في الأكشاك هذا الأسبوع

معركة الدم تدخل صراع الأجندات.. ومهمتان سريتان لبن كيران من أجل ولاية ثانية

إعداد. عبد الحميد العوني

   قالت مصادر خاصة أن الرميد يمنع المواجهة مع جماعة العدل والإحسان، وهي المهمة السرية التي تريدها جهة في الدولة لدعم ولاية حكومية ثانية لبن كيران، ويريد لشكر قيادة حزب العدالة والتنمية لحكومة يشارك فيها على أن تكون بدون حصاد والتكنوقراط، وتنازل شباط عن أي شرط، للوصول إلى هذه الغاية.

   ويطلب الاتحاديون ميثاقا انتخابيا مرحليا يشرف فيه رئيس الحكومة، وبشكل كامل، على الانتخابات البرلمانية القادمة، وليس كما حدث في انتخابات 4 شتنبر التي وصف فيها إدريس لشكر إشراف رئيس الحكومة “بالشكلي” في انتخابات الجهة والبلديات خريف العام الماضي. أما المهمة السرية التي حملها علي الهمة في زيارته إلى بن كيران، والتي جاء على إثرها اجتماع رئيس الحكومة بالأغلبية، فتتمثل في التوافق مع لشكر الذي يدعو إلى ملكية برلمانية صارمة في هذه الظروف الصعبة، وأعلن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية دفاعه عن الملكية بطريقة غير مسبوقة جعلت مطلب التفاهم حول الملكية البرلمانية لا يتعدى ما قاله نبيل بن عبد الله (ملكية برلمانية تحتفظ للملك بسلطات التحكيم ورسم التوجهات العامة ومهام إمارة المؤمنين والجيش والدفاع ووجود حكومة سياسية وتوجهات مصادق عليها من طرف البرلمانيين).

 القنبلة الأمنية التي يخافها الجميع احتجاج النقابات المتزامن مع ذكرى 20 فبراير

   غيرت النقابات مضامين خطتها في مواجهة الحكومة، وتحول الإضراب العام إلى إضراب في قطاع الوظيفة العمومية، وقللت من عدد المشاركين في مسيرتها الوطنية، خوفا من إنزال كبير لجماعة العدل والإحسان التي شاركت في التظاهرة، ونزل الأمنيون بقوة ضد الطلبة الأساتذة فتحول اعتصام القيادات النقابية أمام البرلمان إلى اعتصام مختلط.

   من جهة أخرى تعمل النقابات على هذا السقف الضبابي في إعلانها لإضراب عام كي تهدد به في أجواء فبراير القادم، وهي رسالة تلعب بالنار، وتود دوائر الرأسمال ضرب العدل والإحسان “العمود الفقري” للاحتجاجات كي يتسنى تمرير (الإصلاحات) بدون آثار كبيرة على الأمن والاستقرار، لأن المهم في نظرها عزل التظاهر السلمي عن الفوضى الموجهة. وجاءت افتتاحية جريدة الصباح الممثلة لهذا الاتجاه للقول أن ما جرى أخيرا بين الدولة والأساتذة المتدربين ليس إلا “بروفة” لحرب المدن بين العدل والإحسان والدولة، وهي مناورات في الميدان على مواجهة مرتقبة بين الدولة والعدل والإحسان. ولا يمكن في وجهة النظر هذه سوى إعلان الحرب ضد العدل والإحسان القائدة لجبهة ثلاثية: 20 فبراير، والمسيرة الوطنية الأخيرة ضد الحكومة، والاحتجاجات القطاعية آخرها للطلبة الأساتذة.

   وإن تلقت جماعة العدل والإحسان ضربة أمنية “مزدوجة” وقوية قبل 20 فبراير القادم، سيعود بموجبها الجميع إلى طاولة الحوار الاجتماعي دون مسألة التقاعد التي بقي للنقابات حق الاعتراض على الإجراءات الخاصة بها داخل البرلمان وليس في الشارع، وسيفشل بعدها أي إحياء لحركة 20 فبراير. ومن داخل هذه الحسابات المركبة لتوجهات الدولة، يريد بن كيران تمرير الأجندة الخاصة بالتقاعد وعودة الطلبة الأساتذة دون الوصول إلى حالة الفوضى مع النقابات وتحريك الشارع من طرف عشرة آلاف شخص يمكن أن يكون وقودا لإحياء حركة 20 فبراير.

