في الأكشاك هذا الأسبوع

حزب الملك.. ثم حزب الهمة.. ثم حزب …..

بقلم: مصطفى العلوي

الحلقة الأولى

 

  تقول الحكمة القديمة “ويل لمن أشارت إليه الأصابع ولو بالخير”، بينما يظهر أن الهيكل السياسي المغربي الذي أدخله زخم الأصابع المشيرة، في ظلام دامس، هو حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أسسه الرجل الوحيد القابع دائما تحت ظل المظلة الملكية، فؤاد عالي الهمة، وهي قرابة، أو قرب، أو تقرب، كانت كلها سببا رئيسيا في أن يصبح هذا الحزب، قربانا متمددا تحت مقصلة الرأي العام.

  وعندما نسمع مؤخرا، عن الأجندة السياسية التي نعيشها، وعن هذا التعاون المتين بين الحزب الإسلامي الحاكم وبين القطب المؤسس لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي شبع شربا من معين النفوذ والممارسة المخزنية، فإننا نجد في اتفاق الحديبية السياسية المغربية، بين فؤاد الهمة، كمستشار ملكي، وبين عبد الإله بن كيران، كرئيس لحكومة صاحب الجلالة، ليصبح متحتما على التاريخ السياسي، أن يلغي من سجلاته، ذلك الحكم الذي أصدره قديما جد هذا الحزب(…) ورئيسه وعقله، الشيخ بيد الله، الذي غضب يوم تتويج حزب العدالة والتنمية، إثر انتخابات 2011، حين قال بيد الله مستهزئا بصيغة فلسفية: ((كم من لحية نمت على ذقن جاهل(…) وما تحتها إلا الغباوة والجهل)) معلقا على تشكيل الحكومة الملتحية(…).

   ويبقى التعمق مشروعا في الخلفيات الكامنة وراء مبدإ الويل المرتبط بإشارات الأصابع، مبررا للرجوع الحتمي إلى الخطإ المغربي(…) بصنع حزب، لمواجهة كل وضع. وبدل الاكتفاء الذي أدركه الملك الحسن الثاني في آخر أيامه، بأن المغرب النموذجي المستقر سياسيا، يحتاج فقط إلى ثلاثة أحزاب، حزب يميني، وحزب يساري، وحزب للوسط، فإن الحزب ليس مجمعا للأصحاب، مثل لاعبي الكارطة، وإنما الحزب يجمع لنخبة لابد أن يكون رصيدها مرتبطا بطبقات المجتمع، وهو الخطأ الذي ارتكب في حياة الحسن الثاني نفسه، عندما أوحى أو عمل على تأسيس تجمع الفديك، للدفاع عن المؤسسات الدستورية، ثم حزب الأحرار الذي أسسه صهر الملك وصديقه(…) عصمان، وكان له بحكم الرعاية الملكية، ثمانون نائبا في البرلمان، ثم خطرت في إطار الانتهازية السلطوية، فكرة تقسيم هذا الحزب، ليكون للدولة وأجهزتها حزبان، لا حزب واحد، قبل أن تدفع الأجهزة نفسها إلى تأسيس حزب ثالث، أسسه المعطي بوعبيد وهو أيضا يقرب القصر عبر المصاهرة. وهي تشكيلات لم تستطع الصمود في وجه ضعفها المنطلق من الفكرة التافهة، لصنع الأحزاب على طريقة صنع الحلويات في المخابز، أو المأكولات في الكوكوط مينوت.

   فكان خليقا بالمجموعة المقربة من الملك محمد السادس أن تبتدع هي أيضا هيكلا متناسقا مع طموحات الأجيال الجديدة، أجيال العقول الإلكترونية والحضارة الغازية، لولا أن المشاريع السياسية الكبرى لا تصنع على أيادي مبتدئين في السياسة تنطبق على مخططاتهم، قاعدة الاستهزاء المغربي، “يدي ويد القابلة، يخرج الحرامي أعور”.

  فأحرى إذا كان المكلف الرئيسي(…) ينطلق من قوة الموقع، أو يكتفي بإعطاء الأوامر.. وتوزيع المهمات، رغم أن مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة، وكم هو ضخم هذا العنوان، كان منطلقا من الرغبة في دعم العهد الجديد، فأدمج في الهيئات المقررة، مجموعة من قدماء اليساريين، والثوريين الذي كانوا غاضبين، يجالسون حشدا من المتحزبين الفاشلين، أو المدفوعين بالرغبة في تصفية الحسابات، بجانب فئات ممن اتخذوا من حزب الأصالة والمعاصرة محطة مؤقتة للحصول على النفوذ، والمناصب والصفقات(…) حتى الكثير من أقطاب المخدرات وغيرها من المحرمات(…) تسربوا إلى المناطق الغير مرئية(…) من هياكل هذا الحزب.. خليط من المتناقضات، ما كان لها أن تتعايش فيما بينها، خصوصا بعد أن أوحت التجربة السريعة، بتلك الرغبة العابرة، في تبني منظمات حقوقية وإنصاف ومصالحة(…) وضعت رهن إشارتها ميزانيات بالملايير، لتتوقف تلك المخططات بتوقف صبيب الملايير. وفيما يتعلق بالحزب نفسه، كان قرار قطب الحزب، ومؤسسه، وروحه القدس، فؤاد الهمة، بالاستقالة من قيادة الحزب، لتعنون الصحف كلها وعلى ثمانية أعمدة: ((نهاية حزب القصر))، وتعنون أخرى: ((هل هي نهاية حزب صديق الملك)).

