في الأكشاك هذا الأسبوع

برلنتي عبد الحميد تؤكد بأن عبد الناصر هو الذي قتل زوجها عبد الحكيم عامر

بقلم: رمزي صوفيا

   تصورت وأنا في طريقي إلى مسكنها إنني سأشاهد صورة من صور البذخ الأسطوري، و”الأبهة” التي تليق بامرأة قالوا: أنها كانت حتى سنوات قليلة هي التي تحكم مصر من وراء الستار، وتحرك الأحداث كما تحرك أصابع اللاعب الماهر خيوط عرائس الماريونيت.

   وترددت لحظات قبل أن أضغط بإصبعي “زر” جرس الباب.. لأستجمع نفسي قبل أن ألتقي بالمرأة التي تسبح في نهر الذهب..

  تطلعت إلى ساعتي.. كان موعدي مع “برلنتي” قد أزف، وكان علي أن أواجه المرأة التي شاركت زوجها جانبا من أخطر أحداث مصر في السنوات الأخيرة، وعاشت معه أيام سلطانه ومجده وتألقه، وشهدت قمة انتصاره على القوى المناوئة والحاقدة التي كانت تحيط به، وشهدت – أيضا- نهايته المأساوية الغامضة، وعرفته كما يعرفه إنسان من أقرب خاصيته.

لحظات قصيرة بعد أن ضغطت الجرس وكانت هي التي فتحت لي باب المسكن،

   استقبال دافئ ودود يشعرك منذ أول لحظه بأن البيت بيتك كما يقولون، ثم تستأذن لحظات، ربما لتغير ثوب البيت العادي جدا الذي كانت تريده وأدور بعيني في المكان؛ شقة صغيرة يمكن أن يسكن مثلها “رئيس قلم” في إحدى مصالح الحكومة، كل ما فيها يتسم بالبساطة والبعد عن الفخامة والأبهة.

   و”أنتري” عادي جدا، بل – وعفوا لقلة ذوقي- أن حشوه يحتاج لإصلاح سريع، وليس هناك “أركان باهرة” أو لمسات من الديكور، أو تحف فنيه، أو لوحات ذات قيمة.. كل شيء عادي جدا، بل وربما أقل من العادي.. ولكن المكان.. رغم ذلك يغمره دفء جميل: يوحي إليك أن من يعيشون فيه قوم سعداء وأن نبض الحب هو اللغة التي يتعاملون بها..

   قلت للفنانة “برلنتي عبد الحميد”، وأرملة النائب الأول لرئيس الجمهورية، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة المشير عبد الحكيم عامر.

من الذي يعيش معك اليوم “العش الهادئ”؟

قالت: الحب.. والذكرى.

   وأخذت رشفة من كوب عصير البرتقال واستطردت تقول: فأما الحب فلابني.. وابنه.. إنه قطعة منه.. وضعت فيه الطبيعة سرها الخارق العظيم.. الوراثة.. فهو صورة منه في كل شيء، كأنما أرادت أن تكون رفيقة بي، مسرفة في سخائها علي، فأعطتني هذا الابن الرائع الممتاز، الذي أخذ عن أبيه كل شيء، الملامح الجسدية، والسمات النفسية.. الرجولة.. العزة.. الاباء النخوة.. الذكاء.. الإشراق.. الحنان.. سمو النفس.. أن صورته.. وامتداده.

   وأما الذكرى فهي زادي.. وخبزي.. وصلاتي.. وعطر حياتي الباقي المقيم.. ذكرى أشهى وأحلى أيام العمر، وسنوات قليلة جاد بها الدهر، ولكنها تساوي عمرا بأكمله.

   إن العمر لا يقاس بعدد السنين، لكنه يقاس بمدى ما تحفل به هذه السنين وإن قلت من ممارسة خصبة للحياة، ومن تجارب ثرية، وعطاء وجداني عميق.

