في الأكشاك هذا الأسبوع

كواليس عدم قطع العلاقات المغربية ـ الإيرانية

إعداد. عبد الحميد العوني

   بعد تفجيرات باريس، عطلت الرباط إطلاق حزب للسلفيين يقودهم حسن الخطاب، وأجلت لأسبوعين أو أكثر تدشين الحركة السلفية للإصلاح السياسي عقب اندلاع الصراع الإيراني ـ السعودي، وتتبع هذه الحركة حزب عرشان، ابن الشرطة المعروف ووريث خط البصري، في السياسة الداخلية، وبرر الوهابيون التأجيل لوجود زعيم الحزب في الخارج، لكن السؤال الذي تطرحه الكواليس، كيف يمكن تقنين الوهابية السياسية في مملكة شريفة ومعتدلة، وقد تحولت  الوهابية في هذه المرحلة إلى ما يطلق عليه “بيبي ايسكوبار” (الوهابية المقدسة) لإدارتها الأماكن المقدسة(1).

   وجاء إعدام الرياض لرجل الدين الشيعي نمر باقر النمر لقتل الرجل القوي للسعودية في سوريا زهران علوش قبل مؤتمر الرياض للمعارضة السورية، وقتل تنظيمه، في عمليات خاصة، جنرالات الحرس الثوري كما قتل الطيار الروسي بعد إسقاط السوخوي 24، وأعلنت الرياض أن اغتياله خط أحمر ودافعت بشراسة عن تمثيل حركة أحرار الشام ضمن أي وفد مع النظام بموجب مؤتمرات فيينا 1 و2 ونيويورك… واستثمارا منها لهذا التجاوز اغتالت إسرائيل سمير القنطار الذي أطلق المقاومة الإسلامية في الجولان ورد أبوبكر البغدادي على الفراغ بإطلاق تهديداته لأول مرة نحو إسرائيل وتحرير القدس لإعادة الأمور إلى ما قبل علوش، أي عدم الاستهداف العملياتي لقادة التنظيمات المسلحة في عمليات خاصة.

   وفي تحول شديد الأهمية، يعيش الوهابيون في العالم الإسلامي، “حالة طوارئ” تشمل ضرب كل نظام يتآمر على الرياض، وأسسوا من الخرطوم غرفة عمليات تتجه إلى جنوب المغرب، واستثمرت نواكشوط التهديدات الجديدة فرفع جنودها العلم الموريتاني بمدينة لكويرة.

   وبين سماح الرباط للجيش الموريتاني بالدعم لتأمين شمال موريتانيا بعد توافقات شارك فيها المغرب بمظليين في الاستعراض العسكري لنواذيبو، ورغبة كل طرف في إخراج الطرف الآخر من لكويرة، كشفت التطورات عن زيادة التهديدات فيما قدرته جريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية بتسعة ملايين كيلومتر من شمال موريتانيا إلى ليبيا، ويأتي  القوس الآخر من التهديدات انطلاقا من الخرطوم إلى نواكشوط في إطار الوهابية المسلحة، وتشمل السودان وجيبوتي انتهاء بموريتانيا التي تود فصل “النظرة السعودية” إليها عن النظرة إليها من خلال المغرب، وهو تحول جيوسياسي هام، يمثل فيه الوهابيون “العمليون” والسلفيون وبعض الجهاديين كتلة واحدة تتجاوز حدود الدول، لأن نموذجهم في الرياض ويسبق ولاءهم لبلادهم.

النزاع حول لكويرة بين المغرب وموريتانيا لن يثير السعوديين، ونفس الموقف الذي اتخذه المغرب في صراع الرياض وطهران تتخذه الرياض في الإشكال الحدودي حول لكويرة، والذي يدفع إلى إثارة العودة إلى اتفاقية مدريد وإعطائها الشرعية الدولية التي تطرح السؤال حول الأراضي التي دخلها المغرب في 1979 قبل لقاء مجلس الأمن في أبريل القادم، وهو الاجتماع الذي يعيد النظر في الإطار التفاوضي الذي انطلق عام 2007

   خرج الموريتانيون على توافقات ما قبل استعراض نواديبو ورفعوا علمهم في لكويرة، بعد التأكد من حياد السعودية في الملف المثار أخيرا بين نواكشوط والرباط عقب التصعيد الإقليمي بين الرياض وطهران، وموقف المغرب منه، والذي اعتبره البعض على الأقل غير مماثل لما قامت به المملكة اتجاه المنامة، وكما هو معروف سبب التضامن مع البحرين في قطع العلاقات مع إيران لست سنوات.

