في الأكشاك هذا الأسبوع

كيف قضت مراكش الحمراء ليلة بيضاء في انتظار سنة جديدة

بقلم: محمد بركوش

   كشفت مراكش الحمراء، عاصمة العلم والثقافة والفن بمناسبة احتفالات رأس السنة عن أسرار أخرى جميلة تحاور الروح قبل الجسد، أبانت عن وجه ثان مشرق يتفاداه أو يتغاضى عنه الكثيرون ممن يحاولون عبثا اختزالها بكل ما لديهم عند حدود المتعة وأشياء أخرى محرمة.

   استحقت مدينة الخلود أن تنال وسام الريادة، وأن تكون القبلة الأولى لكل الزوار دون تمييز، حيث يتوحد الإنسان كإنسان في فضاءاتها التي تجمع بين الحاضر والماضي، وتُقرأ من خلال رسوماتها الأثرية آيات العبقرية والذكاء الهادف، في اتزان بديع بين الماضي واللامادي، اتزان ظل يمارس ضغوطه عليها منذ حقب بعيدة لأجل الإبقاء على الخيط الناظم بين «الفكر الكوني والثقافة الشعبية الهادفة»، كما قال محمد بلاغ، بين خفة الروح والنكتة السريعة، بين كرم الضيافة وحسن الاستقبال.

   عاشت المدينة أجواءا استثنائية بكل المقاييس، رفعت من تصنيفها وأضافت علوا إلى قامتها الشامخة في تلك الليلة التي ودعنا فيها عاما كان حابلا بالأحداث والتحولات التي «تركت بصماتها على حياة المواطن الذي يتقاضى (3 فرنك)، وأثرت سلبا في اختيارات الدولة التي رسمتها من قبل، أو ودعت على لسان الحكومة برسمها، وقضت كما قيل على قبس الأمل الذي ازدهرت براعمه بمناسبة صعود حزب ليس «له سوابق في النهب والفساد»، له فقط في الشفوي و«السكبي» كما يقول المراكشيون الذي لا يعوض عن الألم ولا تندمل معه الجراح.

   ليلة ليست كالليالي الأخرى التي يحتكم فيها الكبار إلى الفراش، والصغار إلى حكايات الجدات، ليلة بسنة كما قيل، ودعنا فيها عاما انقضى بسرعة وكأنه مثقل بأوزار الحروب والمآسي والأحداث التي عشناها، انقضى في لحظة عادت فيها الجموع إلى منتهاها بعد أن خبا صهيل الشاحنات، وتوقف رفس العربات، وهدير السيارات بفضل رجال الأمن الذين كانوا أكثر يقضة وحذرا، استجابة لتعليمات والي الأمن بمراكش التي كانت تشدد على الحرص على «التدخل الذكي المضبوط والتنسيق مع غرف عمليات القيادة وتفادي استعمال العنف والتعامل بحس استخباراتي عال»، وتفعيل الاستراتيجية المبتكرة التي وزعت خططها على كل ولاة الأمن بإمضاء المدير العام السيد الحموشي، رجل السنة بلا منازع، لأنه وكما قالت الأحداث المغربية «بصم العام ببصمات متميزة»، وأعاد ترتيب الأوراق، وفعّل كل المناشير والمذكرات التي كانت راقدة في الرفوف، وأحيى في نفوس رجاله روح الوطنية، ورفع من معنوياتهم وجعلهم يشتغلون في صمت وبلا أخطاء، وفي ظل القوانين والمساطر المعمول بها، والتي تحترم فيها حرية المواطن وتقدس حقوقه، كما قال والي الأمن بمراكش في أحد اجتماعاته؛ الوالي الذي لم يخرج عن الجماعة هو وباقي المسؤولين الكبار، إذ شوهد أكثر من مرة في تلك الليلة القمراء يجول الشوارع والأزقة ويعبر النقط السوداء كما يسمونها، يراقب ويشجع ويدفع بعناصره إلى تحمل الأعباء في سبيل راحة المواطنين الذين ساهموا بفعالة كبيرة في إنجاح المأمورية بالانخراط في ملاحقة المتربصين والإبلاغ عنهم كأضعف الإيمان، كما ناشد بذلك (وكما نقلت التلفزة المغربية) الوالي محمد مهيدية وحث عليه سكان الجهة الشرقية التي تعيش بين نارين، كما عبر عن ذلك أحد الوجديين.

   لقد أعادت احتفالات رأس السنة التي اختفت فيها الفوضى واستتب الأمن وتسللت الطمأنينة إلى كل القلوب، باستثناء القلوب المريضة التي كانت تتصيد الأخبار قرب المستشفيات، أعادت تلك الاحتفالات الكائن المتفائل كما قال بشكار «إلى جادة حجمه غير المرقع بأية علامة»، وهو في حضرة المدينة الخالدة، مدينة التسامح والتآخي والحب الفائض الذي يوزع بالتساوي بين كل الذين يسألون عن الحلم وعن الأمل كما يسأل القوس الوتر (محمود درويش)، بين كل الذين انحدروا إلى المدينة من «بقايا الصور الجامدة» من «وجوه بقيت على طاولة الحكاية، تطالع سيرة الثلوج المزهرة» محملين بأحلام رائعة، يشعرون بأنها في الطريق إلى الإبادة ببلدانهم بعد أن طار النورس من المناطق المخببة، أحلام في حاجة إلى نسجها من جديد في مدينة لا يغيب عنها الدفء بكل معانيه ودلالاته، بأعشاب برية تداعبها الورود، مدينة كانت تلك الليلة ككوكب ذري لا غربي ولا شرقي ينبئ بالألق والرعشات، وينفث نورا دون أن تمسسه نار على رواد الفرحة الذين وقفوا يعبثون بالدقائق المتبقاة من سنة دامية لم يروا فيها سوى الزيادات في الأسعار، والتفعفيعات، وخرجات تترجم بالفعل مستوى بعض المسؤولين، وضيق أفقهم واحتقارهم للمواطن (للي تايسرحوه) وإهانتهم للعملة بجعل قيمتها تتهاوى أمام عملات أخرى (8000 درهم = 2 فرنك)، قلت وقفوا يعدون النجمات النائمات في برج السماء، كما قال بوسريف، بعد أن همت الشموس بالنيام وإنهاء الصحو، وارتاح العاشق من البحث عن الزنابق والرياحين طول النهار في منتزه المنارة وصهريجها العظيم الذي يحكي بكل أمانة وصدق عن تاريخ عميق كان فيه السلاطين يقدسون الماء ويعتزون بالفلاحة، حيث يوفرون لها كل الإمكانات الضرورية حتى يبقى الفلاح معززا في بيئته مكرما بين أهله وذويه، غير مبال بالمدينة التي أصبحت تغري الكثيرين بالهجرة إليها.

   لا أريد أن أنهي هذا المقال دون أن أبوح علانية بالشكر الجزيل لرجال الأمن، والقوات المساعدة، والجيش الملكي على ما أبدوه من مجهودات مضاعفة وما أبانوا عنه من مهنية عالية ساعدت على تفادي الاصطدام مع المحتفلين، والابتعاد عن «التدخلات السلبية المثيرة للانتباه» من أجل أن تمر الأمور في أجواء هادئة وآمنة لا تسمع فيها لآغية، بقدر ما يسمع ترديد أنشودة الأمل التي تحمل كل معاني الاستمرار، وتنطوي على إشعار بالبقاء وبالتحدي والصمود، وحب الوطن الذي نتمنى مخلصين أن تكون الهوة شاسعة بالنسبة إليه هذه السنة نحو الأفضل والأحسن والأجمل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!