في الأكشاك هذا الأسبوع

داعش وعقيدة الإمام مالك: قتل الثلث.. من أجل إنقاذ الثلثين

بقلم: مصطفى العلوي

   ربط المفكر المغربي، محمد الطوزي، ولعله من مخلفات الماضي الذي كان فيه المغرب يحظى بتواجد الرجال الذين يسهمون بعقولهم في البحث عن الحلول، ربط مؤخرا، بين الفلسفة المذهبية التي تحكم المنظمة التي يحاربها العالم كله، حتى الصين مؤخرا، داعش، التي قال عنها الباحث الطوزي ((إن داعش تقدم الأجوبة الواضحة لمشاكل الحياة، ورغم أن قائدها، البغدادي، الذي سمى نفسه خليفة، لا يتمتع بالوجه الحسن، ولا يتمتع بملامح الثائر البوليفي شي جيفارا، إلا أن البغدادي يقدم تصورا قوي العمق، لهذا رأينا مناشير في مراكش، تكتب: كلنا جنود الخليفة. وإن كان الأمر لا يتعلق بنفس التعاطف الذي كان لبعض المغاربة، مع منظمة القاعدة، ولكن الأمر يتعلق بتحريك رابط شرعي)) (تيل كيل. 20 نونبر 2015).

  الطوزي، اقترب أكثر، من الأطروحة المذهبية التي تجمع بين فلسفة داعش، وبين بعض التوجهات الدينية في المغرب وكتب ((لا أحد عندنا يؤيد رسميا وعلنا (…) داعش، ولكن كان عندنا علماء يؤيدون بصيغة أو بأخرى منظمة القاعدة))

(نفس المصدر).

   المقاربات المذهبية التي يلمح إليها الباحث الطوزي، عن المنظمة التي اختارت أسلوب التصفية الجسدية لأعداء المذهب السني، داعش، ترجع إذن، إلى العقيدة التي يلتزم بها المغرب منذ أيام الفتح الإسلامي، والتي فسرها الملك الحسن الثاني صراحة.. عندما قال في خطاب رسمي: ((علينا أن نستخرج العبر إن اقتضى الحال(…) بالملكية المطابقة للمذهب المالكي(…) الذي لا يتردد في القضاء على الثلث الفاسد، إذا كان القضاء عليه، يضمن نجاة الثلثين السليمين)) (خطاب ملكي في 20 غشت 1972).

   وها هي داعش تعمل في حروبها عمليا، بحل ينطلق من القضاء، بالقتل على الثلث الفاسد، عملا بالمذهب المالكي، الذي يعتبر عقيدة للطائفة السنية، التي يتشبث بها المغاربة.

   الإشكالية، هي أن الملك الحسن الثاني، كان مضطرا للاستنجاد بالجانب التصفوي عند الإمام مالك، بعد التجربتين الدمويتين التي عرفهما المغرب، في أحداث الصخيرات سنة 1971، والهجوم على الطائرة الملكية في غشت 1972، عشرة أيام قبل أن يدلي الحسن الثاني بهذا التصريح الاستنتاجي.

   بصرف النظر، عن الجهل المطلق، بالدوافع العقائدية التي كانت في يوليوز 1972 بالصخيرات، أكثر دموية من الطريقة التي مارستها داعش، في القتل.

   في الساعات الأولى من حفل الصخيرات يوم عاشر يوليوز 1971 تم اغتيال النخبة المتميزة، من أقطاب الجيش الملكي، الجنرال بو الحيمز، الجنرال الغرباوي، الكولونيل المكي، الجنرال النميشي، الجنرال المذبوح، ورئيس الحكومة أحمد باحنيني، والجنرال عبد الحي، وجرح بالرصاص فالتين من الموت، الدكتور الخطيب، والسياسي بن الحسن الوزاني، وطبعا، تم اغتيال المئات من ضيوف الملك، لم يقتلوا كضحايا داعش على مدى السنتين الماضيتين، ولكن في يوم واحد.