   واستفادت نواكشوط من العمل الممتد بين السودان وجيبوتي، وتشاد وموريتانيا بقيادة الرياض، في قوس عملي جديد للوهابية السياسية يناهض مصالح إيران ويضم إليها مصالح المغرب، حيث تقدمت لأول مرة عواصم أفريقية على الرباط في العلاقات السعودية ـ الإفريقية.

   ويرى الموريتانيون أن الفرصة “ذهبية” في 2016 لإثارة العودة إلى اتفاقية مدريد التي اعتمدتها محكمة العدل الأوروبية والدائرة القانونية للخارجية الإسبانية أخيرا لطرح السؤال حول الأراضي التي دخلها المغرب في 1979 قبل لقاء مجلس الأمن في أبريل القادم والذي يعيد النظر في الإطار الذي أطلقه للتفاوض عام 2007، وقد يشمل قانونيا كل التعهدات السابقة وخصوصا الجزء الذي عاد إلى إدارة موريتانيا في اتفاقية مدريد.

   وتعمل نواكشوط من تحت إدارة السياسة السعودية الجديدة من القرن الإفريقي المرتبط بمصير اليمن، الحديقة الخلفية للسعودية، وإلى شمال موريتانيا، وتتقاطع هذه الاستراتيجية الخليجية مع الفرنسية في مالي وليبيا.

   وتسعى موريتانيا إلى الانغماس في السياسة السعودية الجديدة، بعد إقصائها من الإستراتيجية الاقتصادية المغربية لغرب إفريقيا وانعكاسات النموذج التنموي الجديد في الصحراء، والذي يمكن أن يؤثر على الموقع الاقتصادي لنواذيبو، وهو ما دفع ولد عبد العزيز إلى إخراج بلده من دوائر تموقعها التقليدية والانخراط في “الهوية الساحلية” لموريتانيا إلى جانب خمس دول ارتبطت كليا مع سياسات الرياض في القارة السمراء، خصوصا بعد قطع علاقاتها مع طهران.

واستضافت ثلاث دول فورا، ومنها موريتانيا والسودان قوات متحركة للسعودية عوضت ثلاث قواعد للحرس الثوري الإيراني

 المغرب يخسر موريتانيا في الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

    أعلنت مجلة “نيشن” بداية حرب باردة في الشرق الأوسط تمتد إلى شمال إفريقيا في صورة جيوسياسة جديدة، وأن خسارة إضافية محتملة في العلاقات الموريتانيةـ المغربية، لأن تحسنها جاء على ضوء مشاركة المغرب في حرب اليمن، واقتراح موريتانيا إرسال قوات للمشاركة على الأرض في نفس الحرب إلى جانب السعوديين، واختلف الوضع بعد قطع العلاقات السعودية ـ الإيرانية وموقف الرباط المتوازن من هذه التطورات.

   وتحولت الرياض حسب الغربيين إلى الوهابية “المقدسة” منذ حربها على أقرب مذهب شيعي للسنة ولا تختلف الزيدية عن أهل السنة، في شيء، أصولا وفقها.

  وبزيادة حرب اليمن للاستقطاب، لطحنها المعتدلين السياسيين والمذهبيين بين السنة والشيعة، رأينا أن نتائج الحرب الجوية السعودية في اليمن محدودة، ولن تثبت جدارتها في حرب قادمة على إيران، لعدم وجود حدود ترابية بين الدولتين  (السعودية وإيران).

وجربت الرباط “الأوروفايتر” و”البوينغ أ. ش 64 دي” و”أباتشي” و”الإف 15 إيغل” التي يمكن أن تنفذ عمليات داخل إيران دون رصدها عبر الرادارات وهذه الأسلحة “هجومية” وساحقة(3) ومع ذلك لن تحسم الحرب، وفعلا أبعد وزير الدفاع السعودي هذا الاحتمال.

وتكون الحرب المندلعة جيوسياسية تعتبر الطائفية وسيلتها الرئيسية بإجماع الدوائر الغربية.

