في الأكشاك هذا الأسبوع

وصاية مؤسسة وزير الدولة على مؤسسة الملك..

عندما رأتها “السي. آي. إيه” لعبة خطيرة قادها الملك الحسن الثاني في السر

   رأت الأجهزة التي حافظت على الدولة ووازنت نفوذ البصري وقربه الشديد من الحسن الثاني أن المغرب طغت عليه قبل تسليم العرش للملك محمد السادس علامات ضعف.

   أولها، مواصلة العمل باتفاق هيوستن لتأكيد خيار الاستفتاء، والنظام يعيش فترة انتقال بين ملكين ونمطين في الحكم، فالشلل لم يكن في الخيار الذي قبله الملك الراحل، إنما في تطبيقه مع ملك جديد لم يختره ولا حدده حلا لقضية الصحراء.

    وثانيهما، بناء “الأمن الداخلي” لعلاقات وقنوات سرية بديلة مع الجزائر في مقابل “لادجيد” وباقي المكاتب العسكرية التي يدخل في اختصاصها الأمن الخارجي للمملكة.

   وأخيرا، تذويب الدولة في مؤسسة وزير الدولة التي شغلها وزير داخلية الحسن الثاني، وهو ما دفع بجريدة الأسبوع في عددها ليوم 21 فبراير 2000 إلى القول بوصاية مؤسسة وزير الدولة على مؤسسة الملك.

ظهر دهاء الحسن الثاني في عدم تأدية فوج عمال البصري وولاته الأخير للقسم كي يتمكن ابنه وخلفه من المبادرة وعزل من يريد في أي وقت

   كان البصري يلعب على هامش قرار الحسن الثاني ولا يصنعه بالضرورة، ففوزه في الجزئيات طبع قوته بالخديعة واختار الملك الراحل، كما تقول تقارير المتابعة الأمريكية أن يختزل أمن بلاده بين مؤسسات دولة تقدمتها وزارة الداخلية التي فككت ومنعت (الانقلابات العسكرية) المحتملة في مرض الملك، ثم الجيش  الذي وضع تنسيق مختلف مكاتبه تحت إدارة ولي العهد.

   وقاد الحسن الثاني مرحلة مرضه وانتقال العرش بين من قاد انقلابات سابقة، وبين من أجهضها كي يقتل الحركة، ويضمن الملك لابنه هامش المناورة الذي يريد، فاختار انتقالا سريعا قاده جنرال عمل لفترة في الخارج، وليس له جذور في لادجيد أو الداخلية.

   وتصرف الجنرال لعنيكري في انتقال الديستي والأمن الوطني ثم القوات المساعدة إلى مرحلة إدارية أخرى قبل أن تنتهي مهماته “الانتقالية” لأن العوائق كانت في الدرجة “صفر”.

 

 وثائق “السي. آي. إيه” لعام 1998 (15 يونيو) أكدت أن ما يدعى صناعة البصري للبرلمان المغربي خدعة فالوزير لم يتمكن من تمرير اتفاقية هيوستن في هذه المؤسسة

   لم تكن خيوط اللعبة خارج الأصابع العشرة للملك الحسن الثاني، وبيدين بطبيعة الحال، ورأت وثائق “السي. آي. إيه” أن ما يدعى صناعة البصري أو ترتيبه للبرلمان المغربي خدعة، فالوزير “لن يتمكن من تمرير اتفاقية هيوستن في هذه المؤسسة”، وما يدعى الثقة العمياء بين الملك ووزير داخليته “مناورة” أيضا.

   وعاشت الحروب الصغيرة للأجهزة الكثافة الضرورية قبل موت الحسن الثاني، وغطت التفاصيل الحقيقية لانتقال العرش، وانهالت الصحافة على عهد الملك الأب لإطلاق عهد ابنه، ومات الحسن الثاني أسلوبا بإقالة البصري.

   تقول وثائق “السي. آي. إيه”، حافظ الملك الحسن الثاني على توازنات صنعها بيديه، دون أن تعرف يمينه ما صنعت شماله، وأخذ وزير الداخلية قوته من ظل الملك، ولم يتمكن من صناعة مؤسسة يعتمد عليها، وآخر من اعتمد في عهد الحسن الثاني على “جهازه الخاص” هو الدليمي، وفشل الأخير في إدارة التنسيق، وذهب في حادثة سير .

