في الأكشاك هذا الأسبوع
بوسكورة

«ويكاند» في بوسكورة

بقلم: محمد بركوش

تغير كل شيء إيجابيا في«بوسكورة»، المدينة الواعدة كما يحلو للبعض أن يقول، بعد أن كانت إلى عهد قريب تواصل معجزة الحياة في ظروف قاسية، يقضي فيها المرء يومه ماسكا بالضياع لانعدام الشغل واتساع رقعة التهميش، وواقع مزر «يزكم الأنوف ويبكي العيون»، لا يشجع البتة على الاستقرار والتشبث بالأرض.

   اكتشفت الأسبوع الماضي في جولة ليست سياحية ولا ثقافية، ولكن جولة بمسحة إنسانية اختصرت في عيادة مريض من حجم طبيب كبير كان له الفضل في الحفاظ على أكبر مستشفى في مدينة مراكش الحمراء، وتزويده بأطباء أكفاء متفانين في عملهم، قلت اكتشفت أن بناء مدينة كان معبرا لأحلام وأمنيات ساكنة تتميز بالبساطة والقناعة أضحى واقعا يحسه المواطن هناك بسهولة ودون عناء، إذ الطرقات المؤدية إلى بوسكورة أصبحت تستدرج بقوة العالم المتحضر والمتمدن للتوغل أكثر ما يمكن في المزيد من الأماكن الحائرة من أمرها والمتدمرة من حالها، وتستقطب إن صح التعبير أعمدة النور – الماثلة للعيان- لتتصدى بضوئها وسَنَاها إلى جحافل الظلام الذي كان في وقت من الأوقات يخيم على الأرض المنحدرة أمام أعين كائنات ريفية بسيطة ليست متعجلة للحضارة والدخول في مدها أو نفوذها الذي يساعد على جمع السكان في إصرار تام على مجابهة التهميش، والرغبة في إطلالة قوية على عالم يتحدث فيه الناس بالجهر عن الانترنيت وغوغل، ويتدافعون فيه إيجابيا أمام المرافق الصحية والتعليمية وغيرها والمهيأة من قبل مسؤولين كبار دونما حاجة إلى ركوب المخاطر في رحلات مكوكية بحثا عن البقاء والحياة، على رأسهم رجل عبقري البساطة والتواضع كما يقال، ليس له من متاع العصر سوى العمل والتفاني فيه، والإخلاص لكل خطوة يقدم عليها، طبعا بعد مناقشتها واستشارة أصحاب الخبرة واعتمال مبدإ التشاركية، كما حكى لي أحد المسؤولين: رجل على رأس هرم السلطة فضل ركوب الصعاب والرهان على وضع استثنائي متميز لبوسكورة، بعد أن رسم استراتيجية واضحة تروم تحقيق فكرة المدينة النموذجية أو المثالية على أرض لم تكن في السابق قابلة بدخول المغامرة وتفتيت خيوطها السرية ولم يكن مسؤولوها السابقون يفكرون بجدية في خدمة الأمكنة وإعادة إحيائها بشكل متطور، خاصة وأن المنطقة تعتبر، كما يقولون، البوابة التي توصل إلى «كازا» الرئة اليمنى التي تتنفس منها العاصمة الاقتصادية.

   لقد أصبحت المدينة القائمة بذاتها بعد أن اختارت التنفس من تلك الرئة كجواد أصيل بناصية تحمل كل بشائر الخير (كما قال الشاعر أحمد لطف الله)، أو كلوحة عذراء لعبت بها ريشة فنان بارع يتقن حبك الظل بالألوان، قلت أصبحت بفضل جدية العامل وتفاعل كل الأطر والعاملين معه، وحضوره الفعلي المدعوم بتشجيع من المركز وموافقة رؤسائه على كل الخطوات الجادة، والتي يتمدد ظلها على قامة المسؤول الأول عن السلطة، نظرا لما يعرف عنه من «معقول» ووطنية ونكران ذات، واطلاع واسع بمجال المعمار الذي قضى به سنوات عديدة، وأصبح من الممكن اليوم وليس قبل اليوم الحديث باعتزاز وبثقة في النفس عن مدينة بكل ما في الكلمة من معنى ومن مدلول: طرق واسعة ومعبدة- مرافق في مستوى جيد، فرص شغل متاحة ومغرية – بنية تحتية عالية، لم تشهدها المنطقة من قبل- قنطرة كبيرة شيدت مؤخرا تربط من الجهة الغربية للدار البيضاء بالمدينة الخضراء حرصا على السلامة واتقاء للازدحام، خاصة وأن بوسكورة في «الويكاند» تعرف إقبالا منقطع النظير، ووفودا عديدة تحج إليها من «كازا» العملاقة وغيرها من المدن القريبة، للاستجمام واستجداء الراحة بالمدينة المحدثة وسط بوسكورة، والتي تضم بنايات راقية وحدائق رائعة وملاعب كولف شاسعة بشساعة عالم اللعبة، هذه الأخيرة التي لا تستهلك المياه العذبة ولا تحتاج إليها كما شرح لي أحد المهندسين لأنها، أي الملاعب، تدبر أمر سقي عشبها بشكل آخر (تصفية المياه العادمة).

   جو جميل شبيه بأجواء الربيع، حيث لا مطر ولا رياح، ولا شمس عاتية أغراني في ذلك اليوم، لذلك فكرت في المشي داخل الغابة التي تسيج المدينة كما يفعل الدملج مع المعصم وتمدها بإكسير الحياة، عساني أسترجع بعضا من توازني (بعد الزيارة التي قمت بها إلى المريض) بإصغائي إلى دبدبات الصمت النابغة من سحر المكان وهدوئه، أخذت أسير بهدوء وببطء وتثاقل حتى ليخيل إلي أنني أرتد إلى الخلف خوفا من نقطة الانتهاء، رائحة الشاي المطبوخ على نار هادئة (رغم المنع والحراسة المضروبة حفاظا على السلامة والأمن) تتزاحم مع عبير صباح يهب عبر سهوب مديدة، تستنشقها أنوف كهول وشيوخ يروضون عضلاتهم بحركات رياضية (بمنسوب أعمارهم) في تلك والفضاءات الممتدة على طول الغابة وعرضها، والتي أعدتها السلطة المحلية للساكنة في انتظار، كما قيل لي، أن تخرج بعض المشاريع المدروسة إلى النور؛ مشاريع من شأنها أن تخلق فرجة للصغار والصغيرات تشبعهم الحياة، وتدفعهم ليغنوا أنشودة أو أناشيد مشبعة بالأمل في المستقبل، في مقدورها صد تعبهم اللذيذ مع الدرس والتحصيل والازدحام على الطاولات.

   لم يخف على الزائر التطور الحاصل ببوسكورة والإضافة التي تمثلت في «المدينة الخضراء» التي أصبحت تشكل القلب النابض وسط المدينة الأم بفضل حرص العامل واستنفار كل الأطر على أن تسير الأمور بالشكل المخطط له، سواء في المعمار أو الهندسة أو التصاميم، وإن بنسب غير متعادلة، ولكن بعيدة كل البعد عن العشوائية التي تحيل على الماضي وتذكر به.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!