياسين “بديلا يتمثل في تحالفها مع الفضلاء الديمقراطيين” مقابل لوبيات الفساد والاستبداد.

 تقرير كلكانسي يؤكد تقارب أفكار جماعة العدل والإحسان مع أفكار الثورة الإيرانية

   في خضم إعلان السعودية وتركيا لمجلس استراتيجي يقود السنة، لم يعد ممكنا لحركة سنية أن تتبنى منطلقات موحدة مع الشيعة. ويبدو أن أفكار العدل والإحسان القريبة من أفكار الثورة الإيرانية رغم تشبثها بالنصوص المعتمدة في صحاح أهل السنة، تدفع إلى مراجعة “أن تكون تركيا منصة دولية” لأفكار عبد السلام ياسين الرافض للحكم الجبري والمعترف بمظلومية الإمام الحسين واعتماده الشورى طريقا واحدا لرفض وراثة الحكم والإيمان بتداوله كما ذهب إلى ذلك التقليد الغربي، نظرة وممارسة. وبسبب المصاعب الجيوستراتيجية لتركيا، تحالفت أنقرة مع الرياض وتخلت عن طهران في رسم الخارطة الجديدة في الشرق الأوسط.

   وحسب تقرير “كلنكاسي” فإن تركيا لن تعد منصة فكرية للإسلام السياسي بل رافعة للإسلام السني، ولا تهتم سوى بمواجهة إيران وإسرائيل. وأسست ما أطلق عليه آخر عدد من مجلة لوبوان الفرنسية “المملكة ـ السعودية ـ التي تزلزل العالم، بين البترول الجهاد وإيران(16)” مناخا دوليا جديدا يرفض بالأساس  جماعة العدل والإحسان (الخمينية) وكما هو معلوم ناهض الوهابيون، والجهاديون منهم، هذه الجماعة وكفرها بعضهم. وتدفع جماعة العدل والإحسان ثمن التقارب السعودي ـ التركي وقد ينتهي المسلسل بحظر مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات.

 جماعة العدل والإحسان التي يكفرها الوهابيون تدفع ثمن التقارب التركي ـ السعودي القاضي بمنع مؤسسة عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات لأن فكرة المؤسس أو المرشد (خمينية) فيما تحولت تركيا من منصة للإسلام السياسي إلى منصة للإسلام السني المتقدم في فتح الإسلام وأحرار الشام والإخوان المسلمين غير الديمقراطيين من اليمن إلى موريتانيا

   في الحروب الأهلية والطائفية يكاد الإسلام يتمزق من داخله إلى إسلام جيد وغير جيد، لكن المخيف هو الإسلام الصامت كما يقول جون بيرنهوم، في كتابه الصادر أخيرا حول الصمت الديني، وجماعة العدل والإحسان ضمن خانة لم تحسم مع الوضع، أو لم يحسم الآخرون معها؛ لأن حزب العدالة والتنمية التركي قبل العمل في ظل العلمانية، والحزب المغربي للعدالة والتنمية قبل العمل في إطار إمارة المؤمنين لتطوير الديمقراطية من داخل النظام، وهي “توليفات” تجتاح المنطقة، ولا تختلف عنها إيران بالمناسبة، وترى باريس أن صفحة جديدة فتحتها أنقرة والرباط بعد حادث المنع.

 المغرب يأمل في زيارة أردوغان بعد حادث المنع

   لم تكن سوى ساعات بين منع مؤتمر العدل في تركيا وبين تصريح المسؤول التركي إسماعيل روستو سيريت بأن الرباط تتطلع لزيارة أردوغان دعما لموقعها بعد إعلان تركيا والسعودية لمجلس استراتيجي بين البلدين، وهو ما يقدم أنقرة عن غيرها، وتستفيد باكستان عسكريا، وتركيا اقتصاديا من التحولات الجديدة حيث ملأت القوتان بطريقة ما موقع الأردن والمغرب.

   ودخل أردوغان على خط الصراع الطائفي بين إيران والسعودية، وقوى علاقاته مع إسرائيل لمنعها من التقدم في شمال إفريقيا لمعرفته أن الجناح الشرقي لن تتركه إيران. وتعمل الرباط من نفس موقع أنقرة، لكنها لا تمتلك نفس هامش المناورة وليس غريبا أن تتحول الرسائل بين أنقرة والرباط فورا إلى رسائل بين أردوغان والقصر، وفي كل الحالات، فإن الرسالة الموجهة من الجانبين لجماعة العدل والإحسان تقضي بطي صفحة الخلاف مع الملك وخصوصا، إمارة المؤمنين في ظل حروب عقدية وطائفية تجتاح المنطقة، ولن يكون حزبا العدالة والتنمية التركي وشقيقه المغربي سوى داعمين لمزيد من طي الصفحة وتحويل فكر عبد السلام ياسين إلى العالمية، وبعيدا عن الشروط المغربية الضيقة .

وللإشارة توصل المسؤول التركي إسماعيل روستو روسيت الذي حضر ذكرى وفاة الملك الراحل الحسن الثاني “بما يمكن عمله لعودة العلاقات بين أنقرة والرباط إلى سابق عهدها وتعزيز التقدم الذي تحتاجه العاصمتان لتموقع إضافي وآمن في منطقة ملتهبة”. وكما يقول تيم أرانغو في جريدة نيويورك تايمز فإن “خلفية الاعتدال” تحكم أنقرة(17) وهي أيضا خلفية للرباط تسمح للطرفين بالتعاون لتمثيلهما نفس التيار في كل من تركيا والمغرب.