   وعلى صعيد المطلب الرئيس لحركة 20 فبراير القاضي بخفض أجور الوزراء والبرلمانيين، يذهب مجلس المستشارين ومن خلال رئيسه بنشماس المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة إلى احتواء هذه الأجندة بيوم دراسي يصل إلى توصيات تضحي بجزء من امتيازات البرلمانيين، وتبدأ المسطرة بتسليم التقاعد في السن القانوني لكل متقاعد بالمملكة.

  وتتخوف بعض دوائر القرار من إعادة إحياء حركة 20 فبراير، أو اعتقاد بن كيران أن تسخين القدر دون حرقه يستوجب تسليمه ولاية حكومية ثانية، أو ترهن بعض الأطراف البلد لحركة الشارع انطلاقا من المطالب الاجتماعية لتأجيل الانتخابات.وجاء التدخل الأمني القوي ليوم الخميس الماضي رسالة للجميع أن الشارع خط أحمر.

   من جهة، لا يمكن لما يدعى “التحكم” الذي ينعت به حزب الأصالة والمعاصرة أن يعمل أو يؤثر في أجواء العودة إلى الشارع، وسبق لتقرير أمريكي حساس أن أشار إلى الخوف من عودة الشارع للتحرك بعد الانتخابات الجهوية والبرلمانية الأخيرة.

   ومن جهة ثانية يرى أعضاء الحزب الإسلامي من خلال ذراعه الحقوقي (منتدى الكرامة) وبعض أحزاب الكتلة، يتقدمهم حزب الاستقلال، أن ضمان شروط (الاحتجاج السلمي) قد يمرر استحقاقات المرحلة، وجاء بيان منتدى الكرامة مستنكرا (التدخل العنيف الذي لا مبرر له) والماس كما قال بالحق بالتظاهر السلمي، فيما أشار الناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال عادل بنحمزة إلى مبادرة فريقه البرلماني، لعقد اجتماع عاجل للجنة الداخلية، والجماعات الترابية والسكن وسياسة المدينة بحضور وزير الداخلية والمدير العام للأمن الوطني لتدارس التدخل العنيف ليوم 7 يناير الجاري.

   وكلما زادت التدخلات العنيفة لوزارة الداخلية احترق رقم (الوزير حصاد) الذي ترك ثأرا بينه وبين حزب الاستقلال منذ اتهام الأمين العام للحزب بما سمي (ابتزاز الدولة)، وتدخلت جهات لرفض قيادة حامي الدين لفريقه في مجلس المستشارين وهو الرئيس الحالي لمنتدى (الكرامة).

  وخارج دوائر الثأر المذكورة، يرى بن كيران أن مهمته المزدوجة لعدم تمكين العدل والإحسان من إدارة الشارع وإحياء 20 فبراير، وعدم تمكين الاتحاد الاشتراكي من دخول مطالب هذه الحركة وعلى رأسها الملكية البرلمانية إلى الحكومة القادمة هي “مهمة تاريخية” له لا تقبل الجدل.

 المهمة المزدوجة لبن كيران: عدم تمكين جماعة العدل والإحسان من إدارة الشارع ، خوفا من إحياء حركة 20 فبراير، وعدم تمكين الاتحاد الاشتراكي من دخوله الحكومة بالمطلب الرئيس لهذه الحركة: الملكية البرلمانية، وجاءت تأكيدات من رئيس الحكومة بأنه ضد الفوضى والفوضى الموجهة تحديدا، وهو ما سمح باستعمال العنف المفرط في 7 يناير، لكن الاستعمال المفرط للعنف في سياق سياسي واجتماعي مشحون قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية، وليس نقص شعبيتها فقط، وهو هدف لبعض أجنحة السلطة

