في الأكشاك هذا الأسبوع
47414514

الحوار السياسي الذي مات مع محمد الخامس والحسن الثاني

.. عندما كان وزير الداخلية يتكلم بالأمازيغية

بقلم: مصطفى العلوي

   خرج الباحث الصحفي، محمد حفيظ، من دهاليز صمته الطويل(…) وكأنه يخرج من بين صفوف الجماهير الكادحة والنخب المناضلة التي انضمت بدورها إلى جماهير المفعول بهم(…) الصامتين أو الخائفين، ولا مبالغة في القول، بأن كل مفكر في هذا الوطن، أصبح عضوا منتميا لحزب المفعول بهم، وها نحن نرى أن السماء نفسها غضبت عليهم، ولم تستجب لصلوات الراغبين في الغيث، بعد أن رخص لهم بواسطة بلاغ من التشريفات الملكية، بأن يرفعوا أصواتهم(…) طالبين نزول المطر، وربما كانت السماء، كما في أيام السلطان مولاي إسماعيل، ستغرق أصحاب الأصوات المرفوعة عندما كان السلطان وسطهم حافي القدمين، كما كتب المؤرخون.

   ولنرجع إلى الكاتب حفيظ، وقد كشف عن جانب آخر من المنغصات التي نعيشها، وقال وهو يتحدث عن السياسة الريعية(…) التي نعيشها ((إننا أمام مشاركة في الحكم وليس في الحكم(…) وإذا كان الحسن الثاني، يتصل بشكل مباشر مع زعماء الأحزاب، بحكم معرفته بهم، فإن الاتصال اليوم يكون عبر وسيط)) (القدس. 21 دجنبر 2015).

   والواقع أن حفيظ كان يتكلم أمام ندوة عقدتها جماعة العدل والإحسان السبت الماضي، حول “مغرب ما بعد دستور 2011″، لوح فيها أحد مسؤولي الجماعة، أحرشان ((بأن موجة ثانية من أحداث 20 فبراير هي ولا شك قادمة، إن في سياق سلبي أو سياق إيجابي)).

   وكان طبيعيا أن تهتم جريدة القدس بهذا المنطق الجديد، مادامت الصحف العالمية، لم تبق تجد ما تنقله عن المغرب، لهذا تجرنا مقارنة الباحث حفيظ، إلى ذلك الماضي الذي قال عنه، إن الحسن الثاني، يتصل مباشرة مع زعماء الأحزاب، مضيفا: بحكم معرفته بهم، وكأن حفيظ يجر المعلق(…) إلى التساؤل، عما إذا كان يواخذ خلف الحسن الثاني، ولده محمد السادس، لا يجد من يستحقون أن يتعرف عليهم من قادة الأحزاب الحالية، وقد أصبحوا أقرب ما يكونون إلى أشياخ الطريقة.

   والتلميح إلى معرفة الحسن الثاني بقادة الأحزاب، يحتم علينا مراجعة ذلك التاريخ المجيد، لتقاليد الحوار المفتوح، التي ولدت في عهد أبيه محمد الخامس، حين كان محمد الخامس يجتمع مع الفاعلين السياسيين، بحضور ولده مولاي الحسن الذي لم يكن غير متفق مع أولئك الفاعلين السياسيين، بل كانت جرأته، وثقافته تجعله غير متفق حتى مع أبيه.

   وعدم اتفاق الحسن الثاني مع أبيه، كان هو الجرأة بعينها، لذلك لم يكن الحسن الثاني يفاجأ عندما يواجهه أعوانه ومحاوروه، ببعض الجرأة، حتى من طرف صديقه الحميم، أحمد رضى جديرة، الذي كان في بداياته وخلال السنوات الأولى من الاستقلال، يحضر الاجتماعات والمناقشات بصفته فقط صديق الملك، منذ أن كان صديقا لولي العهد.

   والعظمة تكمن في الأمير أو الملك، الذي يتمتع ويمتع وطنه بنتائج الصراع الدائم بين رفاقه ووزرائه، وقد ضحك الحسن الثاني مرة حتى سقط على قفاه، عندما لاحظ مشادة كلامية عنيفة، بين مدير ديوانه الفقيه عواد، وصديقه أحمد رضى جديرة، وعندما سأل شاهدا كان معه حاضرا أثناء سماع المشادة، أجابه قائلا: ألا تعرف يا سيدي أن جديرة رباطي، وعواد سلاوي، وأن الأطروحة الشعبية تقول: حتى لو أصبح واد أبو رقراق حليب، فإن السلاوي لن يكون للرباطي حبيبا.