وهي نظرة الرباط أيضا إلى الوضع، ودعت المملكة منذ البداية إلى عودة الجميع إلى الحكمة والتعقل، تقول “جيروزاليم بوست” إن لغة إسرائيل والسعودية واحدة في الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا(4).

يقول يعقوب أميدرور، الرئيس السابق للمجلس الأمني الإسرائيلي، وعمل في المخابرات العسكرية “إن ما حدث ما بين السعودية وإيران امتداد للحرب الأهلية السورية”، ولهذه الحرب وجه طائفي، وأن ما تعنيه سوريا لدى القيادة السعودية يشمل إسرائيل التي يقول حليفها التركي إن العلاقات مع تل أبيب ضرورية في ظل أزمة أنقرة وموسكو، وبتهديد داعش لإسرائيل، يزيد التعاون السعودي ـ الإسرائيلي عبر تركيا.

وفي هذه الحالة تكون الرباط منسجمة مع عودة الشرعية إلى اليمن، ومع خيارات الشعب السوري دون إقرارها بالتدخل العسكري لإسقاط نظام بشار الأسد، وأن العمل ضد داعش يسير ضمن التحالف “الموجود” بقيادة أمريكا ويمكن تطويره.

وفي تقييمه للعرشين الأردني والمغربي، أشار أميدرور إلى ضرر أردني من توجيه البوصلة إلى إيران لأن البلد يضم فلسطينيين كثيرين، فيما تتفهم الملكيات الأخرى تأجيل الملف الفلسطيني، ويبدو أن موقف الرباط “لم يكن متنظرا”.

+++ خوف العرش المغربي على مستقبل العرش السعودي “واقعي وغير إيديولوجي”

يبدو أن موقف الرباط “العقلاني” من التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط ورفض تحويل الصراع الجيوسياسي الإيراني ـ السعودي إلى صراع طائفي له ما يبرره، لأن الرياض ناصبت العداء للإسلام الإخواني، ولم تتمكن في حرب اليمن من جلب الإخوان المسلمين إلى معركتها بعد ما حدث في مصر، ويتواصل تعاونها مع أردوغان بشكل “جيوسياسي” وغير طائفي بالمطلق، لكن نظام عمر البشير المناهض للإخواني حسن الترابي والسيسي الرافض لإسقاط بشار الأسد بالقوة يشكلان عزلا جوهريا للموقف السعودي، خصوصا بعد مواقف “أم درمان” (السودان)، فإن أضفنا إليها إمارة المؤمنين في المغرب أو القرويين “كما يحب الوهابيون نعت موقف الرباط”، وأيضا القيروان في تونس، يكون الجميع مع عدم  انزلاق المنطقة إلى البؤرة الطائفية، علما أن المسألة جيوسياسية واقتصادية.

من جهة، لا تريد الرياض استمرار خسارتها بفعل نزول ثمن برميل النفط، لأن تأثيره سيكون مدمرا على السعوديين بعد 18 شهرا وعلى الروس بعد يونيو 2016 حسب التقييمات الأمريكية.

وتفضل واشنطن قراءة الوضع الشرق أوسطي على مؤشر النفط وليس مستقبل آل سعود أو مستقبل الوهابيين الذين تحولوا إلى “ديناميت إقليمي”.

وحدد السعوديون ثمن بيع النفط لهذه السنة في 29 دولارا(5)، ويعتبر خيار 1985 أي الوصول إلى 7 دولارات للبرميل “كارثة وطنية”.

وليس لدى الرباط رغبة في ارتفاع النفط من جهة، ويريد المغاربة من جهة أخرى، الاستثمار الاقتصادي في إيران، في ظل انفتاحهم على آسيا، والهند والصين تحديدا، وأشارت “آراب نيوز” السعودية(6)، إلى رفض هذا التطبيع وتحت أي ظرف، رغم عدم وفاء الرياض بتعهداتها المالية في إطار المساعدات الخليجية الموجهة إلى المغرب.

ويستطيع المغرب أن يتنازل عن تطبيعه الاقتصادي مع إيران الذي لم تتنازل عليه الإمارات، ولا يستطيع أن ينزلق بأي حال في أتون حرب طائفية، لأن العرش المغربي علوي وينتمي لأرومة آل البيت، ومن الخطورة تمدد المشكل إلى أصول وانقسام العروش.

