في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة| نماذج من تواريخ الانفصالات نتيجة ضعف النظام

بقلم: مصطفى العلوي

   كانت النخبة المختارة من قضاة المغرب، المنضوين في رابطة قضاة المغرب، متسمرين في مقاعدهم بقاعة الغرفة التجارية بأكادير، تجاه المنصة التي كان يقتعدها في ذلك المساء من فاتح يناير 2016 وزير العدل مصطفى الرميد، والوالية العدوية، للمنطقة الأكاديرية، ومسؤول منظمة حقوق الإنسان، الصبار، ورئيس الرابطة الرياحي، وآخرون، حينما جاء أحد قضاة المنطقة، المنظمين لهذه الندوة، ليقف أمام الميكروفون مرحبا، وهو يقول: أرحب بكم في هذه المنطقة الأمازيغية، محتفلا معكم بعيد الميلاد الأمازيغي، مدرحا كلامه بعبارات سوسية، قبل أن يتدارك نفسه وحماسه، ليتكلم بعربية سليمة عن موضوع الندوة، التي جاء للمشاركة فيها قضاة من جميع جهات المغرب، طبعا لم يكن أحد منهم يظن أن تاريخ سوس العالمة حيث يرقد أحفاد للرسول والخلفاء، قد أصبحت في خبر كان.

   وربما تخيل الحاضرون، انهم لو علموا أن ندوتهم ستسخر لتوجيه رسالة لغاية أخرى(…) لما حضروا، رغم أن من بينهم عدة قضاة أمازيغيون، على شاكلة الوطن المغربي الذي لم يعرف منذ انضواء المغاربة تحت راية الإسلام، وخروجه من عهد الكاهنة وحكمها(…) أي تمييز بين العرب والأمازيغ، حيث الاندماج البشري، لم يترك على أرض المغرب، مواطنة أو مواطنا لا يجري في عروقه خليط من الدم العربي والأمازيغي.

   بينما الطريقة التي تكلم بها المرحب بالقضاة في خطابه، تكاد توحي أنه إذا انعقدت هذه الندوة مرة أخرى في أكادير، السنة القادمة، فإن زميلهم المرحب بهم، قد يسألهم إذا ما كانوا قد حصلوا على تأشير للدخول إلى هذه المنطقة(…).

   ولا تزعلوا، فإن الكثيرين قد فهموا أن المدلول المخزني للجهوية يمهد رويدا، رويدا للانفصال الجهوي، وإعلان استقلال بعض الأقاليم.

   وقد شهد الكثيرون داخل الحي الجامعي بمراكش يوم 13 يناير كيف اصر ((المتصارعون بالسواطير والسكاكين والحجارة والعصي، والذين نقل ضحاياهم إلى المستشفيات وفرضوا منع التجوال، لتبقى حلبة الصراع مخصصة للمتصارعين من الطلبة الصحراويين، في مواجهة طلبة الحركة الأمازيغية، بعد أن حاصر طلبة ينتمون للفصيل الأمازيغي، طالبا ينحدر من الأقاليم الجنوبية انتقاما من الاعتداء على طالب ينتمي للحركة الثقافية الأمازيغية)) (المساء. 15 يناير 2016).

 اليومية التي أخبرت في نفس العدد، أن ((تقارير استخباراتية أكدت أن الحرس الثوري الإيراني درب عشرات من الشيعة المغاربة(…) قبل الزج بهم في الحروب(…) التي يخوضها الحرس الثوري الإيراني، بعد أن صرح قائد الحرس الثوري محمد جعفري، أن إيران دربت ما يناهز 200 ألف مقاتل)).

   أخبار تتحدث عن الأجيال المغربية، حديثا أقرب ما يكون، إلى الحطب والنار وتقريب النار من الحطب، غير بعيد من ذلك العالم المتحضر غير بعيد منا، في الضفة الأروبية المواجهة، حيث الحضارة التي تعتبر كل ميز عنصري جريمة، تتعارض مع المنطق التقدمي، الذي يعتبر كل صراع عقائدي أو عرقي هو الممهد للخطر الإرهابي، الذي يعاني منه العالم هذه الأيام، نتيجة الطاعون العرقي الأساسي للصراع السني والشيعي، رغم أن هذا الصراع الدموي التاريخي العقائدي الذي يعتبر المنبع الأساسي لما يسمى داعش، هو أقل خطرا من الصراع العرقي، المبرر للذبح والقتل والفوضى.

