في الأكشاك هذا الأسبوع

ميخائيل.. بين “الميخالة”

   وأنت تتجول في شوارع المدن، سيسترعي انتباهك حتما مشهد أشخاص ينبشون في صناديق وأكياس القمامة، منهم من يدفع عربة يدوية مهترئة أو عربة بدابة تعاني ولا تبدو أحسن حالا من صاحبها، وربما هناك من له دراجة ثلاثية العجلات. وأغلبهم يكتفي بكيس، كأنه كفن متسخ بالهموم، يحمله على كتفه للإحساس بالحياة.

   إنهم “البوعارة” أو “الميخالة” أو “النباشة”، وربما عشرات الأسماء التي يبتدعونها من صفات حياتهم التي تشبه كثيرا قطعة بالية في مزبلة. لذلك فكل الأسماء تليق بهم ولا يليقون لها؛ هم أبطال صناعة التدوير وجنودها المجهولون الجوّابون للشوارع والأزقة ليل نهار.. يشتغلون لصالح فئة لا نراها ولكنها تجني ثروة وتنفحهم بريالات لا تكفي لمداواتهم من تلك الأمراض التي تعشش فيهم.

   من هؤلاء أيضا من له حس فكاهي فيختار دورا ثقافيا  فيتخصص في البحث عن الكتب والدفاتر التي يرمي بها أناس يئسوا من القراءة أو لم يجدوا مكانا لترتيبها فيه أحسن من تلك القمامة. وهو أمر غير مقبول من المواطن الذي يجمع النفايات المختلفة ببيته وبجانبها دفاتر أبنائه ومقرراتهم أو كتبا مهداة إليه أو من مكتبته التي كانت له أيام الدراسة.

    أسوق هذا الكلام لأتحدث عن شخص أسماه صديق لي رآه عندي باسم ميخائيل. وميخائيل هذا يزورني من حين لآخر ويكرر على مسامعي نفس الكلمات المتحسرة: “لو كان الناس  متحضرين لوضعوا الكتب التي لم يعودوا بحاجة إليها في كيس مغلق وآتي لآخذها نظيفة حتى يستفيد منها غيري.

    فهمتُ معنى غريبا من حديثه المتكرر، كيف أن الناس تحترم خبز البطن وتضعه داخل كيس في مكان قرب الباب، وتنسى أن تفعل نفس الشيء مع غداء الفكر والروح. ألا يدل هذا على مدى سقوطنا في التخلف والجهل؟

قلتُ له: يا ميخائيل، ابحث لي عن كتاب يكون دواء للذين يرمون الكتب غير مبالين.

قال لي: يا يوسف، أنا ميخائيل أحيا جاهلا وسط جهل الجاهلين، فلا تسعَ إلى قطع رزقي ورزقك. فنكون من الخاسرين.

كنت دائما أتأمل في هذا الميخائيل الذي يكد لتنظيفه وتحويله من نفاية مرمية إلى حياة أخرى.

                                                                يوسف بورة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!