   ووضع الملك محمد السادس حراسة مشددة على إدريس البصري حماية لحياته كي لا يعتبر دمه أزمة أخلاقية في بداية عهد ملكي آخر.

   وبالمطلق لم يعمل وزير داخلية الحسن الثاني على تقويض سلطات النظام بل عززها، وبقي موظفا أو خادما للعرش لا غير، وبدت شبكته “غير عسكرية ومهلهلة إلى حد بعيد”.

   وجاءت انتقادات القيادات المتوسطة للديستي “قوية” ضد قائدهم، فاكتشف المجتمع الاستخباري العالمي، إلى أي حد كانت “الأجهزة المغربية بعين واحدة”.

   وسمت الصحافة وزارة الداخلية بالإمبراطورية، لكنها لم تكن أقوى من الديستي في بداية نشأتها وقد أدارت القرار “السري” في كل الدواليب المدنية والعسكرية.

   وحسب ما نشرته “الأسبوع” فإن “ملازمة المرض للملك الراحل رحمه الله طيلة الثماني سنوات الأخيرة” حالة مؤكدة، “وكان انشغال المرحوم بصحته جعلته يقبل وبدون تحفظ أو تردد بكل ما كان يقدم إليه من طرف وزيره في الداخلية”.

 بوستة في لقاء إفران رفض حكومة تناوب يقودها حزب الاستقلال، لكن الحسن الثاني قال: “لن تكون هذه الحكومة”

   كان الحسن الثاني يقود مناورته المفتوحة في الحكم بما يريك أي مؤسسة تخدمه، ولن تخدم غيره لطبيعته في المناورة. والمؤسسة التي لا إرادة لها على العرش لا يمكن وصفها بالقوية، وسمع الملك الراحل انتقادات حول وزارة الداخلية، وكان رجاله فيها أقوى من تأثير البصري.

   هذه الحقائق التي كشفتها وثائق خارجية ترى أن تصفية رجال العمليات الخاصة (بين 15 و20 حالة موثقة بين الأجهزة الزميلة) في جهاز الديستي، خدمت الجهاز ولم تخدم البصري لأنه كان معرضا لنفس المصير.

   تقول وثائق (18 يونيو) إن رفض بوستة لحكومة تناوب يقودها حزب الاستقلال لم يكن شيئا معتبرا لأن المبادرة غير جدية، أولا، لأن بوستة وزير خارجية سابق، ولا يمكن عودته إلى الوزارة الأولى؛ وإدارته لملف الصحراء التي أراد الحسن الثاني أن يكون “باردا” إلى حين انتقال العرش دون أن تلعب الأطراف الخارجية فيه خلاصة دولية، وفعلا جاءت هيوستن لهذا الغرض، وتمكن البصري من خلق قنوات سرية مع الجارة الشرقية تضمن “عدم التدخل الجزائري في شؤون انتقال العرش”.

ثانيا، لا بد من حكومة يسارية ترضي علاقاته مع اليسار الأوروبي.

اقترح ومنع الحسن الثاني، في نفس الوقت، حكومة لحزب الاستقلال في إفران مكان عقد اتفاقية حدودية حضرها مع بومدين، للقول للجزائريين أن المغرب يختار “تبريد الأجواء”

   في لحظة فارقة وبدهاء كبير، اقترح الحسن الثاني في لعبة مزدوجة: حكومة تناوب بقيادة حزب الاستقلال في إفران، فكان مكان عقدها رسالة إلى الجيران، حيث لم يسمح للاستقلاليين، المعارضين لاتفاقية إفران بين الحسن الثاني وبومدين بقيادة أي حكومة مطلقا في عهده.

   ويدعو حزب الاستقلال باسترجاع الصحراء الشرقية إلى عين صالح، وطلب من إدريس البصري خفض أي توتر مع الجزائر، ومنع استخبارات الجارة الشرقية من اللعب في المطبخ الداخلي للمملكة، وفي طمأنة إضافية قرر الوصول إلى اتفاقية تضمن (الثوابت) في الصحراء كي لا ينفجر الوضع العسكري في لحظة انتقال العرش، وجاء بعد اتفاقية هيوستن باليسار (الاتحاد الاشتراكي في شخص اليوسفي) الحليف لأوروبا لإتمام حساباته كاملة.

