في الأكشاك هذا الأسبوع
القطب سعد بن ديدي، واحد من ضحايا الحروب في المربع الملكي.. وكان رئيسا للمؤسسة، ثم انتهى كل شيء

الحقيقة الضائعة| ضحايا الحروب في المربع الملكي

بقلم: مصطفى العلوي

بعد أن حير قطب المعرفة وملك الحكمة، سيف بن ذي يزن، قياصرة الروم، وبهر كسرى أبو شروان ((جلس في بيت عبد المطلب ابن مناف، جد الرسول عليه السلام، يبادله الحديث، عن معجزة سماوية، تظهر في شكل شامة (وشمة) يرسمها القدر بين كتفي أي مولود محظوظ، يمنحه الله الحكم والإمامة، فقال له عبد المطلب: عجيب، لقد زوجت ابني الأكبر، لكريمة من كرائم قومي وهي آمنة ابنة وهب بن عبد مناف، فجاءت بغلام له شامة بين كتفيه سميته محمد، وقد مات أبوه فكفلته. وقدم سيف بن ذي يزن، صاحب الرؤيا البعيدة، نصيحة لصديقه عبد المطلب، وقال له: إطو ما ذكرت لك، عن هذا الرهط الذي معك، فإني لست آمن أن يدخلهم التحاسد، من أن تكون الرئاسة لمحمد، فيبتغون لك الغوائل وينصبون لك الحبائل، فهم فاعلون أو أبناؤهم)) (محاضرة الأبرار. ابن عربي).

  وكما خلد القرآن دستورا لنا، ومحمد نبينا، بقيت حكمة سيف بن ذي يزن، ملازمة لحكمنا وحكمائنا، أكانت لهم وشمة بين الكتفين، أو شارة بين الركبتين، فحول كل ملك أو رئيس هناك الرهط الذين يدخلهم التحاسد، فيبتغون الغوائل، وينصبون الحبال فيما بينهم.

ليأتي الفيلسوف، وهو دائما ابن عربي، ويكتب الحل الأسلم في معاشرة الملوك، ويقول: ((إياك وصحبة الملوك، فإنك إن لازمتهم ملّوك.. وإن باركتهم أذلوك.. يستعظمون في الثواب رد الجواب، ويستصغرون في العقاب ضرب الرقاب، فإن السلطان مثل النار لا ينتفع بها إلا عن بعد)).

   لهذا نرى في الحاضر تكرار ما حفلت به كتب التاريخ في الماضي، كيف تحولت المربعات السلطانية والملكية، إلى ساحات حروب، وها هي ساحات الصراعات التي حصلت في عهد الملك العظيم، الحسن الثاني، في قصوره ودواوينه، حكوماته ووزاراته، تشكل ما لم يفلت منه حتى رؤساء أروبا، بديمقراطيتهم وشفافيتهم، لدرجة جعلت الرئيس الفرنسي المعتدل، فرانسوا ميتران، يكتب في مذكراته ((إن المحيط الرئاسي، يعيش حالة انقلابات دائمة)).

   ونقرأ في مذكرات السياسي المتنطع المحجوبي أحرضان ((إن أقرب شخص للملك الحسن الثاني، مولاي أحمد العلوي، قال لأحرضان أنه لا يمكن أن يقول شيئا أمام تلك الأفعى(…) الجاثمة قرب الحسن الثاني، والتي هي أحمد رضى جديرة)) (الحسن الثاني الملك المظلوم. مصطفى العلوي).

   جديرة، وكان أيضا صديق الملك، كان يخوض من مكتبه حربا مفتوحة، ضد كل من يقترب من الملك، مثلما كان إدريس البصري بعد أن أصبح بابا مقفلة بين الملك، وكل الراغبين في الدخول عليه، بلغت حد تنكيله حتى بولد الحسن الثاني، الأمير سيدي محمد، الذي عانى من مؤامرات إدريس البصري، ومن التقارير الملتهبة التي كان يرفعها للملك الصارم، عن فلذة كبده.

    ومرة عندما شرع البصري في إقامة هياكله داخل المربع الملكي، وعين في يوم واحد، رجال ثقته الثلاثة، الطريشة، والعفورة، والظريف، عمالا على أهم الأقاليم، تعشوا جميعا في بيت الجنرال الدليمي، الذي بعد أن طلع له الرشوق(…) توجه نحو إدريس البصري وقال بصوت مرتفع: يا إدريس، أنت الذي سيخرج على هذا البلد.