   إن ما عبر عنه بن كيران بأنه ضد الفوضى (وخصوصا الفوضى الموجهة) سمحت بالاستعمال المفرط للعنف يوم السابع من يناير الجاري، وهي تظاهرات لا تختلف عن الطلبة الأطباء، وأشار مصطفى الخلفي في تدوينته أن ما يجري يقلل من شعبية الحكومة القادمة التي مثل فيها بن كيران في لقاء إعلامي (حكومة الكتلة وحزب العدالة والتنمية). وجاءت الرسالة قوية ضد ما حدث من تفاهم حول الحكومة القادمة، عزلت حزب العدالة والتنمية وقدمت حسابات الدولة العميقة كما يفضل أفتاتي تسميتها.

   وقال مصطفى الخلفي بهذا الخصوص: كيف يقنع دعاة الإصلاح في المغرب اليوم، فئة الأساتذة والمجتمع ككل بأن ما وقع (الخميس 7 يناير) يدخل ضمن مخطط “دهاقنة التحكم”، قصد إحداث القطيعة بين دعاة الإصلاح وإحدى معاقلهم الاجتماعية المهمة في صفوف الأساتذة والطبقة الوسطى. وزير الاتصال الذي رفض التعليق على الحادث بصفته ناطقا رسميا للحكومة علق بصفته الشخصية، لأن الرسالة تخصه بعد مشاركته في اجتماع يهيء لما سمي (الحكومة القادمة) التي تجمع أحزاب الكتلة وحزب العدالة والتنمية وأطلق عليها بن عبد الله (الحركة الوطنية الديمقراطية).

 رسالة 7 يناير، التي جاءت  من دوائر التحكم حسب مصطفى الخلفي عقب اجتماع الحركة الوطنية الديمقراطية، تتجه إلى إفشال هذا المشروع بالقوة، يقول نبيل بن عبد الله عن الذين يلجأون لخيار القوة الذي بدأ أنه مخطئ

رفض نبيل بنعبد الله خيار القوة الذي لجأت إليه دوائر التحكم بتعبير مصطفى الخلفي وقد شاركا معا في لقاء إعلامي.

   جسد صعوبة في قبول التهيئ لحكومة في ندوة وليس في كواليس وحسابات شديدة المناورة والتعقيد، وتضم ترتيبات تتجه فورا إلى استعمال القوة لإبطال (السيناريو الوطني الديمقراطي). وحذر وزير السكنى والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية من اللجوء إلى خيار القوة، وحسب تعبيره الدارج (لأنه غادي يجبها في العين العورا).

   وتساءل صحافيون غربيون عن العين الواحدة للمغرب في هذا الظرف الدقيق الذي يخاف فيه الجميع من المجموعات العفوية المؤطرة للفوضى. ولم يخف نبيلبن عبد الله العراب السابق في 2012 لمشاركة أحزاب الكتلة في حكومة يرأسها حزب العدالة والتنمية والعراب الحالي لنفس الحكومة في 2016، عن تخوفه من “المجموعات العفوية ” (وبالأحرى الاحتجاجات العفوية). واستاء زعيم التقدم والاشتراكية من عدم قدرة النقابات على حشد مئات الآلاف من المواطنين في إضراباتها، وهذا الوضع (لا يدعو للارتياح) حسب تعبيره، والنقابات جزء من مؤسسات الدولة دون الإشارة إلى وقوعها ضمن حساباتها أيضا.

   وتؤكد مصادر عن خفض مقصود لأعداد المشاركين في المسيرة الوطنية ضد الحكومة الحالية، وفيها يضغط “صقور النقابات” لتأجيل الإضراب العام قصد مصادفته لذكرى 20 فبراير، فيما يراه جناح الحمائم “تأجيلا للمواجهة مع الحكومة، وطيا لتعديلات رئيسة على صعيد البرلمان تضمن للنقابات ماء الوجه”.

