حوار | القاضي الهيني يصرح: نتشبث بالضمانة الملكية في مواجهة حزب العدالة والتنمية

حاوره: سعيد الريحاني

   تأكد أخيرا أن متابعة القاضي محمد الهيني الذي يشغل منصب نائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، والذي ينتظر أن يمثل يوم الإثنين 18 يناير الجاري أمام المجلس الأعلى للقضاء(..)، كانت بسبب مقال نشر على صفحات جريدة الأحداث المغربية، تحت عنوان: “ألا في الفتنة سقطوا” صدر بتاريخ 9 يوليوز 2015، وقد كتب أصحاب الجريدة المذكورة ما يلي: “أصل القضية شكاية، كُتب لها أن تظهر بعد طول مطالبة وإلحاح في الحصول على نسخة منه من طرف المشتكى به، ولما ظهرت في وثائق الملف، تبدى أن الواقفين خلفها رؤساء فرق منتمون إلى الأغلبية الحكومية، وعلى رأسهم ـ بطبيعة الحال ـ رئيس فريق العدالة والتنمية، ورئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، ورئيس الفريق الحركي، ورئيس فريق التقدم والاشتراكية. هؤلاء النواب البرلمانيون الذي وقعوا الرسالة الموجهة إلى وزير العدل لإخباره بما سمته الشكاية، تصريحات مستفزة للقاضي محمد الهيني اتجاه المؤسسة التشريعية”.

   وقد شرعت الأبواب منذ مدة في عدد من وسائل الإعلام للحديث عن الخلاف الكبير بين القاضي ووزير العدل مصطفى الرميد، فيما يلي يؤكد القاضي الهيني في حواره مع “الأسبوع” أنه يخضع “لمحاكمة سياسية” سببها معركته من أجل استقلال السلطة القضائية، ورغم أنه ينتمي لتيار المطالبين “الملاءمة مع المواثيق الدولية”، إلا أنه يقول: “نتشبث بالضمانة الملكية في مواجهة العدالة والتنمية، ونفتخر بكون أحكامنا تصدر باسم الملك، ورئيسنا هو الملك وليس وزير العدل” ، وقد مكنته خبرته الدولية من المشاركة في صياغة الدستور الليبي، كما أنه منح أخيرا صفة خبير دولي من لدن المعهد الدولي لـ “لاهاي” المتخصص في حقوق الإنسان..

   أكثر الفترات إحراجا في الحوار مع الهيني، الذي تستضيفه “الأسبوع” هي عندما يتحدث عن العلاقة مع المؤسسة الملكية، “هناك من يقول أنتم لا تريدون استقلال القضاء على وزير العدل الرميد فقط، بل تريدون استقلال القضاء عن الملك الذي تصدر الأحكام باسمه”، هكذا تساءلت “الأسبوع”، فقال الهيني: “أبدا، هذا كلام غير مسؤول وأتمنى ألا يطرح”، تضيف “الأسبوع”: “ألا يمكن القول إن دفعكم في اتجاه الاحتكام للقوانين الدولية، دفع في اتجاه سيجعل القضاء غير تابع للملك أصلا”، فيقول الهيني: “أتمنى ألا تطرح هذا السؤال”، ثم يضيف: “نحن في صراعنا مع الرميد نتشبث بالضمانة الملكية ونقول بأن قوله لا يتوافق مع التوجه الملكي.. هم يقولون أنتم تريدون دولة القضاة (يقصد أعضاء العدالة والتنمية).. نحن نريد الحد الأدنى الذي جاء به الدستور، والمقصود باستقلالية السلطة القضائية، أن يكون هناك فصل مطلق بين السياسي والقضائي، لا مكان لوزارة العدل في السلطة القضائية، أنا من المطالبين بإلغاء وزارة العدل، وأن يتولى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، شؤون المحاكم والقضاة، هل تريدون أن نكون نحن كسلطة قضائية أهون من هيئات التحكيم (أعطى المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري كمثال)، نحن متشبثون بالضمانة الملكية وبرئاسة الملك للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ونعتبرها الضمانة الوحيدة لاستقلالية القضاء”. يقول الهيني.

   هل تعتقد أن ما يقوم به الرميد في إطار تصور الإصلاح يسيء لمشروع الإصلاح من منظور ملكي؟ يجيب الهيني: “مشروع الرميد يسيء لمشروع الإصلاح الملكي، أقولها، بالحرف لا علاقة مطلقا بين المشروع الملكي الإصلاحي المتنور، مع ما ينادي به وزير العدل، نحن نريد الإصلاح الملكي، نريد رئيسا واحدا هو الملك وليس وزير العدل، لا توجد في العالم سلطة داخل سلطة..”.

