في الأكشاك هذا الأسبوع

رسالة عاجلة وهامة إلى السيد وزير الداخلية

بقلم: رمزي صوفيا

   منذ مدة قصيرة كتبت مقالا حول مركب محمد الخامس تحت عنوان يتمناه اليوم ملايين البيضاويين، ألا وهو إغلاق هذه المؤسسة الرياضية الضخمة، وقبل المقال المذكور، كنت ومنذ سنوات وسنوات قد كتبت عدة مقالات حول هذا المركب الذي اختار له مهندسوه أن يتواجد بأهم منطقة في العاصمة الاقتصادية للبلاد، وفي كل المقالات التي كتبتها من خلاصة الواقع المعاش والأحداث التي أعاينها وأعيشها بنفسي، كنت دائما أطرح بلسان كل سكان المناطق المجاورة لهذا المركب كل تلك الأحداث الإجرامية التي فاحت روائحها اليوم حتى خارج المغرب وليس بين المغاربة فقط، كل المدن والقرى القريبة والنائية، وفي كل مقالاتي واظبت على طلب إنشاء مركب جديد خارج المدار الحضري للدار البيضاء اعتبارا للظروف التي تواكب تنظيم أية تظاهرة رياضية في مثل هذه المركبات، وحتى لو كانت الجماهير الرياضية التي تحج باستمرار لمتابعة المباريات الكروية تمتاز بالهدوء، وهذا ليس سوى حلم لن يتحقق، فإن مجرد وجود عشرات الآلاف من الناس في مكان واحد، وفي لحظة واحدة، يعتبر لوحده كافيا لتحويل حياة سكان وتجار هذه المنطقة إلى عذاب في عذاب، بسبب التلوث الهائل للجو من جراء أدخنة السيارات والدراجات النارية، ومن جراء الاكتظاظ والزخم والضوضاء التي يحدثها وجود عدد هائل من البشر في مكان وفي زمان واحد، هذا حتى لو تميزت تلك الآلاف بالتهذيب وجودة التصرفات، فما بالكم وما بالنا وما بال المسؤولين عن أمن وسلامة المواطنين والمقيمين وزوار المغرب، ما بال كل هؤلاء بالحالة الغابوية المرعبة التي تصبح عليها منطقة المعاريف المسكينة، وسكانها المساكين، وتجارها المساكين، خلال وبعد كل مباراة في كرة القدم يحتضنها هذا المركب.

   لن أذكر ما حدث، لأن عددا كافيا ووافيا من الجرائد الوطنية قد كتبت عن حقائق ما جرى في الديربي 119 بين الفريقين العميدين بالدار البيضاء الوداد والرجاء، كما أن عددا كافيا وشافيا من البوابات الإلكترونية قد بثت بالصوت والصورة نسبة فقط من الأحداث الدامية، التي وقعت، نعم الدامية وليس فقط الإجرامية التي أحدثها جمهور الفريقين البيضاويين. أقول أن ما تم بثه ونشره هو جزء من كل وليس كل ما حدث، لأن الذي عاشه سكان وجيران المنطقة القريبين والبعيدين يفوق الوصف، ما حدث يعتبر ناقوس إنذار يجب أن يدق لإيقاظ ما يمكن إيقاظه وتنبيه من يجب تنبيههم لمستقبل كفيف من شباب خطيرين، فعندما يتم استعمال الحجارة لرشق رجال الشرطة، وعندما تنقل البوابات الإلكترونية المرئية سيارات الشرطة وهي تفر هاربة من هجمة جمهور تحول في لحظة واحدة إلى ما يحيل على عصر السيبة، فماذا يمكننا أن نقول إلا لا حول ولا قوة إلا بالله.