   وأغلق رئيس الحكومة رسميا أي حوار أو مفاوضات بين حكومته وبين النقابات بشأن مشروع إصلاح التقاعد بعد مصادقة المجلس الحكومي على مراسيم وقوانين التقاعد ترفع السن القانونية لتلقي معاش التقاعد بشكل تدريجي إلى 63 عاما، وصرح مستشار رئيس الحكومة في الشؤون الاجتماعية عبد الحق العربي للصحافة بقوله (إن الحوار مع النقابات حول إصلاح أنظمة التقاعد قد انتهى).

   وتؤثر التفاهمات التي يقودها نبيل بنعبد الله على مشاركة نقابتين ضمن الرباعي المحتج على رئيس الحكومة، لأن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب قريب من حزب الاستقلال والفيدرالية الديمقراطية للشغل تعتبر ذراعا للاتحاديين. ويتقدم الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الرباعي الرافض (لفرض إصلاحات الحكومة وانفرادها بقرارات تمس مصير المواطنين). وحمل البيان الذي أصدرته النقابات الأربع المسؤولية عما سيترتب عن ذلك من (تداعيات وتبعات خطيرة).

التبعات الخطيرة التي تهدد بها النقابات حكومة بن كيران قد تنتهي بالفوضى الشاملة وهو السيناريو الذي يعتقده البعض بأنه “ليس سوى نتاج لدهاقنة التحكم”

   جاء حوار علي الهمة وبن كيران للتأكيد على منع الدولة لأي انفجار اجتماعي متزامن مع حركة 20 فبراير، وسبق للداخلية أن منعت في وقت سابق “تزامن تظاهرات لحزب الاستقلال من أجل معارضة الحكومة مع تاريخ 20 فبراير” وحاليا جاءت رسالة 7 يناير لرسم نفس الخط الأحمر في وجه النقابات التي تواجه ضغوطا شديدة من طرف قواعدها وصقورها، ويفكر البعض في التحكيم الملكي، طريقا ثالثا بين خيار الشارع وخيار البرلمان، كما قال الأموي: لن ننجر إلى معركة وحيدة في البرلمان وإن كانت الدولة أبلغت (الخطوط الحمراء) للنقابات فإن إطلاق حوار اجتماعي يأتي لرد الاعتبار للنقابات التي تعتبر جزء من القرار الاجتماعي، فتربح  نقطا وتضمن عدم تفجير أخرى، وترحل الخلافات إلى ما بعد الانتخابات القادمة.

   وهذه الصفقة الموضوعة بين النقابات ورئاسة الحكومة يراها البعض وليدة (الكواليس) التي يحيط بها “دهاقنة التحكم”، وتهم الذين يريدون إسقاط الحكومة قبل الأوان في رد قوي على إعلان تحالفات الحكومة المرتقبة بين حزب العدالة والتنمية وأحزاب الكتلة أو ما اصطلح عليها (الحركة الوطنية الديمقراطية). ويريد بن كيران تمرير موضوع التقاعد (العقبة الكأداء) والسير لحل باقي المعضلات ضمن الملف المطلبي الموضوع لدى الحكومة من طرف النقابات.

 الأموي يريد إسقاط حكومة بن كيران، وسيضرب عصفورين بحجر واحد: إسقاط اتفاق لشكر”المحتمل” مع حزب العدالة والتنمية، وبالتالي إسقاط قيادة الاتحاديين وإعادة تشكيلهم في حزب وحدوي قوي وحاسم قبل الانتخابات البرلمانية

   قد تجر أجندة الأموي إلى صعوبات شديدة على أمن اللعبة والأمن العام، لذلك دفعت الدولة بن كيران إلى فتح الحوار الاجتماعي “فورا وبهدايا يمكن أن تغطي تمرير الإجراءات الأخيرة بشأن صناديق التقاعد”. وثبت للجميع أن اتفاقا جديدا على شاكلة (أبريل 2011) لن يؤثر على التوازنات الحالية، وليس تطبيقه “مقدسا”، لكن بن كيران الراغب في أن يخلف نفسه سيكون أي اتفاق يوقعه مصدر أمانة بالنسبة له، ولا يمكن الوصول إلى عدم الوفاء بما وقع، لأن هذا سيكون مساسا قويا ليس بشعبيته، بل بشعبية حزبه. وقد تكون هذه الإشارة توقيعا مسبقا على عدم عودة بن كيران إلى رئاسة الحكومة القادمة.