   يعتبر الهيني أن وزارة العدل أكبر مصيبة قضائية، فهي بالنسبة له سلطة إدارية لا يجب أن تتدخل في السلطة القضائية، وعندما قالت له “الأسبوع” أنتم لستم صوتا واحدا كقضاة: “الودادية والنادي والمرأة القاضية، قالوا إن مشاريع السلطة القضائية هي مشاريع الردة والانتكاسة”، وعندما وجه إليه سؤال حول “قضاة الرابطة” الذين يترأسهم القاضي الرياحي قال: “هوما عاطينا التيقار أنا نعطيهم التيقار”.

كيف يمكن الانفتاح على ما هو دولي والتشبث بالضمانة الملكية في الآن نفسه، سؤال يطرح نفسه لكن ضيف “الأسبوع” يقول: “حتى في فرنسا يقولون في الدستور أن الرئيس هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية، نحن نفتخر بأن أحكامنا تصدر باسم صاحب الجلالة، نحن نتشبث بالضمانة الملكية في مواجهة وزارة العدل”.

   عن أصل القضية ومآلها يقول المصدر نفسه: “يوم الخميس 6 يناير 2016 توصلت باستدعاء من طرف السيد وزير العدل مصطفى الرميد يخبرني بالمثول أمام المجلس الأعلى للقضاء لمحاكمتي تأديبيا يوم الإثنين 18 يناير 2016، وكنت قد خضعت قبلها لمرحلة تفتيشية بالمفتشية العامة للوزارة العدل، التي أجرت بحثا بناية على شكاية تلقتها من رؤساء 4 فرق نيابية بمجلس النواب، يقولون فيها أن الأستاذ الهيني أبدى رأيا سياسيا فيما يتعلق بموقفه من النيابة العامة، وأن هذا الأمر خرق لواجب التحفظ، وقد استمع لي المفتش العام فطلبت منه منذ أول مرة نسخة من الشكاية لكنه رفض تسليمي نسخة منها، وانتهى البحث دون أن يعطيني الحق لكي يحضر معي المحامي، ولم يعطيني الحق في الحصول على نسخة من الشكاية، وقال لي فقط أنت مطالب بالإجابة على الأسئلة، فقلت له هذا خرق لحقوق المحاكمة العادلة”.

   يضيف، فوجئت بقرار لمتابعتي بتعيين المقرر الوكيل العام حسن مطار، في مرحلة التحقيق، ومنذ أول جلسة رفض هو الآخر تمكيني من نسخة من الشكاية، كما رفض تسجيل حضور الدفاع ورفض استدعاء المشتكين المحتملين، ورفض المواجهة معهم.. الإشكال المطروح، لماذا تم رفض حقي في الحصول على نسخة من الشكاية (إلى غاية يوم الأحد الماضي)، والسبب هو أنهم كانوا يتخوفون من نشرها في وسائل الإعلام كما أن الأمر يفتح المجال أمام إمكانية تعديلها في أي وقت، وأنا أشك في إمكانية التصرف في الشكاية، وهذا ما عبر عنه الدفاع، يقول الهيني، الذي يحظى بمؤازرة كبيرة من بعض المحامين والقضاة، كما يطعن في القاضي المقرر ويقول: “المقرر حسن مطار الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء جرحت فيه، وقلت له أنني سبق لي كقاض ورئيس هيئة ومقرر أن حكمت عليه في المحكمة الابتدائية في الرباط في دعوى لها علاقة بالمسؤولية الإدارية تتعلق بخطإ قضائي ارتكبه كوكيل عام لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وهذا الخطأ القضائي يتمثل في عدم إحضاره لأحد المتهمين في عدة جلسات في مخالفة لمبادئ المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، والمحكمة حكمت بتعويض قدره 10 ملايين سنتيم، لهذا قلت له يجب أن تتنحى عن القضية، وأشرت للعديد من المخالفات، منها تزوير شهادة التوصل الذي تم بصفة لاحقة على موعد الجلسة، هل هناك توصل بأثر رجعي..” (نفس المصدر).

   يعتبر الهيني أن متابعته عبارة عن مسرحية، ويوضح: “تصور أن الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية تشتكي بقاض وتتحالف مع أحزاب الأغلبية، وتقدم الشكاية عن وزيرهم في العدل، وهو في نفس الوقت من سيتولى الإشراف عن البحث والمتابعة والتحقيق والمحاكمة.. بينما هو يعتبرني شخصيا عدوا له”.

