في الأكشاك هذا الأسبوع

سيارات الإسعاف سبب وفاة المصابين بحوادث السير.. والدراجات النارية تتحول لوسيلة ابتزاز لأصحاب السيارات

بقلم: رمزي صوفيا

   موضوعي في هذا العدد سيتناول قضية خطيرة، بل وخطيرة جدا تتعلق بحياة الناس، إنها مشكلة سيارات الإسعاف. وقد تحدثت عدة صحف ومجلات عن هذه القضية وطرحت عددا كبيرا من الحوادث التي وقعت في عدة مدن كبرى بالمغرب من جراء تصرفات سيارات الإسعاف وتدبير مواعيد حضورها بطرق متأخرة جدا، وكم من حادثة سير كان يمكن أن ينجو منها المصاب، ولكن تأخر سيارة الإسعاف في الوصول إلى عين المكان تسبب في وصوله إلى دار البقاء قبل وصول السيارة المنتظرة لنقله نحو المستعجلات.

   وقبل مدة قصيرة شاهدت بأم عيني حادثة سير وقعت في شارع أنفا، الذي يعتبر أهم شارع بالعاصمة الاقتصادية، سواء على المستوى الاقتصادي والتجاري أو على المستوى البشري من حيث الاكتظاظ، وكان الضحية شاب في مقتبل العمر، كان يقود دراجة نارية بطريقة قيادة الرالي كعادة سواق الدراجات النارية في هذه الأيام، فخرج الشاب بدراجته النارية أمام سيارة كانت تسير بطريقة قانونية فانزلق بسبب سرعته وتهوره وانقلب أمامها عدة مرات بطريقة بهلوانية عجيبة، وخلال بضع ثوان تجمهر عدد كبير من الناس حوله وأحاطوا بالسيارة التي نزل سائقها المسكين مشدوها من فرط الذهول، وهو واثق كل الثقة من أنه لم يفعل شيئا، ولكن سائق الدراجة كان قد عرف كيف يمثل تمثيلية برع فيها بشكل يبدو أنه معتاد على القيام بها، حيث تمدد على الأرض وأغمض عينيه تماما متأوها بصراخ متواصل وهو يمسك بساقه اليمنى وكأنها قد انكسرت، فاتصل بعض أفراد الحشد المتجمهر بسيارة الإسعاف وبالشرطة، وبعد بضع دقائق حضر شرطي فرسم خطوطا حول الحادثة، في الوقت الذي تجمع عدد من المتجمهرين حول سائق السيارة وبدأ بعضهم يقول له: “الرجل مضرور، الرجل في حالة صعيبة خاصك تدور معاه راه القانون معاه، حيث هو عندو دراجة نارية ومحسوب في المدونة مع الراجلين”، كان ذلك يحدث ورجل الشرطة يقوم بعمله بطريقة مهنية جديرة بالاحترام كعادة رجال الشرطة الذين أوجه إليهم تحية تقدير للاحترام الكبير الذي يتعاطون به مع واجباتهم المهنية، وظل المشهد على ذلك الحال حتى مرت ساعتين ونصف فحضرت سيارة الإسعاف، تصورا أيها القراء؛ ساعتين ونصف يموت فيها من يموت ويعيش فيها من يعيش لتحضر سيارة الإسعاف، حدث هذا في قلب العاصمة الاقتصادية الذي لا يبعد عن مراكز الاستشفاء المتوفرة على العشرات من سيارات الإسعاف، فماذا يمكن أن يحدث في هوامش هذه المدينة، بل ماذا يمكن أن يكون الحال في المدن الصغرى، ربما ستحضر بعد وقوع الحادث بنصف يوم أو يوم كامل حتى يسلم الإنسان الروح إلى بارئها… المهم، بعد كل ذلك نقل المصاب إلى المستشفى فتبين بأنه لم يتعرض لضرر كبير وأن إصابته لم تكن تتعدى خدوشا بسيطة، ولكنه نجح في ابتزاز سائق السيارة، وبمجرد حصوله على مبلغ 500 درهم من صاحب السيارة وقف على قدميه وبدأ يمشي بخفة غزال ثم امتطى دراجته النارية وطار طيرانا باحثا عن ضحية جديدة.

   وللإشارة فقد سبق لعدة أصدقاء وصديقات أن طلبوا مني الكتابة عن الدراجات النارية والمشاكل الكثيرة التي يعيشها سكان المدن الكبرى بسبب طريقة قيادتها من طرف شبان لا شغل لهم سوى افتعال مثل هذه الحادثة وابتزاز أصحاب السيارات، لقد صارت الدراجات النارية كارثة حضرية كبرى حيث يقودها سواقها بطريقة بهلوانية نحو اليمين ونحو الشمال، بل لقد صار من المشاهد المعتادة أن ترى الدراجات النارية والهوائية وهي تسير نحو سيارتك لأن قيادة أصحابها صارت دائما في الاتجاه المعاكس، وصار سواق السيارات يهربون من الدراجات النارية حتى لا يقعوا في مأزق ملامستهم، بل هناك عشرات الدراجات النارية التي يتعمد سواقها ملاسة السيارات والسقوط أمامها لكسب المال، لأن مدونة السير التي انطلق العمل بها بتاريخ 10 أكتوبر 2011 توجد بها عدة ثغرات، من أهمها رفع المسؤولية المدنية عن سواق الدراجات النارية غير المرقمة وعن الدراجات الهوائية وعن الراجلين، وهذه مصيبة يعيشها سواق السيارات لأن الشخص من اللحظة التي يدير فيها محرك سيارته يدخل مغامرة كبرى يمكن أن يتعرض فيها لعدة مواقف من النصب والاحتيال بهدف ابتزازه، لأنه قد يتعرض لعقوبة مالية بل وسجنية بسبب ثغرات مدونة السير، في حين أن أصحاب السيارات لهم حقوق بسبب النفقات المالية الباهظة التي يدفعونها للدولة من ضرائب وتأمين ومراقبة تقنية وغيرها، وكل هذا يفترض أن يخول لهم حقوقا مهمة في الطريق العمومية لا أن تتحول الطرقات إلى مورد رزق حرام لعدد هائل من سواق الدراجات ومن الراجلين.

   لقد آن الأوان لتعديل مدونة السير وتحميل كل فرد مسؤوليته الكاملة على الطريق العمومية، وجعل كل متهور يدفع ثمن تهوره غاليا، وأن يكون ذلك التعديل ثقيلا من حيث العقوبات المالية حتى يلتزم سواق الدراجات النارية بالممرات المخصصة لهم لا أن يتعمدوا السير وسط السيارات وأن يكون هناك اتجاه واحد للسير لا أن تكون السيارات في الاتجاه الصحيح وفي كل مرة تخرج لسائقها دراجة نارية في الاتجاه المعاكس وأن تفرض عقوبات ثقيلة على أصحاب الدراجات الثلاثية الذين يعيثون فوضى وفسادا في الطريق بحمل الركاب بدلا من البضائع بدون حسيب أو رقيب وأن يتعلموا قوانين السياقة قبل امتطاء تلك الدراجات الكبيرة.

   إن هناك الكثير من الثغرات في مدونة السير التي يمكن للمسؤولين وللوزراء المحترمين بجرة قلم أن يعدلوها فيتم إنقاذ حياة آلاف الناس الذين تذهب أرواحهم سدى بسبب تهور المتهورين واحتيال المحتالين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!