+++ من الخطورة انقسام الملكيات العربية بين ملكيات عشائرية وملكيات شريفة

لم ترغب الرباط في أي انزلاق إلى الانقسام أو الطائفية العمياء لضررها الشديد على مستقبل الملكيات العربية، وأي انقسام بين الملكيات الخليجية والملكيات غير الخليجية، أو الملكيات العشائرية والملكيات الشريفة (المتصلة بالبيت النبوي في الأردن والمغرب) تطور خطير نبه إليه الملك الأردني منذ تقدم إيران فيما دعاه الهلال الشيعي، والملك المغربي أخيرا عبر خارجية بلاده.

وجاء الموقف المغربي لظروف أخرى، أهمها هضم تركيا لموقع المغرب في مجلس التعاون الخليجي بعد إعلان الرياض وأنقرة عن مجلس استراتيجي، وأرادت أنقرة العمل مع الرياض لمواجهة روسيا، وتريد الرياض الأتراك لمواجهة إيران، ولا يخفي هذا الوضع تحالفا  سنيا جمع الطرفين في العهد العثماني ضد إيران، وصمدت إيران “الصفوية” دون أن يحسم المعركة أي حلف، وتمسك العرش العلوي في هذه التحالفات بالحياد الشديد لمنع بلده من السقوط تحت الحكم العثماني الذي وصل إلى الجزائر.

وحرص المغرب على استقلاله في القرار من خلال ذكاء “الجغرافيا والتاريخ” وهو ما خط به بيان الخارجية المغربية كلماته.

+++ المغرب لا يريد إضافة صراعه مع الجزائر إلى أجندة الاستقطاب الحاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أو إعلان الصراع مع الجزائريين صراع وجود، رغم اعتباره الصحراء “مسألة وجود” وليس مسألة حدود كما جاء في خطاب الملك في نونبر الماضي، وتراجعت الرباط بخطوة إلى الوراء في دبلوماسيتها الهجومية التي واكبت في البداية دبلوماسية “سلمان” في اليمن وضد داعش، خشية حرب إقليمية مباشرة جزائرية ـ مغربية، أكدت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والروسية اعتبارها “مسألة وقت” فقط، في مرحلة إعادة رسم الخرائط والتحالفات الجديدة في المنطقة، وقرر على إثرها روحاني زيارة المغرب قبل نهاية هذه السنة

أطلقت الرباط ما دعته “الدبلوماسية الهجومية” في موضوع الصحراء، مواكبة منها لحلفائها الخليجيين في موضوع اليمن التي شارك فيها الجيش المغربي ضد الحوثيين الشيعة، وفي موضوع الدفاع عن الإمارات في مواجهة إيران المحتلة لثلاث جزر متنازع عليها بين طهران وأبو ظبي، والمشاركة أخيرا في التحالف الإسلامي ضد الإرهاب الذي أطلقته الرياض قبل أن تتراجع المملكة في آخر جولات الصراع السعودي ـ الإيراني، والذي انتهى بقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين الرياض وطهران.

يقول الصحافي المقرب من دوائر القرار السعودي “خاشقجي” في مقاله بالإنجليزية نشره موقع “العربية نت”: إن السياسة السعودية تجمع الدبلوماسية والحرب لوقف التأثير الإيراني وإخراجه من سوريا واليمن، وأن ما يجري يساير ما كتبه اليهودي هنري كسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق والقريب جدا من إسرائيل في كتابه الأخير “النظام الدولي”: إن صراع السعودية مع إيران وجودي ويضمن استمرار المملكة، وشرعية الدولة ومستقبل الإسلام ـ السني ـ(7).

وبكلمة مباشرة، نقل المغرب، في هذه الأجواء، مسألة الصحراء إلى مسألة وجود على نفس الخطوات الخليجية، لكنه لم يرغب في نقل صراعه مع الجزائر إلى هذه الدرجة في خارطة التوازنات الجديدة.

وتؤكد الرباط، في موقفها الأخير، عدم رغبتها في إدارة الصراع الجزائري ـ المغربي على منوال الصراع الوجودي بين إيران والسعودية  تحولا كبيرا في المنطقة، بدأ من لكويرة مع موريتانيا وسيتواصل لدرجة يمكن معها الرباط أن تعود إلى مسلسل المفاوضات التي رفضتها أخيرا مع البوليساريو كي لا يفرض مجلس الأمن إطارا بديلا عن 2007 الذي أطلقت بموجبه الأمم المتحدة مسلسل “مانهاست”، كما يدفن بشكل نهائي ملف “القبايل”.

