في الأكشاك هذا الأسبوع

3 أجهزة دولية تدعو إلى الترخيص الحزبي لجماعةالعدل والإحسان لمواجهة الإرهاب

مفهوم الخلافة بين عبد السلام ياسين وأبو بكر البغدادي

إعداد. عبد الحميد العوني

   أورد تقرير لوكالة الاستخبارات البريطانية “إم. آي. 6” لشهر أكتوبر الماضي فقرة تقول: ليس مهما النشاط الحزبي لسلفيين مغاربة خرجوا توا من السجون، بل التطبيع مع جماعة ترفض العنف، ومنع عمل “العدل والإحسان” حركة 20 فبراير من الوصول إلى “الحدة التي سمحت في دول أخرى بإطلاق حروب أهلية محدودة”، والترخيص لعمل حزب، لجماعة العدل والإحسان خطوة حاسمة في مكافحة الإرهاب بالمغرب، وتوافق المخابرات الروسية، وجزء من مجتمع الاستخبارات الأمريكي “دي. آي. إيه” وخارجية “جون كيري” على نفس الخلاصة.

   وتابع التقرير أن المخابرات الإسبانية أكثر الأجهزة الغربية تخصصا ومتابعة لهذه الجماعة في أوروبا، ولم تجد مدريد أي دليل على تورط “العدل والإحسان” في أي عمل يمس الأمن القومي للدول الأوروبية أو لبلد المنشأ (المغرب)، وذهب المعهد الملكي للدراسات الأمنية والدفاعية البريطاني (روسي)، إلا أن منع الإسلاميين في المغرب وليبيا زاد من موجة التطرف. وأشار تقرير “إم. آي. 6” إلى جماعة العدل والإحسان في المغرب وجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وهو ما أدى إلى ارتفاع زائد لمعدل التحاق المغاربة المتطرفين بداعش، ويجري كل ذلك في ظل حكومة العدالة والتنمية التي تحارب التطرف وتمنع عمل جماعة العدل والإحسان، وحكومة طبرق التي تحارب التطرف (والإخوان) في نفس الموجة.

   ويرى التقييم أن جماعة العدل والإحسان تنتمي إلى “الصوفية السياسية” ويدعم النظام المغربي “الصوفية السلوكية”، ويؤكد “أوليفيي روا” في جريدة “لوموند” أن الإرهابيين عدميين أكثر منهم طوباويين.

جماعة العدل والإحسان والجماعات السياسية المثيلة في باكستان حاصرت انتشار طالبان

 

   دعم الجيش الباكستاني “الجماعات التي تدور حول فكر شخص لمواجهة تمدد طالبان وداعش داخل البلاد”، ومن المهم في هذه التقديرات: أن تكون الكاريزما لشيخ ينتمي للقيم غير العنيفة في الإسلام لمحاصرة الامتدادات السرية لجماعات أعلنت عن نفسها دولا، من طالبان إلى داعش، ولا تختلف التجربة المغربية في تنظيم العدل والإحسان عن هذه “التشكيلات الصلبة وذات الروحية العالية المرتبطة بفكر شيخ معين”.

   ويرى الغربيون أن المغرب يحظى بفرصة نادرة وعميقة لأن الصوفية السياسية التي تمثلها جماعة العدل والاحسان كانت ضمن آليات “الحد من نزوع مجتمع الإسلاميين في المغرب نحو التطرف”، حيث منعت فصول حرب أهلية من خميرة 20 فبراير، كما قلصت الاقتتال “المحدود” للطلبة  في الجامعات المغربية، وجرت محاصرة هذه الظاهرة أكثر، رغم شيوع العنف في تصرفات ما بعد الربيع العربي، ويبقى ما حدث عنوانا مشؤوما على صعوبة تحكم الجيل المثقف في نزوعات العنف والفجوة الجيلية، وانتهت حركة 20 فبراير إلى سقف مقبول دون انحراف أو استعمال للقوة من طرف الشارع.

   بعد أشهر انصهرت الجماعة في نهج اجتماعي أكثر، كان آخره مشاركة العدل والإحسان إلى جانب المركزيات النقابية الأخرى في تظاهرات عمالية حاشدة.

   ويدعو الانتقال الذي حدث بعد وفاة مؤسسها ـ عبد السلام ياسين ـ إلى محاربة نزوع العنف المجتمعي في أوساط الجماعة أو خارجها، بل أطلقت إنذارات لحماية أمن الدولة والمجتمع، ورد النظام بمرونة وبرغماتية على الدعوات الاجتماعية الصرفة التي حركتها الجماعة المذكورة أو شاركت فيها.