وأخيرا انتقلت كرة النار من النقابات إلى رئيس الحكومة بفضل التحكيم الملكي الذي تراه بعض الأوساط نقابية “حاسما”.

   وقد يثير التحكيم الملكي سؤالا آخر لا يريد إثارته أي طرف حول صلاحيات الملك في أجواء ذكرى 20 فبراير المدعومة حاليا من حزب الاتحاد الاشتراكي الراغب في العودة إلى قوته من خلال قواعد (الاحتجاج) والملكية البرلمانية التي دافعت عنها شبيبة الاتحاديين أخيرا.

 النقابات تريد ثمنا لتهدئة قواعدها في مقابل تهدئتها للشارع في أفق ذكرى 20 فبراير “المحرجة” لجميع الأطراف

   حسب مصادر مطلعة، تسير عجلة الإعدادات التي تسبق الحوار الاجتماعي على عدم وساق لأجل تهدئة الوضع على صعيد الشارع، وعدم انتقال الاحتجاجات إلى مستوى متقدم، وتهدئة قواعد النقابات، لأن من المهم  تجديد اتفاق أبريل آخر.

   ويدير رئيس الحكومة التفاصيل وأيضا روح (الاتفاق) الذي طلبته جهات عليا لعدم المساس بأمن المجتمع والدولة، وإنهاء أي خطوات إصلاحية تثير الجدل، رغم أن خطوة بن كيران اتجاه التقاعد ضد شعبية الحزب، وهو ما شجع حزب العدالة والتنمية على الدفاع عن برنامجه، وسيكون “تجميد” إصلاح صناديق التقاعد موجة  أخرى  تزيد من شعبية الحزب الحاكم، على أساس أن “حزبه إصلاحي ويتقدم الدولة”.

 شعارات ذكرى هذه السنة لحركة 20 فبراير والتي تؤطرها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان المحسوبة على اليسار الجذري، تخص تقاعد الوزراء والبرلمانيين، وقد تطرح مسألة سيادية أخرى، وهو ما يعتبره مساسا مباشرا برجالات النظام، ويجري الحديث في الكواليس عن خفض المشاركة من خلال التدخل العنيف الذي رأيناه في 7 يناير، لأن الكل مجمع على الصعوبات الناتجة عن مخاطر المجموعات العفوية في ظل التراجع الواضح لتأطير النقابات، فيما يجد المتابعون أن هناك دعوى مبرمجة للعصيان، ويخاف الرأسمال والأمن من تحرك الشارع عبر النقابات كما حدث في 1990، وقادته الحركات العفوية، في آخر المطاف، ويعد نزول العدل والإحسان والنقابات والمطالب القطاعية في وقت واحد ورمزي (20 فبراير) خطرا لدى  الأوساط الأمنية على الأقل

وبالطبع لن يستطيع أحد منع انتقال الشعارات من أجور الوزراء، وإن بدأ بتقاعدهم، إلى أجور سيادية أخرى. ولا يخفى على أحد كيف تزامن قرار بن كيران بزيادة تقاعد 60 ألف جندي، ومطالب لخفض تقاعد البرلمانيين والوزراء، ولن تنته (حرب الأجور) عند هذه الحدود المتوقعة. ولا يخفى على أحد أن معركة الأجور جاءت منطقية نتيجة ما يدعى الإصلاحات القاسية التي تحملتها الطبقة الوسطى، وأوساط محدودي الدخل، ولا يمكن بالطبع استثناء فئات محددة من إجراءات التقشف.

