في الأكشاك هذا الأسبوع

مظاهر حب المغاربة للرسول صلى الله عليه وسلم

بقلم: إبراهيم والعيز

    إن حب المغاربة للرسول صلى الله عليه وسلم ولآل بيته الأطهار وصحابته الأبرار أمر واضح الدلالة لا يحتاج إلى برهان، يشهد عليه تاريخهم الماضي وحالهم الحاضر، ونحن في هذه المداخلة نحاول بحول الله رصد أهم هذه المظاهر لنضعها بين يدي القراء الكرام، حتى يتكون لديهم رصيد معرفي عن علاقة المغاربة بنبيهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن مظاهر تلك المحبة:

      1- عنايتهم المبكرة بالتدوين والتأليف في السيرة النبوية، خاصة الكتابة فيما يتعلق بشمائل الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته الخلقية- بكسر الخاء وسكون اللام- والخلقية-بضم الخاء واللام-، حيث يعرف القاصي والداني والقريب والبعيد من هذا البلد أن كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم للقاضي عياض رحمه الله، من أحسن ما كتب في الشمائل وعليه الاعتماد في جميع ربوع العالم الإسلامي في السيرة والشمائل النبوية.

  وعناية بهذا المصدر المشتمل على شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم بادر المغاربة إلى تأسيس خزانة بمدينة تازا لحفظه من الإهمال والضياع، ويوجد مقرها- إلى اليوم- بالمسجد الأعظم الموجود في المدينة العتيقة “تازة العليا”. وقد اتفق المؤرخون على أن هذه الخزانة تأسست على عهد الخليفة عبد المومن بن علي المؤسس الفعلي للدولة الموحدية لحفظ كتب القاضي عياض، وعلى رأسها كتاب الشفا، ولقد أعيد وجدد إنشاؤها على عهد أبي عنان فارس سنة؛ 757هـ، وفاء لحفظ كتاب الشفا من العهد الموحدي. وتاريخ هذه السنة مذكور ضمن أبيات شعرية لا زالت آثارها ظاهرة على جنبات إطار باب الخزانة القديم، جاء فيها:

      لي منزل بين الخزائن شامــــخ     قد خص من بيت الإله بمنزل

      حفظا لمجموع الشفا أنشئت عن    أمـر الخليفة فارس المتوكــــل

      في عام سبع بعد خمسين انقضت   ومئين سبـع في ربيــع الأول (1).

      2- احتفال المغاربة منذ وقت مبكر بالمولد النبوي، واتخاذهم هذه المناسبة عيدا رسميا. وفصول قصة الاحتفال بالمولد النبوي بدأت في المغرب منذ ما يناهز تسعة قرون على يد فقيه سبتة وإمامها أبي العباس العزفي، ولم يمض على مبادرته إلا قليل من الزمن حتى أصدر ولي أمر سبتة سنة؛ 691هـ قرارا باتخاذ يوم مولد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم عيدا رسميا تحتفل فيه الدولة والشعب جميعا، وتتوقف فيه الأعمال الرسمية كما تتوقف في الأعياد الدينية والأيام الوطنية (2).

   ولا يزال هذا الاحتفال يقام في المغرب إلى اليوم في مختلف المساجد والزوايا في الحواضر والبوادي، يحضره السلاطين والعلماء وكبار رجال الدولة وعامة الناس، مع ما يطبع الاحتفال بهذه الذكرى من أبعاد علمية كتخصيص دروس ومحاضرات تتناول دراسة أحداث السيرة النبوية، وبعض أخلاق وشمائل الرسول صلى الله عليه وسلم، مع تقديم جوائز تشجيعية للذين يكتبون قصائد شعرية في مدح خير البرية، أو يؤلفون مؤلفات في السيرة النبوية خاصة وفي العلوم الإسلامية عامة، كما هو واضح من جائزة محمد السادس في الفكر والدراسات الإسلامية  والتي اختار أمير المومنين حفظه الله أن يقدمها لمن استحقها في هذه المناسبة.

     3- إحياء كل المناسبات المرتبطة ببعض المحطات الكبرى المتعلقة بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، حيث يذكر الوعاظ والمرشدون والخطباء عامة الناس في دروس الوعظ والإرشاد وخطب الجمعة بأهم الدروس والعبر المستفادة منها، وتصدر في ذلك وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مذكرات تذكر فيها الوعاظ والأئمة والخطباء بأن يخصصوا بعضا من دروسهم وخطبهم للحديث عن هذه المناسبات، ومن تلك المحطات الكبرى الحاضرة بقوة في هذا المجال؛ الإسراء والمعراج، الهجرة النبوية، ذكرى غزوة بدر الكبرى.

     4- اختيار المغاربة لمذهب فقهي متمسك بالسنة مهتد بهديها في التأصيل والتفريع، هو مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه الذي كان مستوعبا لفقه آل البيت وفقه كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي اختار عمل أهل المدينة أصلا من أصوله الاستنباطية، ولعل الذي حمل المغاربة على التمسك به وترك ما عداه من المذاهب، هو حرصهم الشديد على اتباع السنة النبوية. واتباع السنة ونبذ البدعة كان هو شأن الإمام مالك ابن أنس رضي الله عنه (3).

