في الأكشاك هذا الأسبوع

محمد الصبري يجمع الشتات الاتحادي من قبره..

هل ستلتئم جراحات حزب بنبركة لتصحيح “الأخطاء القاتلة”

 

خاص بالأسبوع الصحفي

   “ولد اتحاديا اشتراكيا، وعاش اتحاديا اشتراكيا، وسيبعث اتحاديا اشتراكيا”.  

   بهذه العبارات الدالة والقطعية صدحت المناضلة الاتحادية الأستاذة رشيدة الغظفة، يوم الجمعة الأخير المصادف للثامن من يناير 2016، بمسرح محمد السادس بالصخور السوداء في الدار البيضاء، أثناء إلقاء كلمتها المؤثرة بالمهرجان التأبيني الذي نظمه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأسرة الفقيد في أربعينية المناضل محمد الصبري.

   والأستاذة رشيدة، لمن لا يعرفها، هي رفيقة عُمْر القائد الاتحادي البارز محمد الصبري، امرأة قوية وصابرة ومناضلة، اجتمع في شخصيتها حشد من النساء، ترفض لقب “الأرملة”، كما ترفض ثوب الحداد، فمحمد الصبري لم يمت ولن يموت، كما أن أفكاره وأحلامه والمبادئ التي ناضل من أجلها لن تموت، هو الذي اتفقت اللجنة التنظيمية لتأبينه على منحه وسام “رجل المبادئ والقضية”، وهو الشعار الذي رُصِّع به الملصق الخاص وزينت به الللافتات، والتأم حوله المشاركون في هذا الحفل التأبيني المهيب.

   ولأن الأستاذ الراحل الصبري عرف عنه رجل الجمع والتجميع والتوفيق والتوافق، عمل بكل قواه وجهده حتى الرمق الأخير من حياته الحافلة بالنضال، لتجنيب الحزب الانشقاق والمزيد من التفرقة، وظل في كل المحطات الصعبة التي شهدها الحزب حاضرا، محاورا، حكيما، قريبا من الغاضبين، محاولا ثنيهم عن ابتعادهم عن الاتحاد. بل إنه كما يذكر زملاؤه الطلاب ممن درسوا معه في كلية الآداب بفاس في فترة بروز “اليسار الجديد” وانبثاق تيار “الطلبة الجبهويين”، أنه كان معهم ضمن صفوف شبيبة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حتى قرارهم الأخير، وكان  الكثيرون منهم يعتقدون أنه سيسير معهم في مسعاهم الانشقاقي، إلا أن ظنهم خاب حينما ظل متشبثا بصرح الاتحاد. كذلك كان الأمر مع رفاق محمد نوبير الأموي في سنة 2002، وكان من الأصدقاء  المقربين من الزعيم النقابي، وهو محاميه الخاص، الذي قاد الدفاع عنه في المحاكمة التاريخية الشهيرة سنة 1992. إلا أن محمد الصبري ظل متمسكا بالاتحاد، ولم يذهب مع المنشقين إلى “المؤتمر الوطني الاتحادي” الذي أسسه ورعاه قائد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

   وحتى وهو في دار البقاء أبى الأستاذ محمد الصبري إلا أن يجمع الفرقاء الاتحاديين والعائلة اليسارية وإسلاميي جماعة العدل والإحسان، (مشروع الكتلة التاريخية)، وذلك في حفل الذكرى الأربعينية لرحيله. وقد لاحظ المراقبون حضور محمد اليازغي الكاتب الأول السابق للاتحاد الاشتراكي في الصفوف الأمامية، وهي أول مرة يشارك فيها اليازغي في نشاط يحمل يافطة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ المؤتمر الوطني التاسع، والكلام يتداول اليوم حول كون اليازغي هو العراب الحقيقي للمختلفين مع الكاتب الأول الحالي إدريس لشكر، والعازمين على تأسيس حزب بديل باسم “البديل الديمقراطي”، يوجد من ضمنهم نجل الكاتب الأول السابق، البرلماني علي اليازغي وعدد من المحسوبين تاريخيا على محمد اليازغي.

   كما حضر مناضلو حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي والحزب الاشتراكي الموحد وحزب النهج الديمقراطي وقادة العدل والإحسان، فالصبري كان من أبرز المحامين عن نشطاء الجماعة الإسلامية المحظورة، والمناهضين بقوة للحصار الذي كان مفروضا على زعيم الجماعة المرحوم الشيخ عبد السلام ياسين. كما حضرعدد كبير من المناضلين الاتحاديين الذين جمدوا نشاطهم منذ زمن، وعدد من الديمقراطيين والنقابيين، ناهيك عن الحضور اللافت لهيئة المحامين ومناضلي الحركة الحقوقية.

   وقد حرص الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر على التأكيد في كلمته بالمناسبة، على مد اليد إلى المختلفين معه مناديا برأب الصدع والعودة إلى مواقعهم داخل صفوف الحزب، وقال إدريس لشكر: “خلافاتنا التي عانينا من جرائها يجب أن تصبح من ورائنا جميعا ونحن نلتئم لإحياء هذه الذكرى، علينا أن تتجه نحو المستقبل، وأن ننخرط في ديناميته، متخلصين من كل الأحقاد والحساسيات لتطوير بلادنا ورفعة قواه التقدمية والديمقراطية”.

وختم بالقول الصريح: “يجب أن نتعظ وأن تكون هذه المحطة منطلقا لتجاوز أنانياتنا واختلافاتنا”.

   وقد لوحظ جلوس اليازغي في الصف الأول بعيدا عن إدريس لشكر، ولم نتمكن من معرفة هل التقى الرجلان وسلما على بعضهما.

   في الوثيقة التاريخية “الاختيار الثوري” تكلم الزعيم المهدي بنبركة عن “الأخطاء القاتلة”، ولم يكن من بينها “خطأ الانشقاق والتشرذم”، فهل دقت ساعة التئام الجراح ورأب الصدع وعودة المناضلين إلى بيت الاتحاد الرحب المتسع لكل الآراء والأفكار الاتحادية، ومن أجل تصحيح الأخطاء، وفاء لروح الصبري وذكرى الشهداء؟

   جدير بالإشارة إلى أن الحفل عرف تناوب عدد من المتحدثين على المنبر، إلا أن من أهم لحظاته هي عرض شريط مصور موثق حول نضال الفقيد محمد الصبري، أعده وأخرجه الإعلامي المخضرم عبد الرحيم التوراني، الذي نوه الكثيرون بالجهد التوثيقي الذي أنجزه. وتحدث فيه المتحدثون عن خصال ونضال الراحل، وهم: قادة الاتحاد: إدريس لشكر وعبد الواحد الراضي ومحمد اليازغي وسعد الله صالح وأحمد بنعابد، والطليعي المحامي عبد الرحيم اعميمي، وعضو قيادة المؤتمر الوطني الاتحادي ثريا لحرش، ومديرة السابقة لأكاديمية الرباط الأستاذة الاتحادية فرتات التيجانية، وخالد السفياني عن المؤتمر القومي العربي، وفتح الله أرسلان الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان، والمصطفى ابراهمة الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي. 

   أحد الاتحاديين من الدار البيضاء صرح متسائلا، بعد نهاية وقائع الحفل التأبيني: “ما الذي يمنعكم أيها الاتحاديون من أن تقتدوا بسيرة الفقيد محمد الصبري، لا يكفي أن نحتفل بها فقط”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!