   ورفضت الأجهزة تصريحات رئيس الحكومة بخصوص تظاهرات طنجة حول غلاء الماء والكهرباء، ولم تقرر اتهامه ضد أي طرف بإيقاظ الفتنة التي فسرها بعض الإعلام المحلي على أنها موجهة للعدل والاحسان، ورأى آخرون أنها تشير إلى حزب الأصالة والمعاصرة التي رفض رئيس الجهة، التي عرفت الاحتجاجات “إلياس العماري” دفع فواتير “أمانديس” قبل أن يتراجع عن هذه الخطوة مباشرة بعد وصول المحتجين إلى أربعين ألفا.

القضاء على داعش من التسوية مع العدل والإحسان والسماح لها بالممارسة الحرة

   تخوفت الدوائر الغربية من حزب سلفي في المغرب واعتبر البعض هذه الخطوة “مخزنة نوع من التطرف” باستخدام مغربي صرف، وقد تفجر هذه الصناعة الاستخبارية المجتمع الأمني والسياسي المغربي، لأن “دولتة” (منسوبا إلى الدولة) العنف يبدأ من العمل أو اصطفاف منتجي العنف إلى جانب الملك، والعمل الحزبي للسلفيين يحمل هذه الخطورة، فيما يدفع الآخرون بعدم ترك هذه الفئة في الهامش الحزبي والسياسي، وينظر آخرون إلى إطلاق الممارسة الحرة للسلفيين والعدليين مرة واحدة، لكن المواجهة محققة بين التيارين “ولا يمكن القبول بتوتر الأجواء المؤكدة”، بتعبير التقرير نفسه.

استفاد المغرب من فهم مليون مواطن للخلافة من منظور آخر سطره عبد السلام ياسين “سلميا” قبل دعوة أبي بكر البغدادي

   تجاورت دعوة الخلافة (الياسينية) وإمارة المؤمنين لأربعين سنة دون قطيعة كاملة أو صدام قوي، ولن تتحمل الدولة المغربية حاملين لبيعة أبي بكرالبغدادي إن زادوا عن خمسة آلاف شخص، لأن الثمن الأمني سيكون غاليا.

   وفي ظل التقاطب بين القاعدة وتنظيم الدولة لم يعد مهما من يمتلك الحق في إعلان الخلافة بل من يقتل أكثر في صفوف المسلمين وغير المسلمين، ويفرض هذا التطرف من داخل استراتيجيات التطرف مواجهة شاملة تسمح للتنظيمات الشخصية غير العنيفة بالعمل لأنها نتجت عن اجتهادات وليس عن تطبيقات حرفية، ومن الواجب السماح لحرية التعبير أن تكون ضمن وسائل مكافحة الإرهاب.

   وفي ظل التقاطب المغربي الصامت بين “الخلافة” التي أعلنها ياسين، وإمارة المؤمنين التي يقودها رئيس الدولة، لم يجد السلفيون سوى تحفيظ القرآن والانتماء إلى الوهابية التي انشطرت بين السلفية العلمية والسلفية الجهادية، من بداية تسعينيات القرن الماضي، وحاليا بين القاعدة وتنظيم الدولة، ولم يكن لهما أي طابع مغربي خالص.

   في تفجيرات مالي، حدث شيء يميز القاعدة عن تنظيم الدولة، حيث عزل المسلحون الرهائن بين من يحفظ آيات قرآنية وبين غيرهم حرصا على الحد من الوفيات بين المسلمين المدنيين فالجرأة انطلقت من الحضيض مجددا لاسترجاع بعض الأنفاس، ورأت “واشنطن بوست” ـ مقال آن برنار دونيل وماكفا ركهار ـ أن داعش وصلت إلى النقطة الأخيرة:

   تعنيف أبي محمد العدناني للمسلمين علنا الذين يفشلون في استخدام أي وسيلة متاحة، رصاصة أو سكين أو سيارة أو صخرة لإراقة دماء الصليبيين.

   ويرى المتابعون الغربيون: أن من داخل التنظيمات المحلية للإسلام السياسي يمكن الحد من تنظيم الدولة، ويأتي تقييم استخباري لصالح العبادي (رئيس جماعة العدل والإحسان) بأنه فرصة ثمينة لتكريس مبادئ اللاعنف المحلي، والتربية عليه.

