في الأكشاك هذا الأسبوع

عندما منع عبد الرحمن اليوسفي الملك الحسن الثاني من دخول مصر

مذكرات من أيام الماضي السياسي المغربي

بقلم: مصطفى العلوي

   أن يفعفع وزير مغربي دولة السويد بكلامه، كما سمعنا ذلك وقرأنا عن فعفعة الوزير مزوار، فهو ما يعتبر سدرة منتهى سياسة الدنيا بخير، التي نعيشها هذه الأيام، وكيف لا.. محكمة العدل الدولية، تحكم على الدول الأروبية بأن تقاطع المنتوجات الفلاحية المغربية، يعني تعرض الفلاحة المغربية للإفلاس، فعفعتها الوزيرة المنتدبة(…) في الخارجية بوعايدة، بقولها: ((إن المحكمة أعطت لنفسها الحق بالبت في قضية معروضة على الأمم المتحدة، وأن هذا القرار انحياز للأطراف المعادية للمغرب)) منطق سليم.. إن الخميس يأتي قبل الجمعة، وأن تتفق الأغلبية في الأمم المتحدة على تكليف بوليس المينورسو، بمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، فعفعتها أغلب الصحف المغربية، بعدم إثارة هذا الموضوع أو التعليق عليه، الشيء الذي يذكرنا مرة في سنة 1968، حينما ترأس وزير التجارة مولاي أحمد العلوي مجلس مؤسسة مكتب التصدير “لوسيو”، وقرر مدير المكتب أن يعرض المشاكل على معالي الوزير، بدءا بانهيار سوق البطاطس، التي لم يبق عليها إقبال للتصدير، فقال الوزير، وأجوبته منقولة كتابيا من طرف أحد الشهود الذين كانوا حاضرين، قال الوزير: اصلقوا البطاطس وحولوها إلى “بوري” عجين، واعطوها للشعب كي يملأ بها بطنه.

   وقال المدير: ولقد انهارت صادرات المغرب من الخمور، فأجاب الوزير: ليبدأ المغاربة، رجالا، ونساء وأطفالا، في شرب الخمور، وستحل المشكلة، فقال المدير: ولكن لن يبق مدخول للعملة الصعبة، فأجاب الوزير: ومن يتكلم عن العملة أو يحتاجها.

   وفي مذكرات القطب الحركي، المحجوبي أحرضان، وقد روى حكاية مجلس التصدير، رجوع إلى عدة حالات تشابه، بين أوضاع المغرب في عهد الحسن الثاني، وأوضاعه في عهد خلفه محمد السادس.

   الحسن الثاني الذي تم استدعاء أعضاء الحكومة والأعيان صباح الأربعاء 21 غشت 1963 ليدخلوا إلى القصر الملكي من باب الكراج، ليجتمعوا في قصر إحدى الأميرات، ويتم إخبارهم بمولد الأمير سيدي محمد، الذي ولد أميرا، ليكون ملكا، وليفهم كثير من الضباط الحاضرين، لماذا سبق للملك الحسن الثاني، أن أصدر أوامره منذ أيام، لتحريك عدة مدافع ونصبها قرب مقر العمالة وكانت محضرة لقصف ما في جوفها ساعة ازدياد الأمير، ولكن المهم، أن أحرضان الذي كان حاضرا بصفته وزيرا، يفاجأ وهو يتكلم مع الأمير مولاي الحسن بن إدريس، الذي جاء لتوه من مكناس يسأل أحرضان: هل كلمت سيدنا، كما سبق أن وعدتني.. وكان أحرضان يشاهد الدكتور الخطيب وهو يعانق المستشار جديرة، فأجاب أحرضان: لا.. لم أستطع، فقال له مولاي الحسن: لكن أنا كلمته، وهو حوار يظهر منه أن الرجلين، سبق أن اتفقا على أن يكلما الملك الحسن الثاني، في موضوع هام، حيث قال مولاي الحسن بن إدريس: لقد قابلت سيدنا وقلت له كل شيء، قلت له أن الشعب لا يقبل عدة أشياء يراها، وعليك الآن أن تقابله وتقول له ما يدور في عقلك، لكن أحرضان كلما اقترب من الملك، ولمدة طويلة، كان لا يجد الفرصة لمكالمته لأن الأجواء كلها، كانت مغمورة بالحديث عن مولد الأمير الجديد. ليظهر أنه في ذلك الزمان، كانت الدولة، شخصيات ووزراء ومدنيين، وعساكر، كانوا متضايقين من هيمنة المستشار أحمد رضى جديرة على الملك.

