في الأكشاك هذا الأسبوع

عندما نقل إبراهيم فرج وأحمد بنسودة هدية الحسن الثاني إلى مشعل الجار لله

 بقلم: رمزي صوفيا

    تعود بي الذاكرة اليوم لسنوات طويلة مضت، حيث انتقل عدد ممن عرفتهم إلى رحمة الله. وكان حزني كبيرا عندما علمت بوفاة الحاجب الملكي السابق الأستاذ إبراهيم فرج.

   لقد عرفت هذا الرجل الحكيم بواسطة الراحل الكبير الأستاذ أحمد بنسودة، الذي كانت تربطني به علاقة روحانية طيبة، منذ اللحظة التي تعرفت عليه فيها، في بيروت، عندما كان سفيرا معتمدا للمغرب هناك، فخدم وطنه بطريقة متميزة وخلق صداقات وعلاقات ثقة مع كبار رجال الأعمال، حيث جاؤوا للمغرب واستثمروا فيه كثيرا بفضل طريقة عمل الراحل بنسودة، والصورة الممتازة التي قدمها عن المغرب. وتوطدت علاقتي به عندما استقريت في المغرب وصار هو مستشارا لجلالة الملك الراحل الحسن الثاني كما كان في نفس الوقت مديرا للديوان الملكي، فكنت دائم التردد على مكتبه. وذات يوم تعرفت عنده على الأستاذ إبراهيم فرج، فقدمه لي بنسودة قائلا: “هذا صديق حميم من خيرة أصدقائي، ويشغل حاليا منصب الحاجب الملكي لسيدنا نصره الله، وهو سليل عائلة فرج الرباطية المعروفة بوفائها للعرش العلوي المجيد والمعروفة بتمسكها بالتقاليد المغربية العريقة، وقد سبق له أن اشتغل معي مساعدا لمدير الإذاعة والتلفزة المغربية عندما كنت مديرا عاما لهما”، وهكذا تمتنت علاقتي بإبراهيم فرج، وصرت ألتقيه باستمرار في القصر الملكي العامر، بفضل الدعوات الكريمة التي كنت أتوصل بها دائما لحضور الحفلات الرسمية في الأعياد والمناسبات. وذات يوم، كنت مع الأستاذ أحمد عبد العزيز الجار الله بحكم منصبي كمدير إقليمي، ومدير تحرير لجريدة “السياسة الكويتية” – الطبعة الدولية التي كانت تصدر في المغرب، كنا في ضيافة الراحل العظيم الحسن الثاني في رحلة صيد، فقال لنا: “سوف أسافر إلى الصحراء المغربية وأدعوكما لمرافقتي في هذه الرحلة بعد أسبوع من الآن”، فشكرت جلالته جزيل الشكر وقلت له: “سيدي صاحب الجلالة، إن تشريفكم لنا ما بعده تشريف، ولكن الأستاذ الجار الله لا بد له أن يعود غدا إلى الكويت لإقامة حفل زفاف ابنه البكر مشعل، الذي سيتم بعد خمسة أيام فقط”، فقال لنا جلالته على الفور: “إذن سوف أرسل صديقكم أحمد بنسودة والحاجب إبراهيم فرج ليحضرا حفل الزفاف ويقدما تهانئنا للعروسين”. فشكرنا جلالته على هذا التكريم الكبير، وفي اليوم الموالي سافر الجار الله إلى الكويت على متن طائرته الخاصة، ثم أرسلها بعد ذلك إلى المغرب لتقلني أنا والأستاذين أحمد بنسودة وإبراهيم فرج، وكانا يحملان معهما هدية ملكية نفيسة وقيمة لتقديمها للعروسين. وأثناء تحليق الطائرة بنا متوجهة نحو الكويت، أخذ كل من بنسودة وفرج يتحدثان عن نشأتهما، ومرحلة دراستهما، والمشاكل التي صادفها كل واحد منهما، وبالنسبة لبنسودة فقد كنت أعرف عنه الشيء الكثير بحكم منهما الصداقة المتينة التي جمعت بيننا منذ سنوات طويلة، أما إبراهيم فرج فقد اكتشفت فيه خلال تلك الرحلة رجلا حكيما، ومثقفا كبيرا، وقال لنا منشرح الملامح: “لقد مَنّ الله على جلالة سيدنا بولي عهد ليس له مثيل في العالم، وأنا شخصيا أتابع طريقة تصرفه مع الكبير والصغير، ودرجة محبته لكل المغاربة في كل مكان، إن “سمية سيدي” لا يتوقف عن مساعدة الناس، بل إنه يذهب بدون حراسة إلى أماكن تواجد الفقراء والمحرومين، وإلى الأحياء الشعبية الفقيرة، وهناك يساعد هذا، ويمد ذاك بالمال، ويسبغ على الجميع عطفه العفوي، الذي زرعه الله في قلبه”، وقال لنا الحاجب الملكي: “إنني وبحكم المهام الكثيرة التي يشرفني بها سيدنا نصره الله أكون هنا وهناك، حيث أقوم بتسليم الهبات والعطايا الكريمة من سيدنا للزوايا وللمراكز التي تحتاج للمال، وكثيرا ما أجد “سمية سيدي”، ولي العهد حفظه الله، قد سبقني وقدم لهم كل ما يحتاجونه من مساعدات مالية ودعم مالي، بل في بعض الأحيان أجده واقفا وسط الناس يسألهم عن همومهم واهتماماتهم ويصغي إليهم باهتمام بالغ، ثم يعود إلى القصر ليحقق لهم كل ما التمسوه منه”. ثم استأنف كلامه قائلا: “لقد سافرت كثيرا وزرت عددا كبيرا من البلدان مع جلالة الملك ضمن حاشيته السعيدة، ولكن كل هؤلاء الملوك وهؤلاء القادة الذين رأيتهم لاحظت نظرات الغبطة لسيدنا على الشاب النبيل الذي مَنَّ به الله عليه، وليا لعهده، حيث تفوق على أبناء كل زعماء العالم بثقافته وأخلاقه الطيبة وسريرته الصافية وحبه للناس”.

   وظل الأستاذ إبراهيم فرج طيلة الرحلة يعبر عن اعتزازه كمغربي بولي العهد مؤكدا بأن المغرب في أمن وأمان لأن خير خلف لخير سلف موجود.

   وهكذا كان فبعد انتقال العاهل الكريم الحسن الثاني إلى رحاب الله، وجد المغاربة في عاهلهم الشاب خير ملك، وخير قائد، حقق لهم خلال سنوات معدودة ما يحتاج لقرون وقرون من الزمن.

   وبرحيل الأستاذ إبراهيم فرج تنطفئ شمعة أخرى من شموع طالما أنارت بثقافتها وسعة أفقها دروب العمل مع قائد عظيم هو الحسن الثاني، وقد قال رئيس الحكومة عن الأستاذ إبراهيم فرج بعد وفاته: “لقد زرته منذ ثلاثة أيام فقط فوجدته مطمئن النفس ومستعدا للالتحاق بدار البقاء”. وهكذا رحل الحاجب الملكي مرتاح البال بعد أن قام بكل واجباته وطيلة عقود طويلة بطريقة جعلته مثالا للوفاء والإخلاص للعرش العلوي المجيد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!