في الأكشاك هذا الأسبوع

لماذا أختار الشهيد بنبركة النفي الإرادي

بقلم: الحسين الدراجي 

 الحلقة الخامسة

   يحق بل يجب على كل متتبعي مسار المرحوم المهدي بنبركة أن يتساءلوا لماذا اختار هذا الأخير النفي الإرادي في الوقت الذي كانت البلاد في أمس الحاجة إليه، والحالة أنه كان في أوج عطائه، حيث كان يحتل المرتبة الثالثة في هرم الدولة بعد أن عينه الراحل محمد الخامس رئيسا للمجلس الاستشاري، وهو أول مؤسسة تمثيلية عرفها المغرب قبل الانتخابات التشريعية لسنة 1963 كانت للمهدي نوايا طيبة نحو بلاده، وكان يحلم بإرساء قواعد مملكة دستورية برلمانية، تضاهي أعرق الأنظمة الملكية الغربية، بل كان يمنى النفس بإحداث مغرب عربي كبير يضم ويمتد من المغرب الأقصى إلى ليبيا مرورا بموريتانيا تحت لواء نظام فيدرالي مشترك تعتمده الدول الخمس، بحيث لها قبة برلمان تجتمع تحتها صفوة الشعوب الخمسة للتداول في القضايا المصيرية الكبرى، بل كان يطمح إلى أن يصبح الملك المرحوم رئيسا روحيا لكل شعوب شمال إفريقيا بصفته أميرا للمؤمنين، لما كان يتمتع به من تعاطف وحب من لدن ساكنة هذه الأقطار الخمسة التي كانت تعتبره رمزا وقدوة للوفاء والنضال الوطني. هذه هي الآمال التي كانت تراود ذلك الزعيم الفذ، ولكن الظروف التي عرفتها الساحة السياسية في السنوات الأولى من الاستقلال حالت دون تحقيق هذه الأهداف السامية، وعلى رأسها الانشقاقات المتتالية التي زلزلت حزب الاستقلال والتي تمخض عنها إحداث حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الأمر الذي أدى إلى التطاحن بين هذه الفصائل التي سخرت بعض تنسيقياتها إلى خوض معارك دامية للقضاء على بعضها البعض، وقد نتجت عن هذه الحرب غير المعلنة اغتيالات خطيرة ذهب ضحيتها بعض رموز جيش التحرير وحركة المقاومة، وبعض القادة السياسيين، وهكذا فقد المغرب خيرة من أبنائه المناضلين كعباس المسعدي، وهو من أهم المؤسسين لجيش التحرير، والفقيه بن إدريس المراكشي، ولم تنتهِ هذه التطاحنات عند هذا الحد، بل فتحت المجال لظهور مليشيات تنتمي لتنظيمات فدائية قديمة، واندست في صفوف رجال الأمن لتعيث في الأرض فسادا، حيث أخذت تنتقل بين مختلف مدن المغرب وتختطف وتحتجز بعض المواطنين الأثرياء لتبتزهم ولا تفرج عنهم إلا بعد أن يؤذوا الفدية، وهي عمليات وفرت لهؤلاء القناصة أموالا طائلة. وفي هذه الأجواء المضطربة، وفي خضم هذا الانفلات الأمني، قرر الزعيم المهدي بنبركة مغادرة المغرب ليعود له بعد أن تهدأ الأمور، خصوصا وأن بعض الجهات بدأت تروج أن المهدي بنبركة كانت له يد في اغتيال المرحوم عباس المسعدي، أما المدينة التي كانت أكثر دموية في المغرب، والتي عرفت أكبر عدد من عمليات الاغتيال، فهي عاصمة الفداء يا حسرة حيث ظهر السفاح أحمد الطويل سيء الذكر، الذي قام بالتصفية الجسدية لعدد كبير من رجال المقاومة الذين سبق له أن عمل في صفوفهم لمكافحة الاستعمار، وسرعان ما قرر اغتيالهم لأنهم رفضوا  الانضمام إلى مليشياته الإجرامية، وقد أدى به غروره وجبروته إلى اغتيال قدوة الفتاة المغربية، المناضلة المرحومة ثريا الشاوي لأنها رفضت أن ترقص معه في الملهى الليلي الذي كان يوجد بالمدينة القديمة، والذي كان يسمى الديك الذهبي(…) حيث كان المغني سليم الهلالي يقيم سهرات تحضرها العائلات المغربية وشاءت الأقدار بأن يتزامن حضور أب وأم المرحومة مع وجود هذا السفاح بنفس الملهى، والذي اعتبر رفض ثريا الشاوي إهانة له، فظل يتربص بها الدوائر إلى أن انتقم منها بارتكابه جريمة شنعاء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!