   وحين كان الملك محمد الخامس، يقطب بأصابعه، قبل تقطيب حواجبه، كلما سمع ولي عهده مولاي الحسن ينتقد الحكومة التقدمية التي شكلها محمد الخامس بقيادة رئيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عبد الله إبراهيم، يذكر أعوان ولي العهد مولاي الحسن، أنه لم يكن يجرؤ على التعبير عن رأيه بمحضر أبيه، والاحترام هو كنز من كنوز القصور، فكان صديقه جديرة.. من باب وفاء الصديق لصديقه، ينقل للأصدقاء الآخرين والمقربين مشاعر ولي العهد، الذي كان جلساؤه مرة ينتظرون مجيئه، وكان وزير الداخلية مبارك البكاي حاضرا، والدكتور الخطيب، ومحمد الشرقاوي، بارك الله في عمره، وطبعا جديرة، وهو يشرح إشكالية عدم اتفاقه مع الملك محمد الخامس، المتشبث بحكومة عبد الله إبراهيم: ((ليخرج جديرة قلمه من جيبه، ويلوح به قائلا: لو كان الأمر يتعلق بي لقلبت الأوضاع بقلمي هذا…)) (مذكرات أحرضان).

   أكيد، أن المستشار والصديق(…) أحمد رضى جديرة، وكان فرنسي التكوين، لسانه قد ذراعه، وقد تيقن أن عهد المخزن التقليدي قد ولى، وإلا لو كان محمد الخامس لم يتخلص من التقاليد المخزنية البائدة، لكان قد خصص للمستشار جديرة، فصلا من القصة المخزنية التي رواها يوما أخ الحسن الثاني الأمير مولاي عبد الله وقد حكاها في جلسة حضرها المحجوبي أحرضان: أن أحد السلاطين القدماء، كان راكبا على فرسه يعبر واد فاس، حينما جرف التيار حصان السلطان الذي سقط في الماء، فجره أحد المخازنية، لينقذه، ودخل السلطان إلى قصره، وأقام المخزنية، ثم نادى على المخزني الذي أنقذه، وقال له: هات تلك البندقية، وأطلق عليه منها رصاصة، وهو يقول: حتى لا يكون لأحد على السلطان فضلا.

   ولكن جديرة بقي متعنتا بجانب ولي العهد، إلى أن أزاحا عبد الله إبراهيم من الرئاسة، بعد أن أحاط مولاي الحسن قصر أبيه بالدبابات، وهو الحادث الذي لم يصدقه الكثير من قراء كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم”، وها هي أسفل الصفحة الفقرة التي كتبها الصحفي الفرنسي الذي حضر الحادثة، “روجي موراتي”، وهي الحادثة التي تبرز عنفوان الصراع السياسي الذي كان يعيشه المغرب، وطبع الحالة السياسية النشيطة التي واكبت استقلال المغرب.

   أهم من هذه الحادثة، ذلك اليوم الذي سمع فيه الملك محمد الخامس، عن اتفاق ولي عهده، مع الدكتور الخطيب، والمحجوبي أحرضان، لتأسيس حزب الحركة الشعبية، التي انطلقت مواكبة لها عملية التمرد العسكري الذي أعلنه عامل إقليم تافيلالت عدي وبيهي.

   ((فاستدعى محمد الخامس، الدكتور الخطيب، ذات ليلة فوجئ فيها الخطيب بالكومندان ميمون، ياوور محمد الخامس يستدعي الخطيب في العاشرة ليلا، ليقول محمد الخامس للخطيب: أرجوك أن تضغط على مولاي الحسن أن يبقى بعيدا عن الخلافات الحزبية.. وانحنى الدكتور الخطيب للاستجابة، ولكن محمد الخامس أمسك به وقال له: هل تعرف أني طلبت من مولاي الحسن أن يصبح ملكا، بدلا عني، وأنه رفض، هل تعرف لماذا، لقد قال لي: هل تريد أن تعطيني الحكم وهو كسيارة مكسرة، لأسقط بها في حافة)) (مذكرات أحرضان).

