في الأكشاك هذا الأسبوع

إسلامنا المختطف.. في ذكرى خير الأنام

   تأتي ذكرى ميلاد المصطفى، والوطن مع مجموع الأمة يمران في لحظة من أحرج اللحظات، مع تباين حدة ودرجة الحرج حسب هذا القطر أو ذاك. تأتي هذه الذكرى لتسجل شهادة جديدة على التشوهات المزمنة التي تعرفها حالتنا الروحية وخطابنا الديني بشكل عام. تأتي هذه الذكرى لتستدعي سؤالا جوهريا متجددا: كيف حال إسلامنا قياسا إلى الإسلام الذي بُعث من أجله المصطفى ودعا إليه الناس وأرشد الرعيل الأول إلى بلاغاته ومضامينه ومعانيه؟

   كيف سنقيس حرارة إسلامنا، كيف سنقيس المسافة بينه وبين إسلام محمد صلى الله عليه وسلم. ذاك هو السؤال الأول الذي تقتضيه خطوات الإجابة على سؤالنا الهام. فلتكن خطبة الجمعة باعتبارها تجسيدا ساطعا للخطاب الديني الرسمي، ذلك المقياس!

كانت مضامين خطبة الجمعة في إحدى مساجد عاصمة المملكة، في الموعد تماما، مع ظلال الذكرى المشرقة البهية !

   أسهب الخطيب في سب ولعن “الغرب والصهاينة” الذين ابتدعوا ثنائية: الإسلام المتطرف، والإسلام المعتدل. قائلا: إن الإسلام واحد، وإنما هناك مسلمون متطرفون ومسلمون معتدلون. لا بأس!

استمر الخطيب في صب غضبه على “الغرب”: نحن، إسلامنا طاهر. و هم يعيشون في الظلمات.

   لا تقف الحكاية عند هذا الحد، فالخطيب يُصر على إثبات وجود عقدة نقص لدى “المسلم” تجاه “الغربي” كما إنه حريص على إيقاظ نوازع و أحاسيس “الاعتزاز” لدى “المسلم” فيقول له ناصحا: يقولون لكم نحن “دولة متخلفة” أو “دولة أقل صاعدة” وهم “دول متقدمة”.. لا أيها “المسلم” لا تصدق هذه الأكذوبة.. أنت الصاعد دوما.. وهم “نازلون” حتى وإن  وصلوا إلى القمر!

   تذكر الخطيب فجأة “الثورة الشيوعية” معلقا بصراخ: ويتحدثون عن “البروليتاريا” و”البيروقراطية” (هكذا!)، وهي كلها مصطلحات مادية، ويتحدثون عن الأنوار.. يا “جهلة”! أنتم لا تعرفون رسول الله.

   إنها مضامين ناطقة بدون تعليق، خطاب تغشاه المفارقات والمغالطات حتى النخاع، رسائل تشد أي مستمع، فاقد لحاسة النقد، إلى مزيد من التطبيع مع التخلف. ويجب أن يفهم القائمون على ترويج هذا الخطاب أن انتسابنا إلى الإسلام لا يعني البتة أننا متحضرون أو متقدمون أو زعماء العالم وأولياء على البشر والناس أجمعون، بل المطلوب منا أن نتعلم ونتتلمذ لنكون في المستوى المأمول.

   إن اللغة الموظفة في الخطاب التي تنضح بآفة الاستعلاء والافتراء والاحتقار بناء على الانتماء. إنها لغة تُفرز سلوكات تشذ عن روح السلم والتعايش وقبول الآخر – كما هو وكيفما كان- بل إنها – ودون قصد صاحبها، مع الأسف الشديد- تعطي للمُتلقف المغفل الذي يستبطن منطقها الحدي الثنائي (نحن وهم: هم لا يؤمنون بما نؤمن؛ إذن فهم يكرهوننا، إذن هم كفار، هم جهلة، مشروعية الانتقال إلى الدم والإرهاب. وهذا فحوى كلام  فولتير: إن الإنسان الذي يقول لي: آمن كما أؤمن وإلا فإن الله سيعاقبك، سيقول لي الآن آمن كما أؤمن وإلا سأغتالك (ول ديورانت. “قصة الفلسفة”. ص:184. مكتبة المعارف، بيروت)

   إذا كانت خطبة الجمعة قد ساقت ذات خطاب في سياق ذكرى ميلاد المصطفى. فإن الإسلام الحق الذي جاء به المصطفى قد تم اختطافه. إنه لا سبيل للوقوف على حقيقة الإسلام إلا بالعودة لفهم الرعيل الأول له في بواكيره الأولى، إن الإسلام الحق لم يكن مهجوسا بشتم الآخر، لمجرد أن له رأيا مختلفا، بل كان معنيا أساسا بخلخلة بنية الظلم والطغيان إذا كان الآخر محاميا لها، كان مهموما ببناء نموذج مفارق سام في العلاقات الاجتماعية. بكلمة، إنه كان مشدودا إلى بناء خُلقية إسلامية إنسانية تقوم على العدل أولا وأخيرا، وتكون الشعائر التعبدية لها بمثابة حصن يقوم بتمنيعها وتعميقها في نفوس الذين اختاروا اعتناقها. لنقف على ماذا فهم الرعيل الأول من دروس معلمهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم، عند إسلامنا البهي إسلام الصفاء، قبل أن تظهر أي سلطة أو مغنمة، قبل أن يُختطف! بعدما هاجر المسلمون الهجرة الثانية إلى الحبشة، لعله في أواخر السنة الخامسة من البعثة، لحق بهم سفيري قريش (عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة) ليطلبوا من النجاشي أن يردهم.

   أبى النجاشي أن يفعل حتى يسمع ما يقولون، وبعث في طلبهم، فلما جاءوا سألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به ديني و لا دين أحد من هذه الملل؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، قال: “أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان.

   وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا. وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – وعدد عليه أمور الإسلام – فصدقناه به واتبعناه على ما جاء به من الله” (محمد حسين هيكل. “حياة محمد”. ص: 136. الطبعة العشرون. دار المعارف).

 أيوب بوغضن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!