في الأكشاك هذا الأسبوع

عبد الله شقرون.. رائد المسرح المغربي من الإذاعة إلى التلفزة

   كلما عادت بي الذكرى إلى عهد الطفولة وسويعاتها البريئة، إلا واستعرضت في مخيلتي تلك اللحظات الممتعة التي كنا نلتصق فيها بالمذياع، فنتحلق حول هذا الجهاز العجيب، شيبا وشبابا، للاستمتاع بمسرحيات عبد الله شقرون على الأثير، يومي الخميس والأحد من كل أسبوع، فنضحك ملء الوقت ليلة الجمعة، ونستعرض أمجاد العروبة والإسلام ونتعرف على روائع المسرح العالمي المقتبس مساء الأحد..

   كانت أصوات الممثلين والممثلات تنبعث من المذياع فتفعل في نفوسنا فعل السحر، إذ لا حركة ولا سكون، ولا همسة ولا إشارة، فالكل في محراب المسرح والتمثيل يتعبد، مخافة أن تضيع كلمة أو جملة أو ينفرط تسلسل الرواية..

   وكم بكينا مع أمينة رشيد وحمادي التونسي وهما يصوران ببراعة حكايا العشق العفيف والهيام الرقيق بين الأحبة، وكم ضحكنا لمغامرات الفنان المقتدر المرحوم الحاج العربي الدغمي ومقالبه الفريدة، وكم اهتزت أفئدتنا للإلقاء الرائع للمرحوم عبد الرزاق حكم، وهو يتربع على عرش المسرح الإذاعي بدون منازع فنتخيله عملاقا شامخا، ترتعد أمامه فرائص أعتى المجرمين في التمثيليات البوليسية، ولا نغبط حق أصدقائهم الآخرين كالممثلة العملاقة حبيبة المذكوري والفنان المقتدر المرحوم محمد أحمد البصري ورفقاء دربه حمادي عمور والهاشمي بنعمرو وزكي الهواري ومبارك السوسي ذي الصوت الطفولي والممثل العالمي الذائع الصيت حميدو بن مسعود والمرحومين محمد حمد الأزرق ومحمد المفضل الدغمي وعبد السلام العمراني، وبعدهم بسنوات مولاي عبد الله العمراني وصفية الزياني ووفاء الهراوي والشعيبية العذراوي..

   كان وراء هذه المجموعة طبعا ذلك الرجل الصامت الصامد صاحب العصا السحرية الذي يشير فيطاع، ويهمس فيستجاب لإشاراته وملاحظاته، ألا وهو المؤلف الغزير الإنتاج، والمبدع الجميل الإبداع، والمخرج البارع والمقتبس الفذ، الأستاذ عبد الله شقرون أدام الله عليه نعم الصحة والعافية، وأعانه على إتمام مشواره الأدبي والفني المتمثل في التأريخ الدقيق والبحث المتواصل في شجون أب الفنون، فن الدقات الثلاث، هذا الفن الجميل الذي عشقه منذ نعومة أظفاره فأبلى فيه البلاء الحسن جازاه الله عن أهله كل خير..

   هذا الرجل الفذ، فارس الميدان وبطل المسرح الإذاعي بلا منازع، كان له دور بارز في تحبيب بل وعشق التمثيل لمختلف طبقات الشعب، سواء باللهجة المغربية الدارجة أو بلغتنا العربية الفصحى. فكم تتلمذ على يديه وبفضل اجتهاده وجهاده وراء الميكروفون من جهابذة اللغة المعتزين بفصاحة لغة الضاد، إذ يرجع له كل الفضل في تكوين العديد ممن سيلجون في بداية الاستقلال ميدان فن الدقات الثلاث بعد أن تعلموا على أمواج الأثير ما لم يستطيعوا تعلمه في أي معهد، خاصة وأن بلادنا لم تكن تتوفر آنذاك على مؤسسة فنية للتكوين الدرامي مثلما هي عليه الآن والحمد لله.

   وإذا كانت المهمات الإدارية الشاقة المشرفة والمكلفة في آن واحد، له ولوطنه، قد حالت بينه وبين تتميم رسالته الفنية، نظرا لاشتغاله في دواليب المنظمات العربية والدولية، فإن حنين هذا الفنان الكبير إلى الخشبة وما يتصل بها من فنون القول والتشخيص لم يثنه عن السير في ذلك الطريق المليء بالأشواك والأتعاب، فسهر الليالي وكتب المقالات ودمج البحوث والدراسات وألقى قيم المحاضرات في العديد من الجامعات والملتقيات وألف العديد من الكتب التي سيجني فوائدها ولا شك طلبتنا النجباء الذين سيجدون فيها أعظم الذخائر وأنفسها للمزيد من البحث والتحصيل.

عبد الرحمان الكرومبي            

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!