   قلت للفنانة برلنتي: أستأذنك في أن نمس جانبا من حياتك كان مثار كلام كثير، وتعددت فيه الأقوال والشائعات، وربما الاجتهادات أيضا، ومن حق القراء والناس أن يعرفوا الحقيقة فيه، لقد قيل أنك كنت تحكمين مصر من وراء الستار عندما كنت زوجة للمرحوم المشير عبد الحكيم عامر، وأنه كان لا يرد لك طلبا، وأنه كان يأتيك بوجبات الطعام الفاخرة بالطائرة من أفخم مطاعم أوربا، وبالملابس من كبريات دور الأزياء في باريس ولندن.. ما هي الحقيقة في كل ذلك؟

   لحظات صمت.. ومسحة ألم تعبر وجهها، وبعدها قالت برلنتي عبد الحميد: إن ما أريد أن أقوله هو أن أي حقيقة تصل ليست حقيقة، بمعنى إن أي حاكم هو صاحب السلطان على وسائل الإعلام، ومن خلالها يوصل الحقائق إلى الشعب، فإذا وصلت هذه الحقائق للشعب فإنها لا تكون حقيقية، ولهذا فإنني أقول لك غير صحيح إن الناس يعلمون عني الكثير.

   إن علاقتي بالمرحوم المشير عبد الحكيم عامر.. ذلك الإنسان العظيم، لم تكن علاقة زوج وزوجة عادية، ولكنها كانت علاقة عقلية وروحية، وفكرية، قبل أن تكون علاقة جسدية، إلى حد أنه تحدث عني إلى الرئيس جمال عبد الناصر فقال له عني: “لقد أغنتني هذه السيدة عن صداقة الرجال” وقد دفعت ثمن هذه الكلمة غاليا بعد ذلك.

هل طلب منك أن تعتزلي الفن؟

   طبعا، إنه رجل صعيدي وقد استجب له من فوري: لأن حبي له جعلني أسلم له نفسي تماما يفعل بها ما يشاء، لأنني بين يدين أمينتين.

يهمس البعض بأنك حصلت على الملايين، وأنك تتظاهرين بالضيق المالي لتغطية ثروتك الطائلة؟

   إنها إشاعات أطلقتها أجهزة معينه لمحاربة عبد الحكيم عامر، إنه يكفيني هنا أن أذكر لك أن ابني.. عمرو عبد الحكيم عامر ورث فدانين، ويحصل على معاش 21 جنيها في الشهر.

   سألتها هل لك أن توضحي للأمة العربية وللعالم ككل حقيقة وفاة زوجك المشير عامر، وأجابتني على الفور، إن مصر كلها تعلم أن الذي قتل عامر هو الرئيس عبد الناصر، حيث دس له السم بواسطة جواسيسه ومخبريه، وقاطعتها قائلا: “ولكن علاقة عبد الناصر بعامر كانت علاقة روحانية وعامر كان يحكم الجيش المصري بأكمله”، فقالت: ‘نعم، ولكن عندما أدرك عامر أن عبد الناصر سخر كل ما تملكه مصر لتدمير الأمة العربية، فدخل في حرب اليمن ثم أغلق قناة السويس وهو يدرك بأن العالم لن يسكت له وأسوأ ما فعله، هي الحرب مع إسرائيل وهو يعلم بأن إسرائيل متفوقة عسكريا على مصر فدمرت الطائرات المصرية واستولت إسرائيل على سيناء وغيرها من الأراضي المصرية، كل هذا وذاك صارح عامر عبد الناصر بوجوب التوقف عن التدخل في شؤون الدول العربية لكي يوجدوا للشعب المصري لقمة العيش والعمل ويكسوا العالم ككل”.

وعدت لأسألها: “هل لك أي دليل على ما تقولينه؟”.

   أجابت والدموع الغزيرة في عينيها: “إن الطبيب الذي حقق في وفاة المشير أكد لي أنه مات مسموما وتحقق من ذلك بأدلة مادية لا يمكن دحضها، وأطلعني على صورة التقرير الطبي الأصلي الذي يثبت ذلك”. وأضافت أنها تعرضت للاعتقال والإقامة الجبرية وحرمت من ابنها الذي أنجبته من عامر وأن جسدها تعرض للإذلال وأشياء أخرى لا تريد البوح بها خوفا من الفضائح.

ومرت السنين وبرلنتي عبد الحميد تعمل المستحيل لتربية ابنها عمرو من المشير حتى أصبح طبيبا، وتوفيت بمستشفى القوات المسلحة عن عمر ناهز 75 عاما بعد إصابتها بجلطة في المخ في ديسمبر عام 2010.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!