   وقد يظهر للقارئ المتعمق، أن السياسة في عهد محمد الخامس، كانت محصورة في ولي العهد والبكاي والخطيب، لننسى أقطاب المعارضة، وكان على رأسهم المهدي بنبركة، ويذكر رئيس الحكومة البكاي، أن أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال دخلوا عليه بقيادة المهدي بنبركة، وأبو بكر القادري، والفقيه غازي، ليؤكدوا له أن الحزب لا يعارض في تسمية القطب الأمازيغي الحسن اليوسي وزيرا للداخلية.

   وبعدما تم تعيين الحسن اليوسي وزيرا للداخلية، كان المشكل الوحيد الذي واجهه في شأن طريقة تعامله، حين كان اليوسي، كثيرا، ما كان يتكلم بالأمازيغية في أغلب محادثاته. ومرة كان علال الفاسي وعبد الرحمن اليوسفي، ولازال حيا بارك الله في عمره، حين تضايق علال الفاسي من اللهجة التي يتكلم بها وزير الداخلية، فقال له عبد الرحمن اليوسفي ((إنه يتكلم باللهجة التي يريدها، وليس مخطئا، المشكل هو أنه عندما يتكلم بهذه اللهجة مع القبائل فإنه يحيي عند السامعين la voix de démon (يعني روح التمرد) وهو شيء يمكن أن يشكل أزمة، لكن شريطة ألا يكون هناك خلط)).

   كلام اليوسفي وكان في ذلك الزمن، كما بقي دائما، نموذج التعقل والاتزان، كان يختلف كثيرا عن رفيقه المهدي بنبركة، الذي كان أيام محمد الخامس، عضوا في المجلس الاستشاري والذي كان يقوم بمحاولات لاستقطاب الدكتور الخطيب وأحرضان، في إطار تقريبه لقدماء المقاومة وجيش التحرير، وكتب أحرضان أنه عندما بدأ يقتنع بفكرة المهدي، فإنه عاد لتخوفه، عندما قال له المهدي: إن السياسة ليست رقصة فولكلورية، إن السياسة غابة، وفي الغابة يمكن أن يتعرض الإنسان للافتراس، لذلك علينا تفادي ذلك الخطر باختيار المواقع الأمينة.

   أحداث عند الرجوع إليها كما هي مسطرة في تاريخ المغرب المعاصر، تصطدم في عصرنا بالجمود المشابه لسكون الموتى الذي يهيمن على المقابر في منتصف الليل، رغم أن المقابر تجمع في أحشائها جثامين القتلة والمقتولين.

   تصوروا أن برقية من بضعة سطور، كانت سببا في نقاش سياسي كبير، جمع الملك والأحزاب، حينما استدعى الدكتور الخطيب يوما صديقه أحرضان، وقال له: ما هذه المصيبة، أرسلت برقية تهنئة إلى رئيس الاتحاد المغربي للشغل المحجوب بن الصديق، لقد كلمني مولاي الحسن عندما قرأ خبر برقيتك في جريدة “الرأي العام”، وغضب وها هو قادم عندي.

   وفعلا، دخل مولاي الحسن بيت الدكتور الخطيب، ومعه أخوه الأمير مولاي عبد الله، والأمير مولاي الحسن بن إدريس، ومدير الأمن الاغزاوي، لتتم مساءلة أحرضان عن دوافعه لإرسال برقية تهنئة إلى المحجوب الأقرع، وكان المحجوب قد انضم للمهدي بنبركة، وعبد الرحيم بوعبيد، بعد انفصال الاتحاديين عن حزب الاستقلال، ليقول مدير الأمن الاغزاوي: وماذا فيها، البرقية عن الاتحاد المغربي للشغل، والمحجوب استقبله رئيس الحكومة، ثم يضيف أحرضان: إن علال الفاسي نفسه أسس نقابته الاتحاد العام للشغالين، ليجيب مولاي الحسن: أنه موقف صادم من طرف أحرضان في وقت الصراع النقابي، ويضيف الخطيب، ثم ان الحالة يا مولاي متأزمة وتحتاج إلى الانفتاح، ليجيبه ولي العهد: سيرو عند الملك وقولوا لو هادشي (الحوارات كلها من مذكرات أحرضان).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!