ودعم الحل الأممي في اليمن، بعد فشل خيار الحرب، إشارة إقليمية إلى فشل حرب السعودية على إيران، وعدم حسم إيران وروسيا الحرب في سوريا، دليل على فشل مماثل لطهران، وتغطي نفس النتيجة الحرب الجزائرية ـ المغربية بشكل مباشر و غير مباشر.

وتكشف هذه الخلاصة الميدانية على فشل الحرب المتوقعة بين الجزائر والمغرب بطريقة مباشرة أو محدودة  بواسطة البوليساريو، خصوصا وأن الضغط على عامل الديمغرافيا حاسم، فالتهجير الشيعي والقتل بالقصف الجوي في اليمن لا يختلف عن التهجير السني ونفس القتل في سوريا، واللعب على الديمغرافيا الصحراوية خطير، فيما يأتي العامل الإيديولوجي (الأفكار المتطرفة) في المرتبة الثانية، ولذلك لن يكون محتملا إطلاق حرب جزائرية مغربية، لأن عامل الديمغرافيا متساو، وبعد استنزاف الخليج من إيران سيكون من الصعب على المغرب إدارة حرب ضد محور تتقدمه الجزائر وأن خوض حرب الأقليات لم يبدأ الساعة، وهو ما أكده آخر مقال للصحافي محمد برادة عندما أورد أن المغرب ألقى شحنة من الأسلحة في منطقة القبايل في غيبوبة هواري بومديان، وفشلت العملية لأن الجنرال الدليمي وثق في شخص يدعى محمد بن يحيى مرتبط بالمخابرات العسكرية الجزائرية.

وفي الوثائق الفرنسية فإن باريس غيرت توقيت إسقاط الشحنة وقتها بتسع ساعات لتكون في يد الفرقة الثانية كاملة، ولم يؤثر وضع بومديان الفاقد للوعي في احتواء الموقف، ولم تعرقل الجزائر تقدم القوات المغربية بمنطقة وادي الذهب المحسوبة في اتفاقية مدريد على موريتانيا، ولا يختلف الموقف الأخير للرباط حول القبايل في الأمم المتحدة عن الموقف السابق وهو المتزامن بدوره مع مرض بوتفليقة، والهدوء الجزائري كما يسميه الفرنسيين دفع إلى الاستغناء كليا عن خدمات الدليمي، ووافق الحسن الثاني على الأمر، وحاليا يكاد الموقف المغربي بشأن التصعيد السعودي الإيراني يتطابق مع الإمارات التي لها أراض محتلة من إيران، وفرنسا  تدرب في الصحاري الإماراتية جنودا عراقيين ضد داعش (الفرقة 13).

ويبدو جليا أن نهاية خط فهد في السياسة السعودية بدأ مع الملك عبد الله تحت ما  سماه قطع رأس الأفعى (في إشارة إلى إيران حسب وثائق ويكيليكس) ولائحته السوداء قبل وفاته وواصل الملك سلمان قطع الذنب، ولا يمكن قطع الذنب الجزائري في المنطقة (أو الصحراء) دون قطع الرأس، وهذا الخيار مستبعد بعد موقف المملكة المغربية من التحالفات الجديدة التي قامت بعد القطيعة الإيرانية ـ السعودية التي لها آثار إقليمية واسعة، فهل يمكن إبعاد مشكل الصحراء عنها؟

يقول تقرير رويترز “في المرة السابقة التي قطعت السعودية علاقاتها مع إيران بعد أن اقتحم محتجون سفارتها في طهران عام 1988، تطلب رأب الصدع تحولا في ميزان القوى، وجاء في صورة اجتياح الكويت عام 1990” اليوم ترى الرياض أن هذه اللحظة قائمة على اجتياح قواتها لصنعاء لوجود استحالة في الوصول إلى دمشق لأنها تحت الوصاية الروسية.