   وعندما اختارت الدولة الفرنسية، فتاة أمازيعية الملامح مغربية الجنسية الأصلية، تسمى نجاة بلقاسم لتكون وزيرة للتعليم الفرنسي، واختارت “مانويل فالس” الطالب الإسباني ليرأس الحكومة الفرنسية، مثلما اختارت الهنغاري سركوزي لرئاسة الدولة الفرنسية، واختار الشعب الهولندي الضيق الإمكانيات، المغربية خديجة عريب لتكون رئيسة للبرلمان الهولندي، فإنما ليقولوا للطلبة الأمازيغ والصحراويين المتصارعين بالسواطير والسكاكين في جامعة مراكش يا حسرة، بأنهم مجرد نماذج للتخلف الهمجي.

   لنفهم أيضا، لماذا أعلن الرئيس الفرنسي، حتمية إعلان حالة الطوارئ، تعليق الدستور الفرنسي إذن، ووضع الديمقراطية في عطلة، لمواجهة التخلف والهمجية التي تهدد فرنسا.

   وهنيئا لمدير دار الحديث الحسنية، الأستاذ الخمليشي الذي أعلن بشجاعة رفضه لإلغاء عقوبة الإعدام، فهو يعرف أن المبالغة في الديمقراطية قد تأتي بعكس المطلوب منها.

وها هو المحامي وهبي يتحدث بصراحة عن الانتقال المغربي من الديمقراطية إلى العصبية القبلية.

   فأين حكومتنا ودولتنا، هنا في المغرب، من هذا الخطإ الفادح الذي حسبته هبة للمغرب، خطأ الجهوية الفوضوية باسم الديمقراطية التي لا نراها إلا في المجالات التي يحاول البعض صبغها باللون الديمقراطي البراق، وكأنهم يتناسون، وكيف ينسى، من لا ذاكرة له، أن المغرب في زمن السيبة، هو أكبر نموذج للفوضى الجهوية، حتى استفحلت وأصبح في بعض الحالات التاريخية، في كل جهة سلطان، مما اضطر السلطان المركزي المهدد في عرشه وقصره، ان يستنجد بالحماية الفرنسية، والجيوش الفرنسية والاستعمار الفرنسي والإسباني، لفرض الأمن والنظام في المغرب، وقد كتب أول رئيس للجيش المحتل للمغرب، المارشال ليوطي أنه قرأ كثيرا ما كتبه عن المغرب، الكتاب والباحثون الذين عرفوا المغرب على حقيقته ((والمغربي العاري الذي يهاجم ويخطف ويهرب، وهو عار من الثياب، لأنه يعرف أن الكلاب لا تهاجم الإنسان العاري، وفيهم من يطلي جسمه العاري بالصابون، حتى لا يمسك به الحراس، إنهم المورو(…) المتبهدلون أمام القوي، المستأسدون أمام الضعيف)) (المغرب. دو أمسيس. صدر 1882).

   وكنموذج لمصداقية هذا السرد المخيف عما كان عليه المغاربة قديما(…) يكتب مؤرخ فرنسي، بعد إمضاء عقد الحماية الفرنسية للمغرب ((إن أحد أقرباء الزعيم الأمازيغي موحى وحمو الزياني، واسمه حسن أقلال، كتب رسالة للمارشال ليوطي، بعد أن احتلت جيوشه البلاد، والرسالة مؤرخة بـ 16 يناير 1920: “مولانا وسيدنا المارشال ليوطي، إنك ناصر الحق، ولك بركة تعادل بركة السلطان، الذي عندما ينسى مهمته في كثير من الأحيان، فإننا سنعتمد عليك أيها المارشال لتنتقم لنا من ظلم القياد، لأننا نعتبرك كجدار ضد الظلم”)) (ليوطي والمؤسسات. دنييل ريفي).

   صيغة أخرى للحاجة الأزلية المغربية الماسة، إلى استئصال الظلم من جذوره، وتطهير الأطراف المغربية من شره، أكثر من حاجتهم إلى الديمقراطية، خصوصا إذا كانت هذه الديمقراطية ضربا من الوهم المبرر للطغيان والظلم.