   وبخوف الرأسمال الريعي من وصول إجراءات التقشف إلى دوائره، تسود قناعة قوية تقول أن ما يمكن أن تؤديه الطبقة المتوسطة وأوساط محدودي الدخل وصل إلى النهاية، ولا يمكن بتر الطبقات المستفيدة من مسار الإصلاح، أو جعل الإصلاح بسرعتين أو أجندتين، يكون فيها مجتمع الامتيازات في مقابل مجتمع الإصلاحات.

   ولن يكون هذا الصراع الذي بدأ من دون مفاعيل، وقد استجاب جزء من مجتمع الاستخبارات والأمن في شخص الحموشي إلى الإصلاح، على الأقل حسب أوساط إعلامية معروفة، وتحول المؤسسة الأمنية ذات التماس المباشر مع مجتمع الإصلاحات لن يكون كافيا، لأن إصلاح باقي الأمن وبمختلف تشكيلاته ضرورة مجتمعية وليس سياسية بالضرورة.

   ومن المهم عند البعض، وقف الإصلاحات الاجتماعية فورا كي يتوقف تقدمها إلى مؤسسات سيادية أخرى لا تريد على الأقل، وفي المرحلة الحالية، التخلي عن امتيازاتها التي راكمتها منذ عقود، ولذلك فإن أي صدام مجتمعي يخدمها، لكن أن يكون هذا الصدام تحت السيطرة، فيما يكون السيناريو السيء، أن يعود المغرب إلى المربع الأول، كما في 2011 من خلال قيادة الحركة العفوية للشارع وأن تكون قواعد النقابات داخل دائرة الاحتجاجات كما لم يكن سابقا.

   ويعتقد المتابعون أن صندوق البارود خلطة من جماعة العدل والإحسان والنقابات والاحتجاجات القطاعية والمعطلين والحركات العفوية التي مستها الأسعار، وذوي الأجور الضعيفة التي لا تمكن الأسر من الوفاء بأقل التزاماتها. وسيخدم احتجاج ضحايا التقشف الحكومي الطبقة المستفيدة المكرسة للريع الوظيفي أو التجاري.. إن سمحت للاحتجاج أن يخرج عن (إطاره السلمي). ولا يجد حزب العدالة والتنمية، الذي أمر أمينه العام بالتدخل وفض تظاهرات السابع من يناير، حرجا في الدعوى إلى احترام المعايير القانونية في فض التظاهرات وإعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في مواجهة مرتكبي هذه  “التجاوزات” وذلك للضغط على الأوساط النافذة في التراجع (الإرادي) عن امتيازاتها بشكل سريع، والسماح بدخول الإصلاحات إلى دوائر خارج سيطرة الحكومة.

   ويرفض الحاكمون الفعليون إلى الآن تسليم بن كيران هذه الأداة: تحريك الشارع أو ممارسة ضغوط على دوائر سيادية، وبضرب المحتجين، بعنف لم يسجل منذ آخر مراحل الكتم الممنهج لحركة 20 فبراير، تكون الدولة قد اتفقت مع بن كيران على منع الفوضى، وتختلف معه حول حدود “الاحتجاج السلمي والقانوني” قبل ذكرى 20 فبراير.

   من جهة يمكن للشارع أن يسقط حكومة بن كيران، ويمكن أن يتجه لحالة عصيان للتراجع عن الإصلاحات أو دفعها لتشمل أوساط “سيادية” لم تتنازل عن أي من امتيازاتها منذ انطلاق حركة 20 فبراير، ومن جهة أخرى يمكن عزل الشارع عن أي مشاركة في التطورات الأخيرة في مسلسل الإصلاحات الجارية، على أن تقدم الأوساط الريعية تنازلات “اختيارية”، بعد صعود البام والأحزاب الموالية للنظام لقيادة الحكومة. وفي مفترق الطرق المذكور بعيش المغرب تردده الكبير، لأن كل أطرافه لا تريد المغامرة ولا تريد أيضا أن يكون الشعب قد دفع كل الفاتورة دون مشاركة فئاته السيادية في الإصلاح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!