في الأكشاك هذا الأسبوع

الدكتور محمد عبد النباوي: “تسليم المجرمين بين القانون الداخلي المغربي وبين الاتفاقيات الدولية”

بقلم: رمزي صوفيا

   أتحف رجل القضاء والباحث المتميز في مجال القانون، وفي مجالات أدبية أخرى، الدكتور محمد عبد النباوي خزانات الفكر والثقافة بمؤلف قيّم جاء في جزئين، تحت عنوان: “تسليم المجرمين بين القانون الداخلي المغربي وبين الاتفاقيات الدولية”، وهذا المؤلف هو أطروحة نال بها الدكتور محمد عبد النباوي شهادة الدكتوراه في القانون الخاص بميزة مشرف جدا، مع التوصية بنشر المؤلف الفائق القيمة القانونية والفكرية من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة القاضي عياض في مراكش.

   يأتي المؤلف الجديد للدكتور عبد النباوي، الذي يشغل منصب مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل، ليروي تعطش طلبة علوم القوانين الداخلية والدولية لفيض المعلومات الدقيقة وذات الراهنية الكبرى، التي حفل بها المؤلف، والتي بدون شك ستساعد الباحثين والطلبة في الوصول للمعلومات المطلوبة في مجال تسليم المجرمين بين المغرب والدول الأخرى، وإضافة لغزارة المعلومات التي تضمنتها دفتا الجزئين اللذين تكون منهما هذا المؤلف القيم، فقد تميزت الأبحاث المعروضة بين صفحاته بدقة متناهية وتفصيل تام ولغة عربية سلسة، تجعل طالب العلم والباحث في مجال القانون ينكب على استشفاف كل احتياجاته الفكرية بكل سهولة ويسر.

   وقد تطرق الدكتور عبد النباوي في مطلع مؤلفه للتعريف بمغزى كلمة تسليم، ثم عرف بأسس قانونية بعبارة تسليم المجرمين في إطار التعاون القضائي بين المغرب وباقي الدول، حيث ذكر الدكتور محمد عبد النباوي بأن هذا التعاون يشمل في الميدان الجنائي عدة آليات للتعاون، كالإنابة القضائية التي تسمح للقضاء الوطني بالقيام بإجراءات قضائية خارج الحدود من قبيل الاستماع للمتهمين، أو إجراء خبرات متنوعة حسب الحالات، أو حجز متعلقات، أو أشياء من شأنها المساعدة في الحصول على قرائن الجريمة، إضافة لتبليغ الاستدعاءات والإعلانات والطيات القضائية لأشخاص يقطنون خارج الحدود.

   وذكر الدكتور عبد النباوي بأن فكرة تسليم المجرمين ليست وليدة اليوم بل تعود لعصور قديمة، حيث كان تبادل التسليم يتطلب اللجوء لاستعمال القوة، وذكر بأن هذا الإجراء الذي يعزز الحد من ظاهرة الجريمة، ويجعل المجرمين يستحضرون بأنهم لن يفلتوا من العقاب حتى لو غادروا البلد الذي ارتكبوا فيه جنايتهم، فإن الإجراء المذكور يعود للعصور الرومانية القديمة ولحضارة الفنيقيين، بل هناك كتابات ترجع هذا الإجراء لعصر رمسيس الأول.

وذكر الدكتور محمد عبد النباوي بصلح الحديبية الذي جاء فيه هذا الإجراء، رغم تعرض المسلمين فيه لغبن كبير وواضح، كما وثق لذلك الدكتور محمد عبد النباوي.

   وبدقة وسلاسة، عرض الدكتور عبد النباوي التطورات القضائية التي تلت أحداث 11 شتنبر 2001، والتي غيرت عدة مفاهيم، حيث نصت اتفاقية الأمم المتحدة لقمع تمويل الإرهاب على عدم اعتبار أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة 2 من الاتفاقية جريمة سياسية، أو جريمة متعلقة بجريمة سياسية، أو جريمة ارتكبت بدوافع سياسية.

