في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة| عندما كان الأمير سيدي محمد يكره تقليد قبلة اليد

بقلم: مصطفى العلوي

    كتب أحد الأساتذة الذين كلفهم الحسن الثاني، بتربية ولي عهده الأمير سيدي محمد، وهو الفرنسي “باتريك موليس”، أن الملك العظيم كلف ولي عهده بتمثيله في جنازة ملك الأردن الحسين بن طلال، كقرار يرمز إلى حتمية تخلي الجيل القديم من الملوك، عن مقاعدهم، لفائدة ملوك القرن القادم.

   الأستاذ الفرنسي كتب أن الحسن الثاني امتحنه كثيرا قبل أن يسلمه مهام التكلف بولي العهد، وأنه رافق الأمير عدة مرات في السفر إلى الخارج، حيث اكتشف ((أن سيدي محمد كان متفتحا متوازنا، مهتما كثيرا بالمستقبل))، وهو الذي قال له والده بعد أحداث الصخيرات، ومعاقبة وإعدام المتسببين في هذه المأساة: ((انظر كيف يجب التعامل مع أعداء النظام)).

   لولا أن الممارسة كشفت عند الأستاذ الفرنسي، أن ولي العهد، وهو في بداية شبابه، ربما كانت له أفكار مخالفة لاتجاه المواجهة العنيفة(…)، حيث روى أن الأمير قال له مرة: ((يجب في المغرب، أن نتحرك ببطئ الخطوات، ومزج التقاليد بالحضارة، والسماح للعقليات أن تتحرك بدون اصطدام(…) لذلك أعتقد – يقول الأستاذ الفرنسي – أن الأمير الصغير كان دائما يعطي الإحساس بأنه كان وكأنه يستعد لتعديل التقاليد)) (الفقرات في أحد أعداد مجلة باري ماتش. سنة 2000).

   ليظهر من هذه الاستنتاجات، لهذا الأستاذ الفرنسي، الشرح الحقيقي، لهذه الصورة (صورة الغلاف) التي يظهر فيها ولي العهد وكأنه، وأبوه يضع يده عليه، ليمنعه من التحرك في اتجاه السخرية من هذا التقليد، تقليد قبلة اليد، وهو التقليد الذي انتظر محمد السادس سنوات طويلة قبل أن يتنازل عن هذا العائق البروطوكولي.

وهو التقليد الذي كان قديما منطلقا من أن ((اليد رمز القوة بامتياز، هي العضو الذي يقوم بالبيعة وهي التي تعاقب بصورة مباشرة أولا، بواسطة التفويض إلى أياد أخرى، وهي التي تعطي(…) وتوزع التحايا وهي التي تتلقى بلا واسطة الاعتراف بسلطتها من طرف الأعيان. واسوة بالإله، يحظى مالك السلطة العليا بشرف اليد اليمنى، التي تمنح العفو والنعم ويفوض إلى مرؤوسيه اليد اليسرى، التي هي أداة القمع)) (محمد الناجي. كتاب العبد والرعية).

   بينما قدماء الحكماء، صنفوا قبلة اليد بقولهم: ((قبلة الإمام في اليد، وقبلة الأب في الرأس، وقبلة الأخ في الخد، وقبلة الأخت في الصدر، وقبلة الزوجة في الفم)) (كتاب تاج العروس).

   قد يكون الملك محمد السادس، في إطار رفضه المبكر للتقاليد قد احتاج إلى وقت طويل، حوالي عشر سنوات، قبل أن يلغي هذا التقليد، وهو الذي عبر في صغره عن نيته في تجاوز هذا الإرث الذي ورثه عن أبيه الحسن الثاني: ((الحسن الثاني الذي كان متشبثا بهذه الجزئية، لأنه هو نفسه كان نتاجا لإرث تاريخي، وثقافة عربية إسلامية، لابد من التعمق فيها، لفهم المقصود منها. بينما هذا التقليد، تقليد قبلة اليد، منطلق من ثقافة المبالغة(…) والتقريظ، والإطراء تجاه الطفل المدلل، بينما هي تتناقض مع الثقافة الغربية، وأنا أتوفر على قصيدة شعرية، كلها تقريظ وإطراء، في حق الأمير مولاي الحسن، عندما كان سنه ثلاث عشرة سنة، يسعد كاتب هذا الشعر، بأنه استطاع تقبيل يد الأمير، فكيف تريدون أن يتخلص الحسن الثاني من هذه الميزة عندما كبر في السن، لقد كان الملك الحسن الثاني، ضحية هذه الثقافة في بلده)) (الناشط الأمازيغي محمد شفيق. كتاب الحسن الثاني بين التقاليد والحكم. إنياس دال).

   لولا أن ما لمح إليه الباحث شفيق، بعد أن استفحل الأمر، وجعل من قبلة اليد، وسيلة للتعبير عن الولاء، وفي نفس الوقت، امتحانا لكل راغب في مكانة أعلى، أو منصب أسمى، وحولها الكثير من المنافقين، إلى فرصة للتجاوز الملكي، عن الدبلومات والمؤهلات، ومحو السوابق، وفي حالات أخرى، رأينا كيف أن قبلة اليد، كانت مناسبة لغش الملك نفسه، ونذكر جميعا، في بداية شهر غشت 1972، كيف انقض الجنرال أوفقير على يد الحسن الثاني يقبلها مبللا لأطرافها بالدموع، عندما كان يودع الملك المتوجه إلى فرنسا، وهو الذي فوجئ يوم عودته من السفر بالطائرات الحربية المسلحة، وهي تقصف بأمر من الجنرال أوفقير، الطائرة التي كان الحسن الثاني، يعود على متنها إلى وطنه.

