في الأكشاك هذا الأسبوع

شموع في سلا وظلام في الرباط

بقلم: بوشعيب الإدريسي

   أيام وتحتفل الجارة مدينة سلا بمهرجان “كوكب الشموع” الذي يصادف كل سنة عيد المولد النبوي الشريف، وهو مهرجان خلده الأجداد للأحفاد بكل تراثه وتقاليده وتاريخه ومغزاه، وها هم الإخوة السلاويون يلقنوننا دروسا في الوفاء لإرث أجدادهم، ويدعون العالم أجمع ممثلا في السلك الدبلوماسي المعتمد في الرباط يا حسرة، ليشهد على موكب شموع يضيء الحاضرة السلاوية، ويبرزها قطبا إسلاميا متحضرا، فينبهر المدعوون من الإبداع والفن والابتكار والفكرة من شموع ابتكرت لتحترق إلى شموع تسبح لله الواحد القهار، وتمدح نبيه الكريم، شموع تتحدى الذوبان الذي مصيرها وتشمخ شامخة لتتحول إلى منابر تصدح بالتهليل والتكبير والترحيب بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهو مهرجان فريد في فكرته، وحيد في غايته، عظيم في مغزاه ومعناه، فهنيئا لإخواننا بمهرجانهم وطوبى لهم بأمجاد تاريخهم وبمحبة النبي الكريم.

   وفي الرباط العاصمة التي تضم مقرات حولي 30 زاوية من الزوايا المغربية، كانت فيها زاوية واحدة تخلق الحدث في كل سنة، وتنظم “موكب الهدية” إلى زاوية سيدي العربي ابن السايح، انطلاقا من شارع محمد الخامس ومخترقا حي الكزة ثم شارع لوبيرة، كان موكبا ربانيا يسير في مقدمته قائد المنطقة ابن المدينة العتيقة، السيد مصطفى بركاش شفاه الله، بجلبابه وسلهامه وسبحته وحواليه الفقهاء والمحبون لمديح رسول الله، وأمامهم عربة محملة بالهدية، عبارة عن غطاء مزركش لقبر الولي وزربية تغطي أرضه. وكان سكان الرباط يصطفون على طول طرقات ممر الموكب، والرجال تكبر وتهلل والنساء تزغردن، وكان بحق منظرا تقشعر له الأبدان وتدمع له الأعين. وفجأة توقف، بل وأقبر “موكب الهدية” وجاء أصحاب دعاة الديمقراطية والحداثة “المتوحشة” وأحدثوا مهرجانات الشيخات والتبوريدة والسهرات وما يواكبها من بدع ومن ممارسات وجلسات ليلية والفاهم يفهم، فأصبح لكل مقاطعة “مهرجانها” بـ”مهر” من جيوب السكان قد يصل إلى 30 مليونا للمقاطعة، وتحولت بلاد العلم والعلماء والكليات والمدارس العليا والضريح الشريف إلى “شبه كباريه” مغلفة بالمهرجانات، علما بأن الرباط لها مهرجانها العالمي “موازين”، الذي يراعي جميع الأذواق ويحترم ميولات جميع السكان من مغاربة وأجانب، وأيضا ينقل صورة للعالم عن انفتاح وتحرر ساكنة الرباط من الانغلاق الفكري، ولكن لا نفهم رسالة مهرجان مقاطعة حسان مثلا، عندما يفرض كل سنة وفي حي معين ربما أمام منازل المنظمين ويبرمجون الشيخات وما يتبعها ثم يختمونها بالخيل والبارود، حتى يسمع الجميع طلقات البنادق، وصيحات العيوط، ودردكة المتدردكين حتى تذوب 25 مليونا المرصودة لهذه الفراجة، لتبدأ في الغد الوزيعة ولن نوضح. فقط اسألوا الكوميساريات على عدد زوارها من المتفرجين والمنظمين خلال تلك البهدلة. والرباط اليوم في عهدة أناس من حزب أردنا أم كرهنا وحتى يثبت العكس، جاؤوا لتغيير المنكر، وجاؤوا ببرامج تحترم الساكنة، وتحافظ على أموال الجماعة، وتراعي خاصية المقاطعة الدينية المتمثلة في الضريح الشريف، ضريح محمد الخامس وعشرات الزوايا، فلماذا لا تنظم المقاطعة مهرجانا سنويا بمناسبة عيد المولد وتقدم “هدية الضريح” عبارة عن مصحف مكتوب بخط اليد، تقدم إلى الفقهاء الذين يرتلون القرآن الكريم في النهار والليل برحاب الضريح الشريف؟ وتجدد المبادرة كل سنة، ويحمل المصحف في موكب يتقدمه رئيس المجلس الجماعي، وأعضاء المجلس العلمي ورئيسة المقاطعة والمنتخبون والطلبة وتلاميذ الثانويات، وينطلق موكب من أمام محطة القطار المدينة في اتجاه شارعي محمد الخامس والحسن الثاني ثم الضريح الشريف ليسلم المصحف إلى مدير الضريح، ففي هذه المبادرة رد الاعتبار لكل زوايا الرباط، ولتراث المدينة وتاريخها وتبجيلا لذكرى عيد المولد النبوي الشريف، فلعل الرئيسة “حسنية” تأخذ بهذا الاقتراح في السنة المقبلة، لتعيد لأقدم مقاطعة أمجادها ولتحيي مناسبة شريفة في عيد شريف.    

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!