   ويجدون في موضوع آخر أن ياسين “منظم” فيما العبادي “مربي” لجماعة اللاعنف في أوساط الجمهوريين، ودعاة الخلافة، وأنصار الملكية البرلمانية لقرار العدل والإحسان المشاركة في كل التظاهرات، ومن كل الطرق بما “يستبعد الحرب الدينية في المملكة”.

جماعة العدل والإحسان ضمن العوامل الصامتة “لمحاصرة تمدد القاعدة في المغرب”

   منذ أن عزل الحسن الثاني اليسار عن الانقلابيين، عزل الإسلاميون أنفسهم وبطريقة حرة فئة “الانقلابيين” منهم، ولم يتمكن الدعم ـ الليبي ـ الذي فجر حربا في الصحراء أن يعمل أكثر من 620 يوما فقط فوق الأراضي المغربية (حسب تقديرات الإسبان).

   وفعلا انحصر تنظيم الشبيبة الإسلامية الذي قاده عبد الكريم مطيع، وبقي العنف المتبادل بين الإسلاميين واليساريين “ضيقا ومحدودا” إلى اليوم.

   ومن المنطقي دعم العوامل الصامتة لمواجهة داعش، في واجهتها الفكرية وأيضا على صعيد عملها الميداني، ومن المهم أن لا تكون استراتيجية المغرب “مركزة” وأن تأخذ بكامل العوامل والبنيات المساعدة يقول ريتشارد باريت الرئيس السابق لعمليات مكافحة الإرهاب العالمية في وكالة الاستخبارات البريطانية “إم.آي.6” وهو الآن محلل في مجموعة صوفان، وفي تعليقه، إن التركيز الذي حدث على داعش في العراق وسوريا سمح بفرصة كبيرة لضربة المتطرفين في مالي، والاهتمام بالعوامل المركزية دون العوامل المساعدة (خطأ).

   وبالنسبة للمخابرات الدولية، فإن التعبير الحر للخلافة على خط آخر أو برؤية محلية يفيد محاصرة داعش إلى جانب عوامل الشرعية الأخرى.

   ومن جهة أخرى يفيد عمل الجماعات الحر في إعادة تأطير الأفكار المعلبة القادمة من الخارج، وسماح الأحزاب لانتماء مشايخ وكبار التيار السلفي إليها فرصة جيدة لتعاطيهم مع التحديات المجتمعية، وتكمن الفرصة الأهم في الحوار الديني المفتوح، بين مختلف التوجهات بما يجهض “تربويا” مشاكل الفكر المتطرف، لأن المخيف حاليا ليس وجود جماعات بقدر ما يشكل الانتقال إلى “الذئاب المنفردة” التحدي الأبرز الذي يخلقه كل فرد متطرف.

   وحاليا لا يمكن للمغرب أن يستثمر في خلاف القاعدة وداعش، ويمكن أن يعمل على استثمار القواعد الصامتة والمساعدة في بيئة مفتوحة وديمقراطية.

   قد لا ينفي البعض عن العدل والإحسان التطرف، ويسمها الكل باللاعنف، لكن “تعزيز النظرة الأحادية لإمارة المؤمنين لن يخدم أيضا العمل المدني للحد من تأثير القاعدة وتنظيم الدولة”.

   ويمكن في عهد العبادي الوصول إلى مستوى أدنى من التسييس داخل جماعة العدل والإحسان، كما كان انتقال حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة فصلا آخر بين جماعته الدعوية والسياسية، وفي أفق قريب سيزيد “العمل الدعوي والأخلاقي” لأن داعش والقاعدة سيطرتا على المنهج السياسي المحتمل في الذهنية العامة.

   وتعد الأعمال الأخيرة للجماعة التي تحولت فيها القومة من إسقاط النظام وإنشاء الخلافة إلى “قومة” للخروج في مسيرة نقابية ضد سياسات فصيل إسلامي يرأس الحكومة، تحولا جذريا.

   يبقى العمل الاجتماعي لمثل هذه الجماعة “تاكتيكيا واستراتيجية” في خدمة السلم الاجتماعي، كما سيساهم في محاصرة تبريرات العنف، من منطلقات محلية.

   يقول تقرير “إم.آي.6”: جماعة العدل والإحسان لا تتوسع بالشكل الذي يخيف النظام، لكنها تحاصر بآليات محلية فكرة داعش في المملكة، وعلى الرباط أن ترقى إلى المستوى الموصى به في الانفتاح، حسب كل المقاييس، لبناء أكثر صلاحية يمنح الاستراتيجية الشاملة لمحاربة الإرهاب، إحساسا وواقعية أكبر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!