 الرغبة من الطرف التركي والمغربي في تحويل العلاقات بين الملك المغربي والرئيس التركي إلى ((علاقات شخصية))

   علاقات ملك المغرب والرئيس أردوغان بدأت بصور شخصية بين عائلتيهما، وناضل بن كيران لتحويل علاقاته مع الملك إلى علاقات شخصية في أفق علاقات من نفس الصنف تجمع الأطراف الثلاثة وتؤسس لأفق آخر لن يكون داخليا وحسب، وجاءت خطوة حظر الأنشطة السياسية للعدل والإحسان في تركيا رسالة جدية من أنقرة تبتغي رفع التحفظ على تقدم علاقات الحزبين القائدين في أنقرة والرباط.

وانتقد بن كيران الهامش الدبلوماسي المتاح لحزب الأصالة والمعاصرة، لأنه يريد كرئيس للحكومة نفس الهامش، ووصل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إلى حد التهديد في لقاءات حزبية داخلية وعامة، وغطت أنقرة الخرجة الأخيرة لبن كيران ضد مسؤول أمني إماراتي سابق. ولتجاوز هذه الحسابات أوقفت أنقرة أنشطة جماعة العدل والإحسان على أراضيها لإعادة التواصل بين الحكومتين في أنقرة والرباط لأن موقع تركيا الجديد مع المملكة العربية السعودية يسمح بانتقاد الإمارات رغم العلاقات الممتازة بين الرباط وأبوظبي.

 أردوغان يخاف من عدم معرفته لأعدائه

   قالت قناة فرانس 24 إن أردوغان “يعيد تعريف أعدائه وأصدقائه”(18) ويخاف أصدقاءه الغامضين أكثر، وأخذت الدولة التركية بنفس المخاوف الأوروبية من جماعة العدل والإحسان، وبشكل كامل غير منقوص، معززة موقفها بتقييم مماثل  من رئيس الحكومة المغربية الذي نجح في إزالة يافطة الإمامة في تركيا عن عبد السلام ياسين، وبهذا الدعم تمكن عبد الإله بن كيران من تحقيق إنجاز لصالح الملكية اعترافا منه بدورها في تبوء حزب العدالة والتنمية لموقعه المتقدم في الانتخابات البلدية والجهوية رغم مقاطعة العدليين والسلفيين لها.

   واعتبر رئيس الحكومة المغربي ما قامت به جماعة العدل والإحسان، خدمة للتحكم في بلاده، ورد الصاع صاعين عبر حلفائه الأتراك ضد حزب الأصالة والمعاصرة وأيضا ضد جماعة العدل والإحسان، وهذه التغطية الإقليمية لتصريحات بن كيران “مدروسة وفاعلة” دفعت الفرنسيين إلى القناعة التالية: أن أردوغان يعيد تعريف أصدقائه وأعدائه، فدخل في تحالف استراتيجي مع السعودية وقطع علاقته مع تنظيمات وجماعات قريبة من داعش، وأخذ المسافة عن جماعة (الإخوان المسلمين) وهو ما أثر على علاقته مع تنظيمات وجماعات في دول شمال إفريقيا انتهت بمنع أنشطة جماعة العدل والإحسان على الأراضي التركية، وهو ما فتح المجال لصفحة أخرى في العلاقات الرسمية بين تركيا والمغرب.

هوامش الملف

 

1_ avec le figaro, h 24 .info .ma, nadia yassine et Al adl wal Ihsane: divorce consommé (4 /7/2014)
2_ Afrik.com (25 sept 2015)
3_ rish sakthivel, Al Adl wal Ihsan, Inside morocco’s Islamist challange, washington  Institute for near east policy.
4_ Gagzi ozdemir, la nouvelle loi turque sur la securité interienre: coup dur  pour la democratie, sur net (25 / 2/ 2015)
5_ M .Grassi (Alfio) charte turque, Tome 1, la librairie d’ambroise dupont, 1826, ou la charte othmane, 425 _
6 _ (Al  adl wal ihsane: le makhzen est serpent qui avale tous ce qui l’approchent) telquel.ma (2 Juillet 2015)
7 _ (le palais et son entourage controlent toutes les institutions  officielles, l’economie, la presse et disposent de reélles informations concernant le pays) telquel .ma – 2/7/2015-
8_ Francois soudan : une secte nommeé Al adl wal Ihsan, jeune Afrique (15/12/2012)
9 _ ( Abde ssalam yassine n’a cessé de cultiver l’ambiguité sur les entretenuess par certains de ses militans avec le Jihadisme le plus radicale), F.soudan, Jeune Afrique (15 /12/ 2012)
10 _ cofutionnisme.com
11 _ le paristien 20 Janvier 2016.
12 _ chomscky hits back at Erdogan, accusing him of doulble standards on terrorism, the guardian 14 : Jan 2016.
13 _le point (AFP) 6/1/2016.
14_ Norman stone, Erdogan’s dreams of empire are perilous for turkey, the guardian (rev, 21/1/2016)
15_ Today zaman (19/1/2016)
19_ Arabe saoudite, le royaume qui fait trembler le monde, le point (21 janvier 2016)
17_ tim Arango Turkey, which sought middle Ground, Enters saudi Iranian dispute, New york Times, 8 jan 2016.
18 _ France 24, par vanessa Burrgraff -18/1/2016.

تعليق واحد

  1. تحية للسيد العوني
    عمل رائع كالعادة
    فقط لا اعتقد أن أردوغان وفريقه أو حتى تركيا سيستمرون في ما هم فيه تحت مراقبة معينة قوية هي الآن تشتغل بنفس المنطق الذي اعتقد أردوغان وآخرين أنهم فيه أذكياء … وذلك لجعل توركيا تمشي كالغراب …. لا هذه ولا تلك….
    بما يعني ان الواقع القائم ليس حقيقي مائة في المائة….
    ثمة نحولات تستهدف شمال افرييا بذكتء يشتغل منذ 2011 في صمت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!