   لقد كانت القبلة الأخيرة التي طبعها الجنرال أوفقير على يد الملك الحسن الثاني، تحديا وتكذيبا لمقولة الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة، صاحب المقولة المشهورة: “تقبل اليد وتقبل الرأس، فتصبح غنيا”.

   وطبيعة البشر، والبشر المغربي على الخصوص، وربما المغاربة أو بعضهم، كثير منهم استغنوا وتجبروا، وحكموا، وظلموا لأنهم يقبلون يد الملك علنا، ويقبلون أيدي المقربين إليه سرا.

ومن حسن حظ المخزن، وتقاليد المخزن، وعبيد المخزن، أن قب الجلباب التقليدي، كان يحول دون الكثيرين منهم عن أن يتعرف عليهم النظارة والمتفحصون للصور، وأشرطة التلفزة، بينما الكثيرون من المجلببين، والمغنبرين الذين رأيناهم يبوسون أيدي الملوك والسلاطين، كانوا في جلساتهم الخاصة يكيلون الشتم والنقد في حق الملك، بحكم انتمائهم لأحزاب المعارضة، أو المتأثرين بالأفكار الثورية.

   ومادامت قبلة اليد، وسيلة للخضوع والخنوع، فإن جذور هذه المركبات، دفينة في أعماق التاريخ، رغم أن الدهاة من الملوك، كانوا يفطنون إلى نوايا مقبلي الأيدي منذ أيام الملك الحاكم بأمر الله، الذي كان يقول في حق المتسابقين في الخنوع: ((ألم أقل لكم إني أكره الكلاب، ألم تعلموا أني أصدرت مرسوما بقتلهم، وتخليص مملكتي منهم، إني أحرم عليكم أن تقبلوا الأرض من تحت قدمي، ومن فعل ألحقته بقبره فيها وهو حي يرى)) (بنسالم جسوس. الوزير السابق في مجنون الحكم).

   مرة أخرى، نعود إلى ما كتبه الأستاذ شفيق، عن تناقض تقليد قبلة اليد، أو تقبيل الأرض تحت أقدام الملك كما كان عليه الحال في عهد الحاكم بأمر الله، بأنه متناقض مع الحضارة الغربية، لنتساءل عما إذا كان ذلك التناقض، بين التقاليد المغربية، والمنطق العصري سببا في الكثير من المآسي المغربية. وجوهرا لعقيدة الرافضين حتى لمبدإ الهيمنة السلطانية، والمهدي بنبركة نموذج لهذه الشريحة ((لأن المهدي بنبركة، كان غربي الاتجاه، قلبا وقالبا، لدوافع شخصية واجتماعية وثقافية، تعرف على المشرق في فترة متأخرة، فلم يفهم تعقيداته وكان في ذلك حتفه، وكان عبد الرحيم بوعبيد يرى أن مكوث المهدي بنبركة طويلا خارج الوطن، يجره حتما إلى ارتكاب أخطاء قاتلة)) (عبد الله العروي. خواطر الصباح).

طبعا ليست قبلة اليد وحدها المؤدية إلى بلوغ المهدي بنبركة إلى حتفه، لأن الحسن الثاني، لم يلغ تقليد بوسة اليد، وحتى لو بقي المهدي بنبركة حيا، وحتى لو حضر المهدي إلغاء هذا التقليد في عهد محمد السادس، لاكتشف عوائق أخرى، متساكنة في أحشاء بعض العقول، تقاليد من شأن التعرض لها أن تجر المهدي بنبركة، وحتى عبد الرحيم بوعبيد إلى اتهامهم بارتكاب أخطاء قاتلة. فالتاريخ المغربي المتجذر في أعماق التقاليد البدائية، لا تكفيه القرون الطويلة، للتخلص من الكثير من المكونات الأزلية التي ترفض المنطق الحضاري في التعامل بين الحاكمين والمحكومين، بين الكبار في المواقع والصغار الغارقين في الأزمات.

   وقد رأينا مؤخرا، هذا الاندثار المروع، لشريحة المفكرين والباحثين والمتعمقين في أسباب التأخر المغربي في مجال التعامل مع مكونات التخلف.. فلم تكن قبلة اليد، إلا مظهرا ثانويا من مظاهر التخلف، وهل هناك تخلف أمر وأدهى من هذه العقليات التي لازالت مهيمنة، بعيدا عن التقاليد الثانوية، مادامت تقاليد التخلف، أخطر بكثير من قبلة اليد، وهي متمثلة بشكل أخطر، في هذه الحالات التي تستغل الواجهة الديمقراطية، لتقنين الرشوة والفساد الإداري، والقضائي، والاستغلال المادي لطالبي الحقوق، والمظلومين، وكم هم في حاضرنا من يقبلون الأيدي الممسكة بمصائر كل ذي حاجة، هناك من يقبل الآن، أيدي الدركي والبوليسي، والقائد والباشا، وقابضي الضرائب وكاتبي القرارات ومصدري الأحكام.

   ولعلها هي فعلا، مظاهر التخلف الحقيقي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!