   ما هو الخطأ الذي ارتكبه قاضي القنيطرة، سؤال يطرح نفسه لكن هذا الأخير يجيب: “أنا فقط أناقش بمهنية، ونقد مشاريع القوانين ليس مقدسا إلا إذا كان وزير العدل قد أدخل نفسه ضمن المقدس، وأنا كنت أعبر عن رأيي طبقا لدستور 2011 الذي بات يعترف للقضاة بالحق في حرية التعبير وحرية التنظيم، تصوروا معي أن التعبير عن موقف داعم لاستقلالية النيابة العامة أصبح رأيا سياسيا، بينما هو رأي قانوني، وتعرفون أن المعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية أعطت للقضاة الحق في حرية التعبير، والتنظيم، والمشاركة في النقاشات المجتمعية.. أنا فاعل جمعوي حقوقي وخبير دولي، وقد تم تعييني مؤخرا مديرا لفرع لاهاي الدولي، مسؤولا عن فرع شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وسبق أن شاركت في إعداد الدستور الليبي، حيث تم استدعائي من لدن اللجنة الدولية للحقوقيين كخبير لصياغة دستور ليبي..”.

   لا يعرف كثير من المتتبعين تفاصيل مشاركة قاض مغربي في صياغة دستور ليبيا الجديدة، لكن المعني بالأمر يقول: “محمد السادس هو الذي أشرف على الحوار الليبي، وكان الهدف من تلك المحطات وضع دستور ليبي متوافق عليه، والهيئة التأسيسية تعاونت في وضع دستور، وتعاونت مع اللجنة الدولية لحقوق الإنسان لصياغته، وكنت عبد ربه الخبير الوحيد المغربي، وحضرت من منطلق أن الملك محمد السادس موافق على الحوار، ولدي مجموعة من الكتابات على مستوى القضاء الدستوري، والخبراء عندما كنت أستشهد بالدستور المغربي كانوا يتعجبون ويعتبرون الدستور المغربي متقدم”.

   إلى هنا يطرح سؤال ما هو الخلل بالضبط الذي يوجد في مشاريع السلطة القضائية والذي لا يوافق عليه الهيني؟ “أهم الاختلالات التي شابت مشاريع السلطة القضائية، هو أن وزير العدل هو الذي يشرف على الإدارة القضائية والمالية للمحاكم، تصوروا معي سلطة تدخل في سلطة، التنفيذي يتحكم في الإدارة المالية، تصور أن الرئيس الأول لمحكمة النقض لا يملك حق شراء قلم للمحاكم، وليست له سلطة الإشراف الإداري والمالي على المحاكم، فأي سلطة هاته؟ والإدارة القضائية هي العملية الخطيرة في السلطة القضائية، يمكن من خلالها لوزير العدل التحكم في المسؤولين القضائيين، ومن خلال وزير العدل يمكنه التحكم في القضاة، مما يفتح أبواب التأثير والتحكم، وهذا من شأنه الإخلال باستقلالية القضاء”، هكذا يتحدث قاضي القنيطرة، قبل أن يضيف: “الرميد أربع سنوات ونصف وهو يراوح مكانه، وجميع الهيئات المهنية للقضاة قالت بالحرف بأن هذه المشاريع المتعلقة بالسلطة القضائية التي لا وجود لها في هذه المشاريع، حيث أن هناك قضاء ملحق وفي ملكية وزير العدل، باعتباره ملحقة إدارية تابعة له”.

   “أعتبر نفسي كخبير حقوقي ودستوري ومن موقع الضمائر والنخبة مساهما في إبراز سلبيات تلك المشاريع من أجل المصلحة الوطنية، نحن لا نطالب بشيء جديد ولكننا نطالب بأن تعكس مشاريع القوانين التي تقدم بها الرميد التأويل الديمقرطي لروح الدستور، كما أكد عليه صاحب الجلالة”، انتهى كلام الهيني.

تعليق واحد

  1. ما المقلق لدى الحكومة و الأحزاب ،القاظي عبر عن رأيه نية استقلال القطاء محاكمته او اعتقاله يعتبر في حد ذاته اهانة للقظاء المغاربة اجمعين لا يعترفون برأسة الحكومة نحن نعلن اعترافنا ب ملكنا محمد السادس ملكنا و مالك البلاد نطلب منه ان يعيد النظر في هده المحاكمة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!