     5- افتتاح المغاربة كلامهم في دروسهم الدينية، ودروسهم العلمية ومختلف خطبهم بالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته. حيث إن هذا التقليد جرى عليه العمل حتى في خطب السلاطين والملوك، ولا زال مستمرا إلى الآن في خطب جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، الذي يأبى إلا أن يفتتح خطبه بالصلاة على جده المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ولما تقتضي المناسبة إلقاء خطاب باللغة الأجنبية فإن جلالته – حفظه الله- يحمد الله ويصلى على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى آل بيته وصحابته في فاتحة خطابه باللغة العربية، إعرابا منه أيده الله على حبه للرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته الأطهار وصحابته الأبرار.

     6- التسمي باسم النبي صلى الله عليه وسلم، أو بأسماء آل بيته، أو بأسماء صحابته الكرام. وقل أن نجد أسرة مغربية ليس فيها اسم قريب من بيت النبوة، أو من الصحابة الكرام، ذلك أن الواقع شاهد أن المغاربة هم أحرص الناس على تسمية أبنائهم باسم محمد؛ اسم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو باسم أحد أقاربه، أو باسم أحد صحابته، أو بواحد من الأسماء التي رغب الرسول صلى الله عليه وسلم في تسمية الأبناء بها.

     7- رفع الأيدي عقب كل صلاة من الصلوات للدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، وقد جرى العمل بهذا في جميع مناطق المغرب منذ زمن طويل، وقد استحسنه أهل العلم ولم يعيبوه لما فيه من تعظيم وتقدير لهادي البشرية ومخرجها من الظلمات إلى النور، وقد نص على جريان العمل بهذا في فاس وفي غيرها من مناطق المغرب؛ الشيخ الإمام عبد الرحمن الفاسي في نظمه لما جرى به العمل الفاسي فقال:

والذكر مع قراءة الأحزاب     جماعة شاع مدى أحقاب

كذا المثاني تعقب المعقبات     ورفعك الأيدي بإثر الصلوات (4).

     ومعنى البيتين أن العمل جرى بالذكر وقراءة الحزب جماعة في المساجد منذ أزمان، كما جرى أيضا بقراءة الفاتحة والدعاء عقب المعقبات وهي الباقيات الصالحات التي يندب ذكرها أدبار الصلوات لما فيها من الأجر والثواب، وجرى كذلك برفع الأيدي للدعاء والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم.

     7- الدعاء مع الخلفاء الراشدين ومع كل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خصوصا منهم المهاجرين والأنصار، بعد الصلاة على الرسول عليه السلام قبل الانتهاء من خطبة الجمعة.

     8- الاتفاق على اختيار آل البيت لتولي حكم البلاد وتسيير شؤون العباد عن طواعية واختيار منذ أن دخل المولى إدريس الأول إلى المغرب، وذلك تحقيقا لوحدة الأمة وجمعا لكلمتها ونبذا للتفرقة والاختلاف الذي قد يصيبها بسبب التنافس على الحكم، لأن المغاربة رأوا أن آل البيت هم وحدهم من يقدر على حماية حمى الملة والدين والدفاع عن حوزة الوطن وتحقيق الأمن للمواطنين، ومبايعتهم كانت محل إجماع ولا تزال.

     ولعل المغاربة لما اختاروا آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوهم على السمع والطاعة في المنشط والمكره حقق الله رجاءهم ومرغوبهم ومتع بلدهم وأبناءهم بنعمة الأمن والاستقرار أكثر من غيرهم من الأمم.

     9- الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم بجميع الوسائل ومن مختلف المنابر كلما نعق ناعق بالاستهزاء به، أو التقليل من شأنه، أو الحط من قدره، لأن محبته صلى الله عليه وسلم متغلغلة في قلوب المغاربة، ولا يمكن لهم بحال من الأحوال أن يفرطوا في حق من حقوقه عليه السلام ولو كان ذلك على حساب أنفسهم وأموالهم ومختلف مصالحهم، وخير دليل على ذلك ما أقدم عليه وزير الخارجية والتعاون المغربي والوفد المرافق له من رفض المشاركة في المسيرة المنظمة بباريس تضامنا مع ضحايا الجريدة الساخرة “شارلي إيبدو” بسبب رفع رسوم كاريكاتورية مسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الموقف مشرف للمغرب الذي يتولى العرش فيه سليل الشرفاء العلويين جلالة الملك محمد السادس أدام الله عزه ونصره، وهو موقف شجاع خلف صدى طيبا وارتياحا كبيرا في صفوف المسلمين في كل أنحاء العالم.

مراجع:

1 – علماء تازة ومجالسهم العلمية (مقاربة تاريخية)، مَحمد العلوي الباهي. ط/ 1. 2004م. مطبعة فضالة-المحمدية.  ص/ 30.
2 –  المولد النبوي والمملكة المغربية، أية علاقة؟ للدكتور محمد يسف. مجلة المجلس. العدد/ 6. 1430هـ/ 2009م. ص/ 42.
3 – محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، للدكتور عمر الجيدي. طبعة؛ 1407هـ/ 1987م. مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء. ص/ 29.
4 – جنى زهر الآس في شرح نظم عمل فاس، للشيخ عبد الصمد كنون. مطبعة الشرق الوحيدة بشارع رقعة القمح-مصر. ص/ 138-139.- 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!