ونعرف أن وقف إطلاق النار في حرب الصحراء جاء نتيجة لخارطة شرق أوسطية “مساعدة” فيما حرب 1963 جاءت من نفس الحسابات، وتراجع عنها الملك الحسن الثاني بعد وقوعها تحت “وصاية المحاور”.

+++ أدار المغرب حرب الصحراء تحت غطاء المحاور ويرفض حربا مع الجزائر تحت نفس الغطاء، وهذا القانون حكم موقف الرباط في عدم تحول الصراع الإيراني ـ السعودي إلى “محاور” في المنطقة

يتمحور القانون الأخير في اللعبة الجيوسياسية بين المغرب والجزائر في إمكانية إدارة حرب محدودة في الصحراء تحت غطاء “المحاور”، فيما رفض الحسن الثاني تحرير تندوف من الجزائريين في 1963 لاستجلابها حرب وجود مع الجارة الشرقية، لن تغير نظام الجزائر، لبقاءه جمهوريا وقد يؤثر، مهما ضعف، على مستقبل النظام الملكي في الرباط، فالتحولات الجارية مهما تطرفت في الجزائر قد تنتهي إلى تفكيك الدولة، وهو شبح يخيف دول الجوار أيضا، ولكنه لن يغير من طبيعة النظام الجزائري تحديدا.

ولم يرغب بومديان في تغيير الملكية في المغرب لحفاظ بلده على ما دعاه  “قيمتها الجمهورية والثورية”، ولم يرغب أيضا في دخول البلدين “في حرب وجود مطلقا”، وهو ما أكد عليه الموقف الجزائري بعد مطالبة الرباط بتقرير مصير ” القبايل” والموقف المغربي من التطورات الأخيرة في الخليج العربي وانعكاساته المؤكدة على منطقة المغرب العربي.

ورفض البلدان  تأثير المحاور “على أمن الجزائر والمغرب” وهي حالة استراتيجية معتبرة في لحظة حرجة لا تريد فيها الرباط حربا، كما لا تريدها الجزائر، وإن بخصوص إقليم الصحراء، لأن بوتفليقة وعد بعدم سقوط أي نقطة دم جزائرية لصالح شعب آخر أوأرض أخرى، وذكر الصحراء بالاسم.

ولا تخفى علاقات بوتفليقة والإماراتيين على نفس القدر الذي تتعاطى به أبو ظبي مع الرباط في موضوع السلاح وفي غيره من المواقع المباشرة والحساسة مع الرئيس الجزائري بوتفليقة والملك محمد السادس، وكما أشار معهد بون للإنفاق العسكري، فالمغرب والجزائر متسلسلان في ترتيب الدول الأكثر إنفاقا في قارتهما، والرغبة في تصنيعهما للسلاح يتجاوز التوقعات الغربية.

وتريد كل من الجزائر والمغرب مواصلة تطوير استراتيجيتها الخاصة بعيدا عن التأثير الخارجي، والمحاور الإقليمية التي يمكن أن تزيد من تسريع برنامجيهما كما يمكن أن تضعفه أيضا.

ولا يختلف الموقف الباكستاني “المصنع لسلاح محلي وتكنولوجيا خاصة” عن الموقف المغربي من التطورات في الخليج التي يدرك معها الجميع أن الطائفية قناع “دعائي” لحرب جيوسياسية ضروس، فالحرب في اليمن لا تعني الحرب على إيران، وسيناريو الحرب الإيرانية ـ السعودية كان مؤكدا ودعمه مندوب السعودية في الأمم المتحدة، الأمير تركي الفيصل وكشف مقال جريدة الحياة (7 يونيو 2015) عن هذا السيناريو قبل الأزمة الأخيرة المتعلقة بإعدام الشيخ نمر النمر، وتوقعت الرياض التصعيد الذي حدث، قبل أن تتراجع.

وفي السيناريوهات الموضوعة، فإن القوس الجديد لليمن، السودان إلى موريتانيا من القرن الإفريقي إلى غرب إفريقيا “متن جيوسياسي جديد” وبديل، إن طرأ أي تحول في الموقف المغربي.

والواقع أن العاصمة أبو ظبي غطت موقف الرباط من القطيعة بين الرياض وطهران، فالإمارات لم تدخل صراعها الجيوسياسي مع إيران حول الجزر الثلاث في الصراع السني ـ الشيعي، وتمكن المغرب من إبعاد مشكل الصحراء والمشكل مع الدولة الجزائرية عن خارطة التوترات الجديدة.

