في الأكشاك هذا الأسبوع

لماذا اختار الشهيد بنبركة النفي الإرادي؟

بقلم: الحسين الدراجي

  كان لي شرف التحقيق في ظروف وملابسات اقتراف الجريمة التي ارتكبت في حق السيدة ثريا الشاوي، حيث كنت يومئذ أشغل منصب مكلف بمهمة بوزارة الداخلية، ومن الجرائم التي ارتكبها هذا السفاح، أذكر اغتيال المقاومين “البادرة والبيجيخ، والمعيزة”، وهم من أشهر عناصر المقاومة السرية بالدار البيضاء التي كان أحمد الطويل يتحكم في شؤون أمنها بصفة مطلقة معتمدا في ذلك على التسيب الأمني الذي كان يطغى على المدينة، على التعاطف الذي كان يجده لدى المدير العام للأمن الوطني، وقد كان هذا الشرطي المدلل بالإضافة إلى نزعته العدوانية يتمتع بدهاء كبير حيث تفتقت عبقريته على فكرة شيطانية أراد أن يغطي بها على جريمة اغتياله للمرحومة ثريا الشاوي، فأخذ يروج لإشاعة مفادها أن “اليد الحمراء” وهي منظمة إرهابية تابعة لتنظيم الوجود الفرنسي، هي التي قامت بقتل الشاوي لأن أباها عضو بارز في حزب الاستقلال، ومن المعلوم أن هذه المنظمة كانت تقتنص وتغتال رموز الحركة الموطنة، وذلك كرد فعل على ما كان الفدائيون يقومون به من أعمال بطولية ضد الاستعمار الفرنسي (قتلة السوق المركزي واغتيال الدكتور إيرو مدير جريدة لا فيجي نموذجا)، ولم تكتف منظمة “اليد الحمراء” بالعمل على التصفية الجسدية لفائدة الحركة الوطنية، بل لم ينج من بطشها حتى الرجال الأحرار الفرنسيين الذين كانوا يتعاطفون مع مطالب المغرب في الحصول على الاستقلال.

   ويأتي على رأس ضحايا الإرهاب الفرنسي، المرحوم ورجل الأعمال السيد “لوماكر دوبراي” الذي سقط صريعا تحت وابل من الرصاص الذي أطلقته عليه عناصر هذه المنظمة الإجرامية، وذلك نهارا وأمام عمارته الشهيرة بحي بن جدية بالدار البيضاء، وقد كادت هذه الرواية التي كان مصدرها أحمد الطويل تنطلى على المدير العام للأمن الوطني لولا البحث الميداني الذي قمت به في عين المكان، وكتبت في شأنه تقريرا مفصلا بعثت بنسخة منه إلى السيد محمد الغزاوي وأحمد الطويل هذا كان شبه أمي، أدى به جبروته إلى الدخول على بعض الوزراء بدون استئذان وهو يحمل على كتفه بندقية رشاشة، وقد حكى “الشاوش” الخاص بوزير الداخلية، الحاج البريهي، أن هذا السفاح ومعه عنصران من أعوانه، جاؤوا إلى وزارة الداخلية لمقابلة السيد الوزير، ولما وصلوا إلى باب مكتبه طلب منهم أن يملأوا ورقة الزيارة ويذكروا فيها الغرض من مقابلتهم، ولكن الشاوش المسكين فوجئ بأحمد الطويل ليسقطه أرضا ويلقي بالقلم الذي مده إليه في سلة المهملات ويقول له: أنا لا أعرف الكتابة إلا بهذه، وقرب البندقية الرشاشة من وجهه حتى كان يفقأها، وتركه في تلك الوضعية ودفع باب مكتب الوزير ودخل عنوة، ولا يعلم إلا الله ما دار بين الوزير وزائره أثناء المقابلة، ولكن الذي علمه الحاج الشاوش بعد أيام من هذه المقابلة أن السفاح لقي حتفه في عملية اغتيال لعلع خلالها الرصاص إلى درجة أن أشلاء جسد أحمد الطويل اختلطت باللحم المشوي الذي كان السفاح يحمله داخل السيارة التي كانت متجهة إلى إحدى الضيعات بالدار البيضاء.

صدق من قال إن الروح عزيزة عند الله.         

 

الحلقة السادسة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!