   ومرة كان الدكتور الخطيب، يحدث صديقه أحرضان، ويقول له: لقد يئست وفقدت الأمل، ويقول له أحرضان هل لأن جديرة أصبح سيد الموقف، ليقول الخطيب: لا، لأن الملك هو المسؤول، وليس جديرة.

   ويجيبه أحرضان، ولكن هذا ليس معناه أن نتنازل، أم أنك افتقدت الشجاعة للتعبير عن رأيك، إذن عبر عن رأيك بوسيلة أخرى، ويقول له الخطيب: إن تعبيري عن رأيي بطريقة أخرى، من شأنه أن يظهر للرأي العام، أن هناك انفصاما في مبدإ الإخلاص للملك، ويرد عليه أحرضان: الحقيقة أن ملكية عادلة، عليها أن تتعايش مع الانتقاد، وتعترف بأخطائها، وتتخلص من مبدإ الكلمة العليا، ويقول الخطيب: لكن هناك جديرة.

   أحرضان: إن جديرة يستمد قوته فقط من قربه للملك وأنه واقع لا يجعلنا ننسى أن عددا من الملوك المغاربة كان هلاكهم في استسلامهم للمحيطين بهم، ليرد عليه الدكتور الخطيب: إن ارتباطنا نحن بالملك يفرض علينا أن ندافع عن الملكية ولو ضدا على رغبته.

   لنفهم استغراب أحرضان، عندما كان يتكلم مع مولاي الحسن بن إدريس في عقيقة ولي العهد، وشاهد الخطيب يعانق جديرة.

   ولا شك أن الحسن الثاني، كانت تصله أصداء هؤلاء المصلحين(…) المبعدين عنه، فكان يقوم ببعض التحركات، من قبيل إبعاد المحمدي من إدارة الديوان الملكي، وتعويضه بإدريس السلاوي وكان وزيرا للعدل، ثم وضع بوطالب في العدل محل السلاوي، ويبعد صديقه جديرة لوزارة التخطيط، إذن بالأمس المحمدي، وأول أمس جديرة، واليوم السلاوي، المهم هو التغييرات المظهرية، دون أن يعترف الملك، بأن جديرة، والسلاوي، والمحمدي، والآخرون الدائرون في فلكه، إنما هم مقحمون في مصيدة الولاء المدفوع الثمن، والتغيير في المناصب مجرد مبرر لتفادي التغيير السياسي.

   وفي إحدى المقابلات، كان الدليمي بجانب الملك، وسمع الحسن الثاني يقول ضاحكا لأحرضان: أيها العفريت، سمعت أنك بعت إحدى لوحاتك الزيتية بمليون، لعلها هواية الرسم، أصبحت أكثر مردودية من الفلاحة، وعندما ينشغل الملك بشخص آخر، يجر الدليمي أحرضان بعيدا ويقول له: أرى أن سيدنا منفتح عليك، فلماذا لا تستغل هذا الانفتاح، وتنصحه بأن يفتح عينيه قليلا، إنك إذا قمت بهذا فإنك ستلعب دورا كبيرا في العمل السياسي.

وطبعا كان مولاي أحمد العلوي، هو أيضا مؤثرا في المحيط الملكي، ولكنه يعرف أصول اللعبة، مثلما عرفها الوزير العسكي، الذي قال مرة: لقد دخلت في اللعبة.. أقبل اليد.. وأنحني، ولكني لم أتعود بعد.

