في الأكشاك هذا الأسبوع

الـــــــــــرأي | مراكش .. مدينة المشاهير

 بقلم. محمد بركوش

كنت أيتها المدينة الحمراء الخجولة في تلك الأمسية روعة ليل مضاء بشهب الحب ورونق قمر في منتصف العمر، كنت أيتها الخالدة فاتنة بعد أن تطهرت مما قيل، فاتنة كما رأيناك ذات زمن جميل، “وعلاقة مراكش بالزمن الجميل المكثف علاقة قديمة كما قال شاعرها آيت وارهام”، عبثا يحلمون بشبيهك، وعبثا يرسمونك في ألواح معتقلة من أجل جريمة النكران، لقد استسلموا رغم كل ما كان يردد عنك لقداسك العظيم، ومضوا في أمن وسلام يحكون بوضوح عن إرث تاريخي قديم، عن بهجة كبرق المكان أو مصباح ذاكرة “الشاعر آيت وارهام”، يضيء كل الجنبات وكل الأمكنة التي يركضون في مداها المتاح بأقدام غير حافية ولا ملطخة بلعنة السوء، ويرسمون دوائر التدفئة على بردها القارس بأصابع ناقرة.

كانت ريح الفرحة في تلك الليلة “ليلة رأس السنة الميلادية” تلهب بصفيرها ظهر ريح وكأنها في عجلة من أمرها، ترتطم فيما بينها، فتنفرج الأسارير وتتمدد الابتسامة الصارخة إن صح التعبير وليس الصامتة، سخية ككرم حاتم، فاتحة الأبواب لأجنحة الحلم والسفر البعيد أمام أغصان الفرنسيات والألمانيات والهولنديات وكذا المغربيات الجميلات بحشمتهن وحبهن للحياة رغم كل الظروف وكل الصعاب، أغصان فارعة في الطول، تتكلم كلها رغم الاختلاف لغة الراهن والمرحلة، وتتحمس لاقتناص لحظات متعة مكدسة ومنفرجة، وسط مدينة حمراء في كل شيء باستثناء الجانب الذي صنعت فيه الرجاء معجزة العام، خاصيتها الأولى أنها تربي في ذاتها حسنها وبهاءها، وتحصن في داخلها أضدادها، وتندفع تلك الأغصان الهيفاء هنا وهناك بإرادة أقوى من قبضات الأطفال التي تعيى كما قالا لشاعر بودريك قدام أكوال رمل وتلال ماء، ولكنها لا تشقى ولا تتعب في فضاءات محبوبة وكأنها خرجت للتو من النهر الطري إلى الأرض الصلبة.

عندما وقف الليل على قدميه الصلبتين في آخر يوم من سنة مضت وألقت بكل خيباتها ومسراتها وتكهنات اقتصادييها ونكت وزرائها وفضائح بعض مسؤوليها وتعري برلمانييها، وعندما نشر ذلك الليل خدعة الظلام واقتحم بحلكته كل المجالات باستثناء القلوب اليانعة تجلت الألوان الصاخبة بعد ن امتزج اليوم بالبارحة، ووقف الخلق ينظرون كما قال عبد الوهاب، أو بالأحرى يفكرون بكل هذا الفضاء “وأقصد جامع الفناء” عاليا متبدلا كالضباب أو كدخان معركة ضاربة، برجال مسلحين بالعشق ومجهزين بالإيمان، الإيمان بالغد الذي يتمنى الجميع أن يكون أحسن من الأمس ومن اليوم أيضا “وإن كان هذا الأخير أحلى باعتباره حاضرا”، وبأبناء بررة مدججين بنظرتهم للضيف، ومزاجهم المنشرح، وذوقهم الذي لا يخطئ، ولتطلعهم لصياغة حياة جديدة مفعمة بذكريات التاريخ غير المنسي: التاريخ الحافل بالأمجاد والمشحون بالبطولات وكل المقومات.

لقد كانت الابتسامات البيضاء تنساب بطلاقة إن صحت الكلمة كقطيع حنان بدون راع، ابتسامات لو تؤجلها أصوات مستنكرة “وهي قليلة”، يحركها بعض الظلاميين كما قيل، ولم تؤخرها عربدة مشاغب يجر في الزقاق أثقال اليتم وهول القطيعة، لأن رجال الأمن ونساءه كانوا في يومهم المشهود والمعلوم بل في أيامهم المشهودة، إذ منذ مهرجان السينما الذي أقيم في مراكش بداية الشهر الماضي على ما أعتقد، وهم يتعبون ويسهرون، من أجل راحتنا كسكان وكضيوف وكشخصيات عالمية أتت من عوالم أخرى متحضرة ومتجذرة في الأصول، يواصلون “أي رجال الأمن” الليل بالنهار، لا يجدون وقتا للراحة أو مجالسة الأبناء، كما حكى لي أحد أبطالهم، حتى والي الأمن كان يتجول في الطرقات بدون هوادة، يراقب العناصر المكلفة ببعض المحطات ويتابع خطواتهم حتى لا يتخلفوا عن أداء المهمة المنوطة لهم بدون عنف وبدون تدخل مثير، وإن كان أمر التخلف غير وارد، نظرا لإحساس رجال الشرطة بالمسؤولية، وشعورهم بالدور الملقى على كاهلهم في مثل هذه المناسبات التي تعطي للمدينة الحمراء إشعاعا هي في أمس الحاجة إليه بعد أن لطخ بعض الغرباء سمعتها، ولوثوها بجرائمهم وأفعالهم المشينة والتي تفتح في العادة شهية بعض المكبوتين الذين يرون في مراكش بؤرة فساد ودعارة، دون أن ننسى في هذا المقام جهود الوالي محمد فوزي الذي لم يرفل له جفن طيلة الشهر الماضي لكونه المسؤول الأول عن المدينة ككل، وعن ساحتها الشهيرة الملقحة بالعالمية، والتي كان يتردد عليها بين الحين والحين تفاديا لكل محتمل، خاصة وأنها كانت تجمع بين أحضانها كل الشخصيات من وزراء وفنانين ورياضيين ورجال أعمال إضافة إلى البسطاء والناس العاديين الذين جمعتهم الفرحة، ووحد بينهم ظهور “رأس العام”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!