   لتكتب جريدة “لوموند” في فبراير 1988، أن السفير الفرنسي طلب مقابلة الملك، ليقدم له ملفا خطيرا عن اختفاء، أو إخفاء(…) بعض الفرنسيين المورطين في تجارة الحشيش، بالمغرب، لارتباطهم ببعض المسؤولين الأمنيين(…) وعندما سأل الحسن الثاني وزيره القوي عن التفسير، أجابه بأنه لا علم له، ليسارع الحسن الثاني إلى تعيين الكولونيل الوزاني مديرا جديدا للأمن.

   وعندما حضرت الظروف رجلا جادا في إدارة أحد الأبناك، أحمد بركاش، ليكون سفيرا في واشنطن، نجح نسبيا في مهمته، وفكر الحسن الثاني في تعيينه وزيرا أولا، ليفاجأ بوكالة المغرب العربي تنشر عنه تصريحا يقول فيه أن أمريكا ستنشئ قواعد عسكرية في المغرب، لتسارع الوكالة في اليوم الموالي، إلى تكذيب الخبر، ويتقرر إبعاد ترشيح بركاش لرئاسة الحكومة. مصير كان محضرا من قبل، منذ علم إدريس البصري أن المستشار عبد الهادي بوطالب هو الذي اقترح ترشيح بركاش للسفارة، ثم لرئاسة الحكومة. بركاش الذي مسح اسمه من خريطة المربع الملكي، لأنه صديق لجديرة، وإدريس السلاوي، وإدريس البصري ضد جديرة، ولا داعي لفتح باب ذلك الجحيم الذي كان يعرفه القصر الملكي، بزبانية من قبيل أوفقير، والدليمي، ومولاي حفيظ وآخرين.

   ورغم أن المربع الملكي في عهد الملك محمد السادس، يسمى هو أيضا المربع الملكي، مليئا هو أيضا بالحاسدين وناصبي الحبائل، كما قال سيف بن ذي يزن، فإن الذي يفرق المربع الملكي في عهد محمد السادس، عن المربع الملكي في عهد الحسن الثاني، هو أن تعداد اللاعبين وكثرتهم، أصبحت بحكم الانفتاح الإعلامي الذي يعيشه المغرب، تضع الرخوخ والبيادق رهن إشارة الرأي العام، عبر وسائل الإعلام الداخلية والخارجية، وحتى المحاضر السرية بشكل لم يسبق له نظير، فلم يفهم هذا الإعلام شيئا عن أسباب إبعاد وزير الداخلية الناجح مثلا شكيب بنموسى، ليرمى(…) سفيرا في باريس، وإبعاد رفيق الملك والناطق باسم ديوانه، حسن أوريد الذي يقال أنه كان أنبغ عنصر في رفاق الأمير، وإبعاد نجم وكالة المغرب العربي للأنباء، خبشي إلى سلة المهملات، وتكريس أمنية إدريس البصري بعد هروبه ووفاته، في تهميش الوزير الناجح إدريس جطو، والفترة الطويلة التي قضاها من الإبعاد، المستشار الملكي المتعصم، ويظهر أنه عاد أخيرا ربما، وأفول نجم المستشار المتميز رشدي الشرايبي، وكان يشكل النافذة المفتوحة من القصر على المحيط الشاسع حول القصر، لنفهم فقط، أن إبعاد الريفي مصطفى المنصوري من قيادة حزب الأحرار، لأنه قال يوما في جوان 2009، أن حزب الأصالة يريد العودة بالبلاد إلى سنوات الرصاص، فانمحى أثره من على وجه الخريطة السياسية كلها.

   لتبقى الأعجوبة الكبرى هي هذه الطاحونة التي تسحق النخبة الغير المتسيسة، من خريجي كبار المعاهد العليا وقدماء البوليتكنيك، وخبراء المال والأعمال، ممن لم يدخلوا يوما، حزبا، ولا ديوانا وإنما انغمسوا رأسا في المؤسسة الملكية للأنشطة الاقتصادية، ومؤسسة أونا التي جمعت ذا زمان بين موظفين ساميين، أحدهما كان ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وثانيهما الباشا التهامي الكلاوي، فأصبحت بحكم الممارسة الطويلة، مؤسسة تسميها الصحف، المؤسسة الملكية، وكان أكبر أقطابها نجم التجارة والاقتصاد خالد الودغيري، الذي حقق المعجزة الكبرى بدمج البنك التجاري مع بنك الوفا، ليؤسس أضخم بنك مغربية في السوق الوطنية، ويترشح بجديته لأن يصبح قطب المشاريع الملكية، لتقول مجلة “جون أفريك” ((إن أنانية الودغيري واستقلاليته اثارت عليه غضب رؤسائه(…)))، خصوصا بعد أن استقبله رسميا رئيس تونس السابق زين العابدين بن علي، ليفاجأ يوما وهو مدير للبنك السعودي الجزيرة، بأن محكمة مغربية حكمت عليه بعشرين عاما سجنا، لتفقده كل ثقة لدى السعوديين، ومن حسن حظه أن جريدتنا “الأسبوع” نشرت عنه أنه بصدد إصدار كتاب في باريس، ولما لم يصدر تكذيبا، كما قالت مجلة “جون أفريك” صدر في حقه عفو ملكي، وعاد لبلده كأيها الناس، فلازال ضارب الحصار عليه قويا.

