في الأكشاك هذا الأسبوع

قطاع المحاماة في حاجة إلى الاقتناع بأهمية التطهير والحرص على الاستقلالية

 

بقلم: محمد بركوش

   كان وزير العدل والحريات في تلك الأمسية التي وصفت بالخالدة والمتميزة (في نهارو) كما يقال في الدارجة، بدا أكثر انشراحا وبساطة ومصداقية أيضا، حيث تحدث في لقاء مراكش الأربعاء الماضي “الذي خصص لبرنامج التكوين والتكوين المستمر لفائدة المحامين” بأكبر قدر من العفوية والنبل، مشابها في ذلك للقائد الجيد حسب قول أرسطو، الذي يستخدم ما لديه من قوات على خبر وجه فعال، كانت الكلمات تخرج واضحة من عمق صدفة الصدق في لحظات انقشع فيها الحلم بعد طول طقس ملبد، لعل أجملها تلك التي صفق لها الجميع عندما أعلن الوزير عن قرب الانتهاء من أشغال المشروع الكبير، الذي سيضم كل محاكم مراكش في رقعة واحدة تستظل بالعدالة ويصونها القانون.

   تكلم الوزير دون خلفيات وببساطة بعيدة كل البعد عن الفتاوى المكتوبة مستقويا بتراث منسي كان يشمل مملكة كاملة كل أناسها يرتدون بذلا سوداء كرمز للصمود والتحدي ونكران الذات، الكلمات كانت تخرج باذخة كأنها تستمطر نداءات سابقة وتستعيد زمالة قادرة على البعث والتجدد، والحلم بالعودة إلى ماض جميل، فصل فيه الوزير المحامي القول تفصيلا أكثر من أدغال، الرمز أو الإشارة، إلى درجة نسيان الزمان الذي لم يعد بالنسبة إليه حفنة من الثواني أو الدقائق بقدر ما هو أشرعة تطلعات وذكريات تسعف قراءتها استحداثيا في استخراج العبر والدروس، واستجداء الأضواء التي يمكن الاهتداء بها في دروب انطفأت فيها شموع الأحلام  نتيجة سوء الفهم والعربدة في المواقف والرغبة في انتصارات مزيفة، لا ينجم عنها سوى فتح أبواب الإساءة والتطاحن.

   طرح الوزير كل شيء دفعة واحدة وفي زمن قياسي، وكأنه يسعى للتخلص مما يختلج في النفس ويحرق الرأس والأعصاب بما ينثر من تشويش إضافي، ويرمى من عصي في العجلات لمنع النهر من الرحيل، مذكرا بالمناسبة كرهه المشي والسير على الأرصفة الهشة والحزينة، لأنها ليست بعرض أحلامه وطموحاته المضاعفة البياض كما يقال، أن يكون وصيا على أهم مرفق بقوم على العدل الذي هو أساس من أسس الدولة الحديثة.

   قال الوزير بأن مشاغله الكثيرة ووقته القليل لم يمنعاه من الحضور ليشارك زملاء له “يعرف بعضهم بالاسم والصورة ورائحة الطيبة” في وضع لبنة جديدة لعهد جديد يتماشى مع ما يعرفه العالم من تطورات سريعة تحتاج إلى تكوين أيضا متطور بمعايير متقدمة مقامة على نوع القوة التي تستندها “كما قال طوسيوس” وعلى انبثاق أخلاقي ومهني، ونظام يضبط السلوك والعلاقات، ويحدد مصادر التأديبات في حرص تام على الاستقلالية والانفراد بإيقاع الجزاء، وقانون يعيد الأمل في إحياء الأعراف والتقاليد الكفيلة بفرض الاحترام والانضباط وإعطاء المثل الأعلى والنموذج الأمثل الذي يمكن أن يحتدى، ويقدم كبديل لما هو سائد اليوم: نموذج في استطاعته أن يسير جنيا إلى جنب مع القاضي المكون تكوينا حديثا متلائما مع شروط التنمية الاقتصادية وبناء دولة الحق التي يسعى الكل إلى إحداث ثورة كبيرة كما قال الوزير في المنظومة التي لا تزال تثير الكثير من الكلام) للوصول إليها والاحتماء بظلال عد لها الوافرة.