الصدمة: الحسن الثاني منع اندلاع حرب عسكرية مخطط لها تشغل الجيش عن إدارته لانتقال العرش، وتتركه لأطراف أخرى، ووقعت الرباط اتفاقية هيوستن مع البوليساريو لمنع هذا السيناريو

يتفق الجميع على دهاء الحسن الثاني، لكن ذكاءه المركب مع شخص البصري وصل حدودا غير مسبوقة.

   وتكشف الأسرار، التي تنفرد “الأسبوع” بنشرها الآن، أن الحسن الثاني منع اندلاع حرب عسكرية في الصحراء تشغل الجيش عن إدارته لانتقال العرش، وتتركه لأطراف أخرى، ووقعت الرباط اتفاقية هيوستن لهذا الغرض.

   وفي مناورة أخرى، قرر وضع خطة “ب” بمشاركة اليوسفي شخصيا، وتوقع الملك الحسن الثاني الأسوأ وعمل على تجنبه، وفي لحظة حاسمة، صنع الإعلام “بهرجة” حول الداخلية ضمن بها الهروب من كشف الترتيبات الأمنية التي قدرها الجميع، وقرر اليوسفي تكريم البصري كما طلب الملك الراحل.

ولم يعرف العموم أن الملك قبل رحيله، قرر أن يكون وزيره المريض أيضا مكرما.

الوزير المريض (البصري) والملك (المريض) قررا أن يديرا حربا وهمية بالداخل تمنع الخارج من استثمار الوضع الداخلي (إلا بالخطإ)، ومنع الرجلان حربا قررها الجنرال مدين في لحظة انتقال العرش

   دخل اليوسفي والبصري أسرار العرش المعقدة إلى درجة تكاتف فيها الرجلان في حسابات الدولة لـ 300 يوما قبل أن ينتهي الوزيران خارج دائرة القرار.

   ودعم عبد الرحمن اليوسفي إدريس البصري في “قنواته السرية” مع الجزائر لطمأنة الوضع في الجارة الشرقية ومنع أي مغامرة، وحسب بوتفليقة فإن الصفقة كانت مؤكدة مع خليفة الحسن الثاني تنهي الخلافات بتقسيم الصحراء، وإعادة أراضي 1979 إلى البوليساريو بسبب اتفاق ثنائي مع نواكشوط، فيما يعترف الجزائريون باتفاقية مدريد و”بإنجاز كل الاتفاقيات الموروثة قبل وقف إطلاق النار لإنهاء المشكل”.

   ناورت جميع الأطراف دون أن تندلع (الحرب) في جنوب المملكة، في لحظة انتقال العرش، وعرفت البوليساريو أن الفرصة الذهبية لن تتكرر، وفي لحظة فاصلة، وفي بيعة ضباط الجيش على وحدة المملكة من طنجة إلى الكويرة، قررت كومندوهات اقتحام الجدار الرملي، وتدخل الأمريكيون بدعم من بوتفليقة لوقف الانزلاق.

   وقالت الخارجية الأمريكية في مراسلة، سنحمي هيوستن، وأكد البصري مرارا عبر القنوات المفتوحة مع الجزائر أن الاستفتاء “ثابت من ثوابت الشرعية المغربية أيضا”، وبعد عزله بقي مؤكدا على هذا المبدأ إلى أن مات.

خوف الحسن الثاني “من أي حركة للجيش” أو معركة تشغله في لحظة انتقال العرش

   أدار الحسن الثاني تأمينات إقليمية وجهوية تمنع من شغل الجيش المغربي في لحظة انتقال العرش، وأدار ولي العهد التنسيق بين مختلف مكاتبه وقطاعاته  قبيل انتقال العرش إليه، وبعدها وبطمأنينة، انكشفت شبكة الأمان التي قررها الحسن الثاني مع نفسه ومع مدير “السي. آي. إيه”، ولم تذكر الوثائق التاريخ وباقي التفاصيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!