   مولاي أحمد العلوي، مثلا كان ساهرا ذات ليلة مع المجموعة فحكى لهم، وليفهم كل واحد ما يريد: إنه يحصل لنا(…) ما حصل لكلب مصري، وكان قويا ملفوف العضلات، بارز الأسنان، اجتاز الحدود المصرية إلى الأراضي الليبية، وبعدما عبر منطقة الحدود ودخل التراب الليبي، اعترضه كلب ليبي نحيف ضعيف جائع، فقال للكلب المصري: ماذا جئت تبحث عنه هنا، إننا نموت جوعا، فأجابه الكلب المصري: إنما جئت لأستطيع أن أنبح، ويضيف مولاي أحمد، ولكن وضع الكلاب تغير تحت حكم العقيد القذافي، وكان أحرضان بحكم نفوذه المحدود، رغم السنوات الطويلة التي قضاها في مشاركة الحسن الثاني في الحكم، يعيش قريبا من الأقطاب مثل أوفقير، الجنرال، الذي يقول عنه: إنه كان مخيفا قاسي الملامح، ولكنه في الواقع ضعيف، وكان لأوفقير مساعده في وزارة الداخلية، محمد بلعالم الذي كان متشائما.. متعمقا في الأوضاع ويراها في ترد مستمر.

بينما كان الحسن الثاني حريصا دائما على التوصل بتقارير عن تحركات الوزراء، وما يقولونه في سرهم وعلنهم.

   فدخل أوفقير على الحسن الثاني ليطمئنه في موضوع بلعالم ويقول له: إنه سيترشح للانتخابات في الحسيمة، فيجيبه الملك: وأنا كنت سأعينه سفيرا في ليبيا..

   الحسن الثاني يريد أن يبعد عن أوفقير كل أعوانه، وأوفقير كان يريد تركيز أعوانه، وهكذا لم تكن النظرات الملكية متوحدة مع نظرات المحيطين به.

   مرة كان أحرضان ساهرا مع الجنرال الدليمي في فندق الجامعي بفاس، فأخذ يحكي له أنه قام بتحويل مليون دولار لبنك المغرب، سبق لوزير المالية الطاهري أن حولها إلى الأبناك السويسرية، وأن سيدنا أعطى أوامره باعتقال الطاهري، وعمر بنمسعود والجعيدي، وكريم، والشفشاوني، وأخيرا أوصاه: لا تحك هذا لأحد.

وبعد أيام يجتمع الجنرال المذبوح بأحرضان ويحكي له نفس الحكاية، عن اعتقالات الوزراء، لكن بصيغة أخرى.

   لكن المذبوح كان يثق في أحرضان أكثر من ثقة الدليمي، ليدور بينهما حديث، يكشف في حاضرنا الكثير من الأسرار، ويعطي الكثير من الأجوبة.

   حكى المذبوح أن الأمريكيين، بعدما تعرضوا لمحاولة رشوة من طرف بعض المغاربة، قالوا للمذبوح أن المغرب، أصبح مملكة البقشيش وقرروا ألا يستثمروا في المغرب، وقال لأحرضان لقد أبلغت هذا لسيدنا، فأجابني: إن الأمريكان فيهم الكثير من البلوف.

   ولكني، يقول المذبوج أيقنت بأن الوضع يحتاج إلى تطهير، إن الأمور أدركت حدا أصبح معه الملك، سجينا للأوضاع وربما سأستقيل.

ليجيبه أحرضان: لا.. عليك أن تستخلص الدرس..

   وتمر الأيام، ويذهب أحرضان في الموكب الملكي إلى السعودية حيث يلاحظ أحرضان أن الملك فيصل رجل لطيف وظريف وفي نفس الوقت ذكي كالثعبان، ولكنك لا ترى انحناءة ولا تقبيل يد، فيصل يقف هو شخصيا ليسلم على الناس.. ليقوم مدير التشريفات بنونة باستدعاء رفاق الملك في السعودية للاجتماع في الفندق الكبير بجدة، لتحضير الزيارة الملكية لمصر في طريق العودة.

   ويحضر الحسن الثاني في الاجتماع بجانب أخيه الأمير مولاي عبد الله وأحمد بلافريج، وعلال الفاسي، وأوفقير، وأحمد العلوي، وأحمد السنوسي، ليفاجؤوا بقرار الملك الحسن إلغاء زيارته للقاهرة.

   لماذا.. لأن عناصر الخطر تتمثل في تواجد المعارض عبد الرحمن اليوسفي في القاهرة، وأن جريدة مصرية كتبت عن تواجد الجنرال أوفقير في مرافقة الملك، وأن هذه الجريدة، كتبت أن رسالة رسمية تم توجيهها من مصر إلى العاهل السعودي، تطالبه فيها بأن تقوم السعودية، باعتقال أوفقير المرافق للملك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!