ومع ذلك يرى المقال الرئيس لقناة “السي. إن. إن” الأمريكية أن القطيعة “وسماها أولا بالخصومة” الإيرانية ـ السعودية سينتشر إلى دول المنطقة(8).

وترى “سي. إن. بي. سي” في 4/01/2014 أن الحرب السعودية ـ الإيرانية حول النفط بدأت وزاد برميل النفط فعلا بأربعة في المائة لكن التدخل الأمريكي لدى الطرفين، أعاد الأسواق إلى استقرارها، ويفكر الجميع في مصالحهم الاقتصادية.

+++ المغرب يرفض التصعيد الإيراني ـ السعودي لرفضه ارتفاع برميل النفط

المغرب يفكر في قضاياه الاقتصادية إلى جانب الإمارات وباقي المنطقة، وهذه الدول تريد صنع المال وليس صنع أزمة يقول الخبير الدولي هاني صبرا(9).

وتأتي هذه الحرب الباردة في وقت محسوب جدا حسب الخبير “س. جونز” بين إيران والسعودية(10) ولا يمكن أن تؤثر على حسابات الدول الأخرى ذات الساعات المحددة بطرق مختلفة، فالساعة في الصحراء أممية في مجلس الأمن، وتتفق الدولتان الجزائرية والمغربية على هذا المبدإ “أي عزل مشكل الصحراء عن الساحتين العربية والإسلامية”.

وعلى الصعيد الاقتصادي والعسكري تريد الدولتان، الجزائر والمغرب، الاستفادة دون خسارة جسيمة، لاحتمال أن يكون التصعيد السعودي ـ الإيراني بحثا عن صفقة كبرى، كما يقول القطريون حسب الجزيرة الإنجليزية(11) وهو ما تتمناه الدوحة وتسعى له.

ويبقى التصعيد الأمني مثيرا وخطيرا، فمن جهة ليس المغرب ضمن الدول التي تخترق حقوق المتحولين إلى المذهب الشيعي وليس ضمن مؤشر “س. إر. دابليو” أو شيعة “رايتس ووتش”، ويتقدم بخطوات مبهمة لتراخيص نحو الشيعة والسلفيين في آن واحد.

وإن كان الحزب السلفي (النور) في مصر مثلا لبعض السلفيين بالمغرب، إلا أن القاهرة عرفت في 23 يونيو 2013 قتل شيعة (حسن شحادة) واقتحام بيوت ثلاثة آلاف مصري في زاوية أبو سليم بالجيزة، وكلما تقدم الاعتراف بالسلفيين زاد احتمال انتهاك حقوق الشيعة، كما في التقارير الخاصة بالمنطقة، ومن غير المؤكد أن يعود شيعة المغرب إلى المذهب الزيدي للأدارسة أو يضمن السلفيون العمل خارج المذهب المالكي في إطار ما تدعوه المملكة أمنها الروحي، ويدعم الأمازيغ الهوية المالكية “المستقرة”، ومعروف أن التشييع الجديد أقرب إلى الأقليات رغم هويته العربية(12)، فيما يتصالح الطرف السلفي مع القوميات التي لا تحكم، وفي الحالتين يدفع استقرار هذا الاستقطاب إلى المزيد من الصعوبات، وتتمثل في تصفية مباشرة لمشاريع سياسية أخرى، فإعدام نمر النمر في السعودية حرك في أنقرة محاكمة “غولن”، ولأول مرة يكون القادة الوهابيون “مقدسون”.

وفي وقت سابق، لم يحاكم المغرب الشيخ المغراوي، رغم تصريحاته التي أدخلت آخرين إلى السجون، بسبب علاقاته مع السعودية.