   لقد استطاع الوزير، الذي كان منشرحا إلى أبعد حد، نتيجة الجو الأخوي البعيد عن التجاذبات والتموقعات السياسية، وبسبب الانسجام المهني إن صح التعبير والتواصل القوي بين كل أفراد الأسرة الواحدة من قضاة ومحامين وقانونيين استطاع أن يأخذ بالألباب ويجلب الأنظار والأسماع حتى وهو صامت “لأن في صمته كما قيل تكبر اللغة” بعد أن نزع أخشابا كثيرا ودفع بلعنة المشاكسة إلى الخلف لإنتاج فائض التجاوب وتحقيق إضافة في التفاعل، وبالضبط عندما رسم قبلة معبرة وبدلالات على رأس رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب اعترافا له بمكانته وجديته وما أسداه من خدمات وقدمه من مجهودات لتقريب وجهات النظر بين المحامين والوزارة وإذابة الخلافات في فنجانه الدافئ وإنهاء لعبة شد الحبل خاصة في شان المساعدة القضائية التي قيل بان ملفها طوي بعد اجتماع الإثنين “فكانا أقوى على الفعل والفهم كما قال هو ميروس”، وأغلقت أقواسه حسب رئيس الجمعية الذي كان متفائلا إلى أبعد حد، رغم ما قيل وما أثير من قضايا شائكة تهم مهنة النبل أو الشرف، هي في حاجة غلى ما ينصت أليها بارتياح ودون أفكار مسبقة ويتلقى ما يطرح بسببها دون تحامل، مع إبداء الملاحظات وتقويم الحلول الممكنة والمقترحات دون تشنج أو وقوف وسط الطريق لأن تهييء حدث مستقبلي قوي وخال من الفراغات يحتاج إلى الأيادي كلها والعقول جميعها بعيدا عن أسلوب التهميش والإقصاء ونبذ الرأي المخالف.

   الأستاذ عبد اللطيف حتيتش نقيب المحامين بمراكش الرجل الهادئ المتزن والجريء أيضا في اتخاذ القرارات الهادفة والصائبة مع باقي أعضاء المجلس (توقيف رئيس بلدية قلعة السراغنة عن مزاولة مهنة المحاماة بعد إحالته على جناية مراكش: (المساء العدد 2842)، بعد أن رحب في البداية بالحضور “المتميز في مدينة متميزة” دون أن يقع في الارتباك أشاد باللقاء المفخرة حسب وصف رئيس الجمعية الذي جمع نخبة من رجال القانون والحقوقيين والقضاة والمحامين والمنتسبين إلى عالم النصوص والشكليات والدفوع، منوها بالمبادرة الخلاقة (الاتفاقية الإطار) للنشأة بين وزارة العدل والحريات وجمعية هيئات المحامين بالمغرب وكذا المعهد العالي للقضاة، والتي تهدف إلى تسطير برنامج تكوين وتكوين مستمر، يساهم في تطعيم الأجيال السابقة وخلق جيل جديد في مقدوره ومواكبة المستجدات وما يعرفه العالم اليوم من تطور في المجال القانوني، هذا الأخير الذي يعتبر حسب الأستاذ حتيتش نقيب مراكش المؤشر رقم واحد في تطور الأمم وارتفاع عدالتها التي لا تتحقق إلا باختيار الأنسب من حيث التكوين الجيد ليس فقط في عموميته ولكن في خصوصيته صيته التي تسهل عمل المحامي عن طريق “إنشاء آليات أخرى مع شركائه”، معلنا أي النقيب عن رغبة نقابة مراكش في السير بعيدا في مجال التكوين عن طريق برامج غنية ومتطورة لا يقتصر طلبها على المتمرنين بل أيضا الرسميين، وذلك لإضفاء مسحة التجربة على العملية، إذ التكوين بدون تجربة تقول النقيب حتيتش هو تكوين ناقص، لا يساعد على جودة و تطوير القطاع الذي يعاني من مشاكل وسلبيات هي أعمق بكثير من أن تداوي كما قال الملياني بعشر وصايا، قطاع في حاجة إلى الكثير من الاقتناع بأهمية التطهير والحرص على الاستقلالية، ومضاعفة الجهود من أجل فرض احترام المحامي والإصغاء إلى مرافعاته وتشجيعه عن طريق الحوافز كما قال النقيب، وهذا طبعا يتطلب الحضور الفعلي للمحتمين المتمرسين والمتشبعين بالمبادئ والأعراف والتقاليد والحاملين للهم المزدوج: هم المهنة وهو العدالة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!