   ورحم الله الملك الحسن الثاني، مرة أخرى وهو الذي لمح إلى إمكانية الاستغناء عن الدستور رمز الديمقراطية في خطاب له: ((يحدث في تاريخ الشعوب، أن يكون هناك انسجام بين الملك والشعب، يمكن معه الاستغناء عن الدستور، إلا أنه قد تحدث حوادث، حين تجد ملكا متوسطا، لا أقول ضعيفا)) (خطاب الحسن الثاني. 11 نونبر 1977).

   لأن الظلم هو الذي كان سبب المآسي، والحروب التي عرفها المغرب، منذ قرون وأجيال، حيث انفصلت قبائل عن قبائل، ولم تبق بعض القبائل مرتبطة بانتماءاتها القبلية، واستفحلت الصراعات من أجل الحكم وأصبحت بعض الأنظمة المحلية، أقرب إلى العائلة من قربها إلى القبيلة، لنشهد تضخم الكيانات الصغيرة، التي استفحلت في المغرب، والتي قد يكون الرجوع إلى التعمق فيها، رادعا لهؤلاء الذين يدعون إلى الانفصال الأمازيغي، وأغلب الحروب التي عرفها المغرب قبل الاستعمار، كانت أقرب إلى الحروب العائلية من قربها إلى الحروب القبلية، مثلما كانت الحروب بين ورثة السلاطين، وأولاد السلطان مولاي إسماعيل كنموذج، أخطر ما عرفته جبال المغرب ووديانه من حروب، وعندما تختلط مكونات النفوذ مع عناصر الفوارق العنصرية تكون الكارثة دموية بالتأكيد.

   عندما عين السلطان عبد العزيز، قبل إمضاء الحماية الفرنسية بسنوات قليلة، أحد رجال ثقته القايد عبد المالك، على متوكة، لفرض النظام في منطقة الرحامنة، تشاور القايد مع أعوانه بعيدا عن السلطان، وقال لهم: ((إننا نحن الشلوح، لن نتفاهم إطلاقا مع هؤلاء العرب، وأنا أفضل أن نرجع لبلدنا(…) لأننا أقوياء، وإذا اعترض طريقنا أحد نواجهه بالبارود)) (زمن المحلات. لويس أرنو).

   وكان الرحامنة، الذين أعلنوا شبه انفصال ترابي عن باقي المغرب، قد نصبوا قائدا للسيبة، وهو لقب تشريفي، يجعل السيبة أي الفوضى رمزا من رموز الفوز والغلبة، وبطل السيبة عندهم كان يسمى مبارك ولد الطاهر بنسليمان، الذي كان يحارب في السفوح، ويستعد للانقضاض على مراكش، وقد بدأ هجومه بنهب دار المخزن(…) وبيت المال، ((لدرجة سرق معها شلوح المنطقة بقيادة “ولد الروحات”، أموال الخزينة لدرجة أنهم لم يستطيعوا حمل المزيد من النقود الذهبية، بل يضعونها في أظرفة ورقية ويبيعون خمس لويزات ذهبية، بقرش، وهكذا كانت ضفتي وادي أم الربيع قد كستها الدماء، واشتعلت بها النيران من السفوح إلى الجبال)) (نفس المصدر).

   صورة من مئات الأحداث التي عرفها المغرب والتي عجلت بدخول الجيوش الفرنسية، بعد أن استفحلت ظاهرة الانفصال، المتأصلة في أعماق القبائل المغربية والتي من شأن المخططات التي نسميها اليوم بالجهوية، أن تعود إلى إحياء الطموحات الانفصالية في أعماق الكثير من القبائل المغربية.

فقد كتب المؤرخ كنتيجة لغلطة السلطان عبد العزيز، بتعيين أحد الانفصاليين مسؤولا عن الأمن أن ((الرؤوس المقطوعة علقت كغنائم دموية على  جدران فنادق جامع الفنا، بعد أن كلفوا يهود المدينة بتمليحها)).

   لكن المؤرخ الفرنسي، الذي حضر أطرافا من هذه الأحداث، كتب فقرة غنية بالمعاني، لتفسير أسباب هذه المجازر قال فيها: ((لكن رئيس الحكومة باحماد الذي كان يتابع كل شيء، لم يكن يوصل للسلطان أي شيء عن هذه التمردات، إلى أن علم مولاي عبد العزيز، أنه لم يبق محط رضى ولا قبول الجميع)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!