في الأكشاك هذا الأسبوع

قضايا اختلاس المال العام تتقاطر على مراكش

 

بقلم: محمد بركوش

   لا تزال قضايا (الفساد) كما يسمونها تتوارد على غرفة الجنايات بمراكش، وكأن المدينة الحمراء هي وحدها التي تعاني من الظاهرة، لا تزال تتقاطر مدرارا كأمطار الشتاء، حتى أن رئيس الغرفة والمستشارين لم يعودوا يطيقون العمل بها، بسبب كثرة الملفات ونوعية القضايا وتزايد عدد المعتقلين الذين يستقدمون في ظروف غير سليمة وبشكل متفرق يحدث ارتباكا وانزعاجا، ففي الأسبوع الماضي وبالضبط يوم الخميس 10/11/2015 أدرج ملف كبير (إلى جانب ملفات أخرى في نفس المستوى)، حيث حضر عبد الله رفوش “ولد العروسية” إلى جانب أحد المتابعين (وهو اليد التي كانت تخطط وتكتب وتشطب كما قيل)، وغاب عمر الجزولي لعدم توصله بالاستدعاء الموجه إليه، رغم تواجده بالقرب من قصر العدالة (أي محكمة الاستئناف)، وهذه ظاهرة أخرى تعاني منها المحاكم بصفة عامة، لما تتسبب فيه من تراكم للقضايا، وتأخيرات غير مبررة، وتمديد عمر بعضيهما زيادة على اللزوم كما يقال، الذين كانوا بالجلسة المذكورة تألموا كثيرا لعبد الله رفوش، تأسفوا لوضعيته الصحية، لأنهم يعتبرونه ضحية لعوامل عدة لا داعي لسردها، فهو كما قال أحد الحاضرين ليس “سيئا” كما يتصوره البعض، بل على العكس من ذلك هو رجل بسيط جدا يتعامل مع الفقراء ويأخذ بيد الضعفاء، ويساعد ذوي الحاجات، ويمد المحتاجين من ماله الخاص، خاصة في الأعياد والمناسبات الدينية، لم تغيره المسؤولية، لأن البساطة التي تمتلكه من صغره، وتعايشه مع المراكشيين الذين يتمتعون بالتسامح وحسن الخصال جعلاه يعادي الأبهة والعظمة، ويحافظ على طبعه وطباعه، ويواظب على تعامله العادي مع كل الناس سواء في المنطقة التي كان يرأس جماعتها أو غيرها، إذ الكل لا يزال يتذكر تصرفاته الإنسانية وتعامله الحسن وتواجده المطلق بالجماعة على خلاف ما عليه الأمر قبل الآن، حيث الغياب المستمر واللامبالاة والبروتوكول والسيارات الفخمة والشيفورات.

   عندما نودي على أسماء المتابعين في الملف تذكر بعض المحامين عمر الجزولي (وهذه شهادة) والسنوات التي قضاها على رأس المجلس البلدي والمجموعة الحضرية والمجلس الجماعي، وعددوا المنجزات التي تحققت في عهده والمشاريع الكبرى التي رأت النور في ولايته، دون أن يسمع عنه أنه أفاض في العطاء لإخوانه وأكثر من الامتيازات لأقاربه كما وقع في الفترة الماضية التي كانت حبلى بالتجاوزات كما قيل، وبالاستنزاف وتوزيع (الفابور)، وضرب المآثر التاريخية والتطاول عليها بإخفاء أجزاء منها، وكأن المسؤولين في تلك الحقبة غير المأسوف عليها كانت لهم عداوة مع التاريخ المشرق للمدينة والحضارة التي تمتاز بها مراكش وتشتهر سواء محليا أو على المستوى العالمي والدولي، وأكيد أن ما قلت وما يقوله المتتبعون والملاحظون وسكان الحمراء يجبر المسؤولين الجدد على تحمل المسؤولية بالكامل (وبالفعل وليس بالقول)، في مقدمتها إجراء محاسبة شاملة “ليكون هناك مدلول لتفعيل الدستور”، تهم الصفقات والمشاريع، خاصة تلك التي لا تزال تتعثر وتسير الأشغال بها ببطء، رغم ما يحدثه تأخرها من ازدحام وقلق وفوضى في الشوارع والأزقة العامة، إذ المطلوب ليس هو إيقاف النزيف وتوقع شفاء الجراح واعتماد سياسة “عفا الله عن ما سلف”، بل المنتظر هو إعادة الاعتبار للعمل الجماعي، وإعطاء جواب شاف عن نص الدستور الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، وإحالة المتلاعبين على القضاء حتى يكونوا عبرة للآخرين أو بالأحرى للجدد الذين بدأت تظهر على بعضهم محاولات الدخول في متاهات الأولين والسير على خطاهم (رغم ما كانت تحملهم من إدانة)، كما حكى لي أحد المسيرين بسوق الخضر، هذا الأخير الذي دخلته الفوضى من النافذة بعد أن صفقنا لخروجها من الباب بحسن نية، ومن أجل تشجيع المسؤولين الجدد وإعطائهم قوة إضافية تساعدهم على التغلب والقضاء على الفوضى والتلاعب بالمال العام.

   لم يكن ملف الجزولي وحده الذي يُتحدث عنه، فقد سبقته ملفات أخرى كان زادها هو الفساد المالي، توبع فيها من توبع، وطالت الأحكام مجموعة من الوجوه، عادت مؤخرا إلى الواجهة بعد أن فازت في الانتخابات الأخيرة (بطرق، السياسيون وحدهم يعرفون مسالكها ومعابرها)، رغم كل السنوات التي تثقل كواهلها وتضعها في إطار الشبهة، ولم تمنعها من الكلام وإجراء اللقاءات وادعاء الدفاع عن المدينة وساكنتها، وخروجها بشكل ملفت بأقنعة مختلفة، ورشاشات غير مستعملة، تحاول فتح النار بها على كائنات غارقة في الغبار، سابحة في يأس تشذب الحياة أطرافه (كما قال الشاعر الموساوي) بلغة غير قادرة على إسقاط زلات الماضي ومحوها من سجل التاريخ الذي لا يرحم ولا ينسى، وستليها ملفات بوزن ثقيل وتهم غليظة، أنهى فيها الوكيل العام بمراكش السيد أبو زيد المساطر المعمول بها وقرر إحالتها على القضاء الجالس، بعد أن ذبح متابعاته بشكل دقيق (وبكل ما أوتي من حكمة)، لا يسمح بالإفلات من العقاب أو التهرب من الجزاء، ورفع يدها عنها بنشوة المنتصر للقانون الذي يزرع زنابق الأمل كما قال الشاعر الغناز لتورق الحقيقة في يوم جديد، وتلمع بلونها الأخاذ، ولعل أبرز تلك الملفات ملف شركة “سيتي” والذي سيأخذ ربما اتجاها آخر غير الذي كان عليه منذ انطلاق البحث والتحريات المجراة من قبل الشرطة القضائية، إذ طفا على سطح الواقعة التي كادت أن تفقر مجلس المدينة اسم شخص آخر يعتبر في نظر المعنيين رأس الحربة لأنه هو الذي منح الإشهاد وسطر الوثائق ودون المعلومات ووضع التصميم كما أوردت ذلك بعض الجرائد دون شعور الوجوه الآفلة في الزحام، وهي عادة أو ديدن صاحبنا المهندس، تربى عليه، ولم يعد في مقدوره التخلص منه، لأنه كان سببا في إثرائه واغتنائه وجمع ثروة هائلة بسببه، ثروة أصبحت تثير الكثير من الأسئلة.    

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!