   وتجدر الإشارة إلى أن تسليم المجرمين كان إلى حقبة غير بعيدة من الزمن يخضع لمزاج وإرادة أصحاب السلطة الحاكمة دون أن تكون للقانون شأن يذكر في هذا المجال، غير أن التطور المهم الذي عرفته الحقوق الأساسية للأفراد، والتي لم يكن معترفا بها في الكثير من بلدان العالم، أصبحت تفرض نفسها شيئا فشيئا في جميع الدول الخاصة بعد صدور الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في 10 دجنبر 1948، والذي نص على وجوب احترام الحقوق المدنية والسياسية للأشخاص فكان لا بد أن يكون لذلك انعكاس على التشاريع الداخلية للدول..
   جاء هذا التطور كنتيجة بديهية للتطور التكنولوجي الحاصل في وسائل المواصلات، وفتح طرق العبور والتنقل في وجه الأشخاص والمبادلات التجارية نظرا لمتطلبات العولمة وأنظمتها، وهو الأمر الذي لم يفلت من استغلال المجرم، حيث أصبح هروبه وإفلاته من العقاب يسيرا بسبب ضعف المراقبة في ظل الفوضى التي تسود العالم.
   ومن هنا برزت ضرورة تفعيل التعاون القضائي الدولي لمواجهة العد المتسارع للإجرام، وقد تأكدت حتمية هذا التعاون مع ازدياد ضراوة الإجرام، حتى صارت كل دولة مهما بلغت قوتها لا يمكنها التصدي له، دون الدخول في علاقات تعاون متبادلة مع غيرها من الدول، خاصة مع اتساع مسرح الجريمة الذي أصبح يشمل قارات بدل دول، نظرا لسهولة تحرك العناصر الإجرامية التي تتقن استغلال التسهيلات التكنولوجية والعراقيل التي تعترض ملاحقتهم عالميا كالسيادة الوطنية المطلقة ومحدودية تطبيق قواعد الاختصاص الجنائي.
   وغني عن القول أن نظام تسليم المجرمين جاء لمنع الاعتداء على سيادة الدول، فلا يحق لأي دولة مهما كان ثقلها ومركزها على الساحة الدولية، ومهما كانت الدوافع التي لديها أن تستعمل رجالها لاختطاف شخص لا يوجد فوق ترابها لما في ذلك من اعتداء على سيادة الدول، غير أن هذا لا يمنع من حدوث عمليات اختطاف كثيرة من ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية التي نصبت نفسها بوليسا دوليا لمكافحة الإرهاب والمخدرات، قامت باختطاف الرئيس البنمي “نوريغا” من بلده وحاكمته في بلادها من أجل ترويج المخدرات، كما عمدت إسرائيل إلى اختطاف “أدولف ايتشمان”، الذي كان مجرم حرب نازي ساهم في إحراق عدد كبير من اليهود خلال حكم هتلر، وقام بعملية الاختطاف جهاز الموساد، لأن الدولة التي كان يقيم بها، وهي الأرجنتين، رفضت تسليمه، وهكذا هربته إسرائيل إلى بلدها وحاكمته بها وقضى عليه بالإعدام، ونفذ فيه الحكم.
   ونظام تسليم المجرمين من أهم وسائل التعاون الدولي في ميدان محاربة الجريمة، حيث تبرز مكانته في كونه يحرم المجرمين من العثور على مأوى لهم يعفيهم من الإفلات من العقاب.
   وقد شهد هذا النظام تطورا مستمرا متأثرا في ذلك بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية في الدول، فبروزه مرتبط ارتباطا وثيقا ببروز مفهومي الحدود والسيادة، حيث تغير في مفهومه وإبعاده تماشيا مع تطور الحياة الاجتماعية، وهو أمر ليس بالغريب، باعتباره آلية قانونية يحكمها هدف زجر الجريمة ومنع إفلات المجرم من العقاب، وبذلك كان تطوره ضروريا حسب المعطيات الراهنة.
   هذا التطور الذي طال نظام تسليم المجرمين منذ ظهور بوادره الأولى، انعكس على تعريفه، فمصطلح تسليم المجرمين يعتبر الترجمة العربية لكلمة extradition الفرنسية، التي استعملت لأول مرة في مرسوم 19 فبراير 1791 في فرنسا، ولكلمة extradition الإنجليزية، التي اشتقت من الفرنسية واستعملت لأول مرة في بريطانيا في قانون التسليم سنة 1870.

   وبهذا المؤلف المتميز يقدم الدكتور محمد عبد النباوي لمحة أخرى عن طاقاته الهائلة في مجال التأليف والفكر، بعد أن عزز خزانات الأدب بأجمل الأشعار في ديوانه الشعري المتميز “وطني الأخضر”، الذي احتوى على عشرين قصيدة في مواضيع مختلفة، ومنها قصيدة “الوطن في انتظارك” و”الرجاء” و”حين كنت صغيرا” و”أنا المغربية” و”قريتي”، كما قدم لمجال الثقافة رصيدا جيدا من الكتابات القيمة التي سيذكره بها الجيل القادم والأجيال التي ستليه بمداد التقدير والاحترام.

   لهذا ننصح كل الباحثين في مجال علوم القضاء وطلبة الشُّعب القانونية والقضائية بأن ينهلوا المعلومات المفيدة من هذا المؤلف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!