في الأكشاك هذا الأسبوع

البصري سمم وأحرق وقتل رجال العمليات الخاصة في “الديستي”

عندما أكل النظام الأمني أبناءه

   في حياة وزير داخلية الحسن الثاني، ودون أن يرد عن تهمة حقن بعض رجاله وقتلهم، وثقت “الأسبوع” (28 يناير 2000) أسماء من ماتوا تحت التعذيب في المعتقلات السرية أو تمت تصفيتهم من رجال الجهاز، حتى لا يكشفوا الأسرار. وجاءت شهادة واحد منهم مكتوبة، وتم تهديده مباشرة بعد مقتل عميد الشرطة الغالي الماحي في حادثة سير مصطنعة، حيث استدعى الحاج عبد السلام الزيادي سعيد الوجاني قائلا له بالحرف: إن الماحي مات، وإذا تكلمت ستتبعه، ونشرت الجريدة البطاقة المهنية للباشا الطاهر بلغازي تحت الرقم 1025، وتلقى المجني عليه 13 طعنة بـ “الموس” من قدماء الكوماندو، وأردوه قتيلا في واويزغت بعد نقله المتعمد من أغادير لتصفيته في مناطق نائية.

   وورث إدريس البصري إرثا دمويا بعد انتقال قيادة المخابرات من الجيش إلى خريجي الشرطة، واحتدام الصراع بين المؤسستين، والتعديلات التي مست الكاب 1 إلى الكاب 2 ومنها إلى الديستي وتأسيس “دجيد” واحتفاظ كل جهاز أمني بقسم ومديرية للمعلومات جعل هذه المديريات تتضخم فتصبح جهازا مستقلا، وجهاز عمليات خاصة.

البصري قطع مع الصناعة الأمريكية للمخابرات المغربية: الكاب 1 و2

   تحالف البصري مع الفرنسيين في تصفية جهاز “الكاب 1″، وفي تطهيره تحول بعض رجالاته إلى قتلى، وتحولت المعتقلات السرية إلى ميدان لتصفية عناصر أي جهاز استخباري إن رفضوا حله، والانخراط في نسخة معدلة عنه، وقبل تسميم رجال أي جهاز يحرقون الملفات عن آخرها، ويتخلصون من “الذاكرات العصية”، وبتعبيرهم الفرنسي “ميموار تيتو” «mémoires têtues».

   هؤلاء، بتعبير هذه الشهادة، رهط من البشر الذين ينتشرون اليوم عبر العديد من المرافق بالإدارة العامة للأمن الوطني والداخلية، الدرك الملكي، الإدارة العامة للدراسات والمستندات… لذلك تعتبر الشهادة اختزال الجرائم التي حدثت في شخص إدريس البصري تحريفا للحقيقة، وإن كانت مسؤوليته ثابتة عن الأسماء التي حصدتها آلة قمعه وبطرق مختلفة.

محمد رفيق تم حقنه بمادة مخدرة أفقدته عقله ثم قتل بإشعال النار في سيارته، وهو اسم ضمن أطر مراقبة التراب الوطني “الديستي” الذين أدخلوا المستشفيات العقلية بعد فقدانهم لعقلهم بسبب الحقن

   لم يكن النظام الأمني رحيما بأبنائه الذين وسموا المدنيين المعارضين بالتعذيب والإذلال، وانتقام القوة سيعود إلى نحر مستعمليها، وحملت الشهادة مسؤولية المجازر لشخص البصري من تاريخ 3/7/1975، بالمعتقل السري الرهيب المسمى “بوست فاير رقم 3″، وذلك من خلال ما قام به المسؤول الأول آنذاك عن مديرية مراقبة التراب الوطني الذي قام بتعذيب أحد الأبرياء مولاي علي فخيم وسلمه إلى الجنرال أحمد الدليمي الذي أجهز عليه وبكل برودة برصاصة في الرأس، ونفس المصير عرفه رشيد لحرش.

المهددون والضحايا من أبناء الديستي رفضوا محاكمة رئيسهم البصري أو مديرهم المباشر علابوش

   جاءت شهادة سعيد الوجاني رافضة لمحاكمة البصري، لأن الرجل لن يسكت وسيعرف الملف العديد من الخيوط المتشابكة التي ستنجم عنها خلفيات خطيرة حسب تعبيره.

   ورفض الوجاني تهمة علابوش باختلاس مستندات ونشر الأسرار في الصحف وهو مسافر إلى هولاندا، واعتبر الاتهام زعم ما بعده زعم، لأنه ذكر أمثلة تداولتها الصحف وأسر الضحايا لا غير.

وبنبرة حاسمة يقول الوجاني “تبقى المحاكمة مستحيلة”.

ولا يعرف، كيف يمكن محاكمة رئيس جهاز “نفذ عمليات خاصة” وخارج القانون وأن هذه العمليات شملت بعض المنفذين.