  استقالة جاءت بالتأكيد بعد أن صرح القطب الاتحادي المتنطع(…) عبد الهادي خيرات ((إن فؤاد عالي الهمة يريد شيئا واحدا لا ثاني له هو التحكم في مراكز القرار في البلاد)) (الجريدة. 31 أكتوبر 2009).

     رغم أن فؤاد الهمة سبق هذا التشنيع بسنة، عندما صرح متبرءا: ((لسنا حزب الملك، ولا يقف وراءنا أي جهاز)) فمن صدقه أو من سيصدقه، وكأن فؤاد الهمة يحتاج إلى تبرير، ليتحلى بشجاعة، كانت منطلقة من اكتشافه هو أيضا للأمر الواقع(…) وربما بعد ما سمع الكثير مما لا يرضيه، في هذا الوطن، الذي لا يرحم المترددين: ((لا أرجع لموضوع هل نحن حزب الملك، نحن قدمنا الكثير من الأجوبة، نحن وراء مشروع مركزه الملك، فقد اعتقدنا أننا نتكلم مع أناس عقلاء(…) إن مبادرة تأسيس الحزب، تبين أنه غير مرغوب فيها(…) لأن هناك بعض التوازنات التي تعيشها البلاد)) (تصريحات فؤاد الهمة في منطقة الشاوية في 9 مايو 2009).

   قد يقال في حق الشعب المغربي كل شيء، إلا أنه ليس من حق أحد أن يصف الجماهير الشعبية بالغباء، لأنه إذا ظهر المعنى فلا حاجة للتكرار.

فسرعان ما بدأ الحزب القوي، يعرف مرحلة سريعة من التفكك، بعد أن أصبحت السفينة تهتز، خصوصا: ((مع توالي غياب الرجل القوي في حزب الأصالة، فؤاد الهمة عن تظاهرة ثقافية في بلدته(…) بن جرير التي كان في مقدمة الداعمين لها، يسود اعتقاد بأن الحزب الوليد(…) في طريقه إلى الانكفاء والتراجع، لأن مصدر أتعاب الحزب، أنه ارتبط بشخص فؤاد الهمة أكثر من استناده على مفاهيم فكرية وتجارب سياسية)) (نعمان الهاشمي. المساء 10 مايو 2011).

ونزل من تراكتور الحزب هاربا، كل من قطبي حزب العهد الوزاني، وحزب البيئة العلمي، وكان موقف الكولونيل عبد الله القادري رئيس الحزب الديمقراطي الذي انضم بحماس، لحزب الأصالة قبل أن يصدم بما جعله ينتقد الحزب وقطبه فؤاد الهمة، الذي طالبه بنصف مليار، عقابا له على تصريحاته، وتحكم المحكمة طبعا(…) بما طالب به فؤاد الهمة، فمن هو القاضي الذي سيرفض طلب صديق الملك.

   ثم تتسربل الاستقالات والانشقاقات بدءا من خال فؤاد الهمة، نرجس، رجل الحزب في مراكش، ثم عزيز بنعزوز رئيس قطب، وإدريس بلماحي، وحسن بنعدي الذي كان يا حسرة خلال فترة ما، أمينا عاما للحزب، والحبيب بلكوش، ويبتعد النموذج التقدمي، والمفكر صلاح الوديع، مصرحا بأن الحزب، حزب الأصالة لم يجسد الوعود التي قدمها للمواطن، ثم تعنون الصحف عن استقالة جماعية من حزب الأصالة بفاس، وأخطر من ذلك، ودون بيان ولا تصحيح عن اتهامات لقياديين في الحزب نفسه، بتبني ملف شبكة غير أخلاقية(…) وينحاز أكثر من عشر نواب من حزب الأصالة إلى معارضة قطب الحزب أحمد التهامي لتبني فكرة معارضة داخل الحزب، لما سمي احتكار جناح يساريي الحزب، للقرار في وجه التيار الوسط(…) الذي يقوده رئيس الحزب محمد الشيخ بيد الله.

   وبينما كان الكثير من المتعاطفين مع الحزب، يرون في المستشار الكبير للحزب، البشير الزناكي وكان الناطق الرسمي للحركة الأم للحزب، حركة لكل الديمقراطيين، الذي فضل الابتعاد مادام هذا الحزب في نظره ((يختار كائنات من الجسم الانتخابي المعروف(…) وأحيانا أشخاصا لهم ماض انتخابي أسود)).

   أخطاء قاتلة.. قتلت أحزابا سياسية كان رصيدها أغنى بكثير من حزب الأصالة والمعاصرة، سبق إلى التنبؤ بخطرها، حكيم مجرب، هو الرئيس السابق لحزب التقدم والاشتراكية، إسماعيل العلوي الذي كتب ((إن ممارسة الوافد الجديد، حزب الأصالة، تدعو للاشمئزاز، لأنه انحرف عما دعى إليه في البداية، فهو لن يربح الرهان)) (الاتحاد الاشتراكي. 8/9/2010).

قبل أن ينصح المعارض العلوي نفسه، وربما تحت يافطة الإشفاق، من ((أن تنتهي حركة الهمة بتراجيديا أو كوميديا، لأننا لا يمكننا أن نلغي التاريخ من ذاكرتنا.. ونحن نستلهم مقولة لمفكر قال: تكون البداية تراجيدية وتنتهي على شكل هزلي)) (المساء. 8/2/2012).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!