+++ الوهابيون ينتظمون بطريقة مختلفة في حرب الوجود التي يقودها السعوديون ضد الشيعة وإيران، ودول الخليج وأفريقيا الشمالية والمغرب جبهة ضد التشييع وضد الإعدام والمساس بالحقوق الفردية، وقد يؤجل التوتر “حقوق التجمع لفترة”

دافعت الرباط عن مبادئها منذ انطلاق القطيعة الإيرانية ـ السعودية بإعدام الشيخ نمر النمر انطلاقا من رفضها التشيع وضد الإعدام والمساس بالحقوق الفردية، وتأجيل حقوق التجمع، لكنها لا تستطيع بأي حال اعتبار (الوهابية) أيديولوجيا مرفوضة، وفي انتظام الوهابيين المغاربة ذراعا لحماية العرش السعودي يكون المغرب في مفترق طرق بين وهابيين يعترفون بإمارة المؤمنين، ووهابيين يؤمنون بالوهابية “المقدسة” الموالية لآل سعود لا غير، وهذه الشريحة المدعمة ماليا والمؤمنة بالسرية العالية خطر على النموذج المغربي، لأنها تؤمن بولاية “خادم الحرمين” وإمامته العظمى..

 

 

++ قطع العلاقات بين المغرب وإيران لا يفيد “التوتر المستقر” بين البلدين

لا يمكن للرباط في هذا الظرف الحرج في الصحراء أن تقطع علاقتها مع طهران أو تسمح ببناء تحالف جزائري ـ إيراني إلى جانب روسيا يغير من وجه المنطقة.

ولم تخرج إيران كما تقول صوفي كلوديت في مقالها “بالمينوتور” عن التزاماتها الثنائية مع المغرب وأولها عدم تشييع سنته أو التدخل في شؤونه الداخلية، والعلاقات مع إيران التي قطعتها المملكة، بعيدا عن الحكومة كما تقول وثائق “ويكيليكس”، هي الآن محكومة بدستور جديد.

ولا يزال البعض يرى العلاقات مع إيران قضية تتجاوز حكومة بن كيران، وهي في كل الأحوال “علاقات غير قابلة للمقارنة”، كما يقول يوسف بلال الأستاذ في جامعة كاليفورنيا.

ويعرف المغرب وإيران أن توترهما يجب أن يبقى “مستقرا”، كما تقول جريدة الخليج، وانعكاس قطع العلاقات الإيرانية السعودية سينقل التوتر إلى شمال إفريقيا وهو ما يمس الأمن القومي المغربي.

++ 15 في المائة من البوليساريو وجزء منهم يقبل بإمارة آل البيت في المغرب

في تقرير حساس جزائري، قال في جملة موحية “إن 15 في المائة من مخيمات تندوف تشيعوا وأن جزء من هؤلاء يقبل بإمارة الملك على الصحراء، لكنهم يحرصون على حكم كونفدرالي مع المغرب”.

++ الطريق الثالث لإمارة المؤمنين: شيعة ووهابيون يجمعهم الإمام مالك.

الوهابيون المالكيون، المفرج عنهم، أو العلميون والشيعة المالكيون من مقلدي آية الله حسن فضل الله، يشكلون الطريق الثالث المتصالح مع إمارة المؤمنين في المملكة الشريفة التي تجمع الأصل الشيعي لبناء الدولة والمذهب السني للأمة، وظهر أن القرار المستقل أمام السعودية، بعد أن قطع المغرب علاقاته مع إيران لست سنوات وواصلت الرياض علاقاتها مع الرياض، هو الاختيار الآمن للمغاربة، وفاوض المغرب إيران في اتفاق التجارة الحرة عام 2004، وأي انفتاح على إيران، ضمن خطته في آسيا نحو الصين والهند، في ظل ضعف المساعدات الخليجية واعتبار الرباط ليست القاهرة، يعتبر في صالح المنطقة.

لكن من السلبي جدا أن يعتبر قرار عدم قطع العلاقات مع إيران قرارا حكوميا يقلل دعم الخليجيين لحكومة بن كيران، بما يؤهل لرحيلها.

تعليق واحد

  1. اذا دخلت السعودية في غمار الحرب ظد ايران فاوتوماتيكيا سوف تدخل المغرب هدا الحرب لان هناك تحالفا بين المغرب و السعودية المستفيد الوحيد من هدا النزاع هي الجزاءر المجاورة نعلم ان هناك نزاع من سنين بين المغرب والجزاير هده الاخيرة سوف تستفيد من الضعف المغربي اتناء الحرب لدا يجب على المغرب التفكير بالعواقب و التفكير بالقضية الوطنية اولا أنا طالب مغربي عمري ٢٠ سنة لي اهتمام كبير بالتوجهات المغربية اطلب. من مدير الجريدة ان ينشر هدا الوجهة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!