   وبعد الودغيري، تساقط على أطراف مؤسسة أونا، كما تتساقط الأوراق في الخريف، مديرو هذه المؤسسة ورؤساؤها، وأكثرهم ثقة في نفسه المعتصم بلغازي وقد أصبح في خبر كان، وبدءا من الصهر الملكي فؤاد الفيلالي، الذي سقط بعده المدير الآخر الوزير السابق مراد الشريف، ليسقط خلفه باسم الحكيمي الذي يقال بأنه أدلى بتصريح لم يعجب، ثم يسقط بعده سعد بن ديدي، وكان رئيسا لوانا، قبل أن يصبح رئيسا لأونا، ليعرف نفس المصير رشيد الصفريوي الذي قدم شكاية بالمعتقل الحالي الزاز، الذي لم يلق دعما ولا سندا إلا من صحفي فرنسي كتب عنه ((إن القاضي لم يستقبله إلا بعد ثلاث شهور من اعتقاله، ولم يسأله عن سوابقه في الغش أو التلاعب، ولكن فقط عن تسريب معلومات إخبارية، وهي الجريمة التي حكم عليه فيها بخمس سنوات دون أن يحضر المشتكى به، الصفريوي)) (باتريك لانسي. موقع سيتزان كان).

   والواقع أن الغلطة التي أسقطت القطب السابق، كريم الزاز، رغم جنسيته الفرنسية هي شهادة أدلى بها في تحكيم بين الشركة الفرنسية كليما ومؤسسة وانا، خسرت فيها المؤسسة المغربية، ليغضب الأقطاب الحاكمون(…) ويقولوا بأن شهادة الزاز كانت هي سبب الخسارة، وأنها أساءت للسمعة المغربية، وكان من بين الغاضبين، القطب الكبير بوهمو.

   بوهمو بدوره سقطت ورقته رغم ضخامتها وهو الذي كان على شفا خطوة من تقلد المهام الكبرى في الكتابة الملكية، لولا أنه ارتكب خطيئة الاعتقاد بأن الوقت وقت الشفافية، فخص جريدة “لوبوان” الفرنسية بحديث كان سبب سقوطه، رغم أن محاولة التشهير به وبما قيل أنها ثرواته في الداخل والخارج لم تؤثر على موقعه، وها هو يرتقي أعلى المسؤوليات في كبرى الشركات الأروبية.

“لوبوان” التي وصفته بأنه ((المشرف على ثروة الملك ويعرف الأسرار المالية للمملكة))، إلا أن الفقرة التي كان لها وقع الضربة القاضية عليه هي قوله ((سيكون مجرد مبالغة القول، بأن الملك يقرر في كل شيء)) (لوبوان. 20 يوليوز 2014).

   وطبعا تساقط من نفس المحيط آخرون، المدير السابق للميناء المتوسطي توفيق الإبراهيمي، والمدير السابق لمطارات المغرب عبد الحنين بن علو، الذي لم يكشف الحكم الظالم في حقه أية تهمة مفصلة تبرر ذلك الحكم، والمدير السابق لإمبراطورية “السي. دي. جي”، أنس العلمي، وهم كثر، ها نحن رأينا منهم من طردوا من جنة المربع الملكي، ومنهم من دخلوا السجن، ومنهم من لازالوا على أبوابه(…) مصداقا لمقولة واحد من قيدومي المربعات الملكية أيام السلاطين السابقين الإنجليزي “جورج هولت” ((من المستطاع في المغرب، أن يكون المرء يوما لصا، وغدا وزيرا، ثم نزيلا في سجن عفن من سجون القصبة، لأن الأمثال المعروفة أن الذين يوجدون فوق، لابد أن ينزلوا تحت والذين يوجدون تحت يجب لابد، أن يصعدوا فوق)) (عبد المجيد بن جلون. جولات في مغرب الأمس).

تعليق واحد

  1. Votre page”la verite e’garee est un cours de science -po de premier ordre
    Je lis souvent votre periodique et je vous reserve mon admiration, celle d’un eleve pour son Professeur
    Longue vie a’ vous et a’ votre jounal

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!