   إن الشيء الذي يجب أن يدركه المسؤولون في كل القطاعات ذات الارتباط بهذا المركب ومصائب مباريات هذا المركب هي أن حقوقا هائلة تضيع وأن نسبة من المواطنين تتضرر، فمن يحميها إن تحميها الدولة ويحميها هؤلاء المسؤولون. إن الضرائب لا ترحم تجار وأصحاب محلات هذه المنطقة ولا تعفيهم من وجيبة يوم كامل من الإغلاق، هذا إذا لم يتم تخريب محلاتهم دون تعويض من أيه جهة، كما أن عددا هائلا من العائلات تغادر بيوتها هاربة بأرواحها وأرواح أبنائها بعيدا عن جمهور سائب وهائج لم يعد يحترم حتى من يحمون أمنه وأمن وطنه، ألا وهم رجال الأمن.

إن عددا هائلا من الناس الذين لم يجدوا مكانا لركن سياراتهم قد وجدوها عبارة عن بقايا سيارات بعد تهشيمها من شباب هائج تحول في لحظات إلى كواسر تعيث فسادا دون خوف أو احترام لأية جهة.

   والتقدير كل التقدير لوالي الدار البيضاء السيد خالد سفير عندما استدعى رئيسي الفريقين المتناحرين محمد بودريقة وسعيد الناصيري وأبلغهما غضب وزارة الداخلية واستعدادها لاتخاذ عدة تدابير زجرية على إثر ما حدث من جماهير فريقيهما. والتقدير كل التقدير لمجهودات رجال الأمن الذين شاهدناهم جميعا وهم يستميتون في القيام بواجبهم النبيل رغم تعرض بعضهم لإصابات بليغة من شباب لم يعد له وازع وطني ولا ديني.

   وباسم آلاف المتضررين على مدى عدة مباريات، وليس فقط الديربي الأخير، وباسم الروح الحضارية التي يجب أن تعطيها أكبر وأغنى مدينة مغربية، وباسم سمعة المغرب والمغاربة التي ظلت على الدوام عنوانا للاستقرار الأمني والهدوء، واحترام القانون، فإني أناشد السيد وزير الداخلية الأستاذ محمد حصاد، الوطني الغيور الذي أبلى البلاء الحسن في كل المناصب التي تقلدها، والذي ظل طيلة مساره المهني الموفق مثالا للرجل المناسب في المكان المناسب لأنه عمل دائما بمبدإ تقديس الصالح العام لوطنه والإخلاص لواجباته المهنية، أناشده أن يبذل كل ما بوسعه لإغلاق هذا المركب لتشييد مركب آخر في فضاء بعيد عن مدار المدينة الأكبر بالمغرب لأن مكانه لم يعد مناسبا للتطور الديموغرافي والعمراني والاقتصادي للدار البيضاء، حيث أن الاستثمارات في منطقة المعاريف صارت بمليارات السنتيمات ومن الحرام كل الحرام أن يعيش أصحابها من محبي وطنهم حالات متوالية ومنتظمة من الهلع على أرزاقهم. لقد صارت منطقة المعاريف عنوانا للتحضير والفخامة وموردا هائلا لمالية الدار البيضاء للدولة بأكملها، ومن غير المقبول أن تتعرض حقوق المستثمرين هناك لكل تلك الهجمات التي تمس بأبسط حقوق التجار وأصحاب المحلات.

   لقد آن الأوان لتحويل وجهة الجماهير نحو مكان يمتص فرحتهم قبل أن يمتص غضبهم لأني واثق كل الثقة من أن محاكمة شرذمة من المخمورين والهائجين لن تكون حلا جذريا يمنع حدوث مثل هذه المشاكل والفوضى مستقبلا، فطالما ظل هذا المركب وسط العاصمة الاقتصادية فلن يكون لمنطقة المعاريف من نصيب في النمو والهدوء والراحة والسكينة التي هي من أول حقوق سكانها ومستثمريها.

   فكفى والله العظيم كفى شغبا وهلعا وتدميرا للخلايا العصبية لأبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم اشتروا بيوتهم أو فتحوا تجاراتهم بمنطقة المعاريف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!