   أما بقية الذي أعدموا ثلاثة أيام من بعد، بعد أن جاء ملك الأردن، الحسين، في إطار التحالف العربي(…) ونصح الحسن الثاني بالتخلص من المسؤولين عن هذه المجزرة، وكان الجنرال القوي وقتها، أوفقير، أياما قليلة من بعد المجزرة، يتعشى في البيت الصيفي لرئيس الحكومة العراقي(…) وبحضور الناجين من أصحاب الملك، إدريس السلاوي، وحسن اليوسي الضابط العسكري، وكلهم يضحكون، وأوفقير يحكي لهم كيف تم إعدام نخبة أخرى من كبار الضباط، الجنرال حمو وكان بين اللحظة والأخرى المتخللة لإطلاق النار عليه، يصيح عاش الملك، ثم ينظر إلى الجنرال أوفقير ويقول له يا سيدي محمد، والجنرال مصطفى امحراش، الذي طلب أن يسمح له بالصلاة قبل إعدامه، والجنرال بوكرين، والجنرال حبيبي، والكولونيل الشلواطي، الذي شتم رئيس الحكومة العراقي قبل إعدامه، وسليل العائلة الثورية المنوزي، الذي كان يصيح “الله ينعل والديكم”، واليوتنان الفنيري، الذي كان مربوطا إلى خشبة الإعدام، وهو ميت، بعد أن كان في الليلة السابقة أثناء الاستنطاق، قد مات تحت التعذيب، فأحضروه ميتا ليربط في خشبة الإعدام، ليظهر فيما بعد، أن كثيرين منهم كانوا ضحايا تصفية حسابات، من قبيل الجنرال مصطفى امحراش الذي كانت جريمته، أنه في اليوم الذي سبق الهجوم، كان واحد من منظمي المجزرة، الكولونيل الشلواطي، في مكتب القيادة، وأراد الاتصال تلفونيا بشريكه في التنظيم، عبابو، فدخل مكتب الجنرال مصطفى امحراش، الذي كان غائبا، واتصل تلفونيا من مكتبه.

منظمو العملية إذن، لم تكن لهم دوافع عقائدية ولا ميول مذهبية.

   فقد حكى ضابط آخر في محضر، أنه ليلة الهجوم، كان ساهرا في بيت الكولونيل الوزاني، وكان آخرون حاضرون يلعبون لعبة البوكير، القمار، إلى الساعة الواحدة من صباح يوم الهجوم، وأن الشلواطي، خسر عدة ملايين، دفعها على مائدة القمار، بالعملة الصعبة.

   أما الكولونيل القتال الذي كان يعطي الأوامر للجنود، بإطلاق النار على كل ضيوف الملك، فقد شاهده أحد الضباط المتقاعدين، بامعروف، وهو يودع زوجته وأولاده الذين ركبوا الطائرة قبل الهجوم بساعات في اتجاه باريس.

   لا عقيدة ولا التزام مذهبي إذن، كان وراء المنظمين العسكريين لمجزرة الصخيرات، وإنما وكم هو مؤسف، أن أي كاتب أو باحث في المغرب لم ينجز بحثا جامعيا، ولا تعمق أحد في أسباب هذه المجزرة التي رد عليها الملك الحسن الثاني، بحتمية التفكير في استخلاص العبر، من المذهب المالكي السني(…) في تصفية الثلث، من أجل سلامة الثلثين الباقيين، والتي هي التفسير الوحيد للمخطط الذي تمارسه داعش في هذه الأيام.

   دوافع المجزرة الداعشية(…) في الصخيرات سنة 1971، خمسة وأربعين عاما قبل ظهور داعش، ربما فسرها الرجل الوحيد الذي عانى منها، ومن الضربة الجوية التي أعقبتها سنة من بعد، هو الحسن الثاني الذي قال: ((الأسباب الحقيقية، هي أن كل من بيده سلطة معنوية، كحركة سياسية، أو إدارية، من قضاة(…) وعمال، أو سياسية حكومية، كبعض الوزراء، أو سلطة عسكرية مهمتها الدفاع عن حمى البلاد، نرى أن كل قوة من هذه القوى، تنهار، فتكبو مرة تلو الأخرى، وعوضا من أن نرى في كبوتها، دواء ونستخرج منها علاجها، فإننا نراها تنزل على الباقي بالشتم والذم، والنقد اللاذع)) (خطاب 20 غشت 1972).

   لقد فطن بعض السياسيين والحزبيين إلى حقيقة الأخطار التي تهددهم، فأسسوا بعد مجازر الصخيرات، ما سموه بالكتلة الوطنية لتجمع بعض الأحزاب، طالبوا في بيانهم التأسيسي بدستور ديمقراطي، ثم نسوا كل شيء بسرعة وأصبحت كتلتهم في خبر كان، والأحزاب المشكلة لتلك الكتلة اندثرت مع رياح الأيام.

   أما القضاة، والعمال ورجال السلطة، وبعض الوزراء، ممن تنسيهم مناصبهم مسؤولياتهم تجاه الشعب، كما حملهم الحسن الثاني، المسؤولية لما جرى، ولما قد يجري فقد بقوا بين كبوة وأخرى، لتبقى الأجيال الوارثة(…) لهذه الأخطار، تتفرج على أسلوب الشتم والذم، والنقد الفارغ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!