   وكانت إقالة البصري فرصة قانونية للاعتراف بـ “الديستي” ضمن الشرطة القضائية تحت وصاية النيابة العامة، في أكبر تقنين لا يشمل باقي الأجهزة “الموازية”.

   وترى الأجهزة الزميلة أن مهنة التوثيق ومحاربة التجسس تختلف في المملكة عن حراسة التراب الوطني المشمول بالمشاركة أو قيادة “العمليات الخاصة”، وسعى المغرب إلى التخلص من نتائج ومرتكبي العمليات الخاصة طيلة عهد الملك الحسن الثاني عبر العدالة الانتقالية المتمثلة في “هيئة الإنصاف والمصالحة”.

   وطالبت أسر رجال “الديستي” الذين كانوا بدورهم ضحايا العمليات السرية بالتعويض، وتساءلت أسرة الباشا بلغازي، هل 50 درهما تعويضا عن كل طعنة في جسد فقيدها؟

رفض رجال الديستي المنشقين أو الناشرين لأسرار بعض العمليات الخاصة محاكمة البصري بسبب الاغتناء غير المشروع

   الظروف المتشابهة والمعقدة بين “الديستي” وشبكة المنفذين لم تسمح في أي لحظة من الوصول إلى أسرار العمليات الخاصة في المغرب من جسد بنبركة وإلى قتل رجال الجهاز كل المنشقين أو المختلفين مع توجهات محددة للقيادة أو المهددين بكشف أسرار بعض العمليات.

   وعملت فرق الغسل “كلينين” أو المسح على تدمير معالم كل جريمة، وأضافت الشهادة المكتوبة في “الأسبوع” الضغوط على الأسر فلم تحتج العائلات ولا طلبت بحقوقها، لأنها كانت “مهددة في حياتها”.

   وتعتبر شهادة الوجاني المنشورة في الصفحة الثالثة من جريدة “الأسبوع” (28 يناير 2000) كشفا خطيرا، لرهن “الديستي” لعائلات ووضعها تحت تهديد القتل والاغتيال إن طلبت بحقوق رجال قدموا خدمات للجهاز، واستغني عنهم بعد العمليات بقتلهم، وهذه الجريمة القاسية تتجاوز كل الأعراف والقوانين المعمول بها محليا ودوليا، وتكشف كيف كان النظام الأمني شرسا ومجرما إلى الحد الذي أجرم فيه ضد أعضاءه المباشرين، وهذا التنظيم العصبوي له شركاء في باقي الأجهزة الأمنية.وذكرت الشهادة المكتوبة كل الأجهزة الزميلة لـ “الديستي” في المملكة، رافضة أي تحقيق في الموضوع.

الشهادة المنشورة تشير إلى ضيعة معروفة ببوقنادل

   وصفت الشهادة المنشورة ما حدث بضيعة بوقنادل بالمجزرة إلى جانب مجازر “بي. إف. 2” و”بي. إف. 3″، والتزمت الدولة الصمت لطي صفحة البصري وبداية أخرى، ولم يكشف معارضو تسيير وزير الداخلية في عهد الحسن الثاني التفاصيل، واحتفظوا بأسرارهم المهنية، أو أسرار الدولة ويعني الخروج عليهما “الإعدام خارج القانون”.

   وعقوبة الكشف عن الإعدامات الجماعية (المجازر) هو الإعدام، وعرقلت هذه الوضعية كشف الحقيقة في المغرب والتي بقيت “رهن الخطوط الحمراء” في تحمل الدولة لمسؤوليتها سواء في الهيئة التحكيمية أو هيئة الإنصاف والمصالحة.

   وفعلا لم تتمكن الدولة من حماية رجالاتها الراغبين في كشف الحقيقة فيما سمي العدالة الانتقالية كما لم تضمن لهم “حق الحياة”.

   وأكدت هذه الشهادة على اختزال المعلومات “الحساسة” التي بقي النظام “حافظا لها” بإحراق الأرشيف أو قتل الفاعلين، كلما رغبوا في كشف أي سر من الأسرار مهما صغر.

 شهادة على قتل الديستي مدبر قتل عمر بن جلون عبد العزيز النعماني

   أكدت الشهادة المنشورة على قتل “الديستي” مدبر اغتيال عمر بن جلون، إلى جانب آخرين وفي معظمهم مخططين أو منفذين لعمليات خاصة لصالح النظام وأشخاصه الطبيعيين، ورفضت عناصر الديستي محاكمة البصري كي لا تتم محاكمتهم أيضا، وشمل هذا الرفض المعارضين لشخص البصري وسياسته أو القابلين والعاملين بها.

   وكان الإجماع الذي تحقق في حينه داعما لقيادة الجنرال لعنيكري لفترة ما بعد البصري في الاستخبارات المدنية، وقيادة الجيش لهذه المرحلة الحساسة.  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!