في الأكشاك هذا الأسبوع
الطبيب عبد العالي بنجاي دوشان وابنته مع الملك الراحل الحسن الثاني

الطبيب “اليوغوسلافي” الذي عاش محاولات الانقلاب على الحسن الثاني.. مات “منسيا”

من المسؤول عن إهمال دكاترة القصر الملكي

 

إعداد. سعيد الريحاني

   هل سألتم أنفسكم يوما، ما مصير أطباء الملك الراحل الحسن الثاني؟ ألا تقتضي حساسية المهنة التي كانوا يزاولونها اهتماما خاصا بمآلاتهم، ومصير عائلاتهم؟ ما مصير عائلة الدكتور “فرانسوا كليري” الذي تصفه الصحافة بـ”حامل أسرار الدولة العلوية”، والذي رافق الحسن الثاني لفترة طويلة من حكمه، والذي توفي خلال شهر أبريل من السنة الماضية، عن سن يناهز 96 سنة بالعاصمة الفرنسية باريس، بعد أن ألف كتابا تحت عنوان: “حصان الملك”le cheval du roi ، الذي جاء فيه أن الزعيم الاتحادي، المهدي بنبركة قتل عن طريق الخطإ من طرف الجنرال أوفقير(..)، ما مصير عائلة مدير المصحة الملكية الجنرال مثقال، الذي توفي بعد معاناة طويلة مع المرض، حسب التقارير الصحفية، كيف هو نظام الخدمة داخل المصحة الملكية؟

   لكل طبيب من أطباء المصحة الملكية قصته، غير أن تاريخ أطباء الملوك، لم يحض في المغرب بالعناية اللازمة، لذلك فقد حجز معظمهم أماكنهم داخل رفوف النسيان، وقد يكون من المدهش جدا الوقوف على ملفات مطلبية لهذه الشريحة، من العاملين في المصحة الملكية، والنموذج هنا من الطبيب “اليوغوسلافي” عبد العالي بنجاي دوشان، الذي توفي خلال شهر أبريل الماضي، دون أن تكتب عنه الصحف، ولو خبرا مقتضبا، وها هي زوجته تكشف جانبا من جوانب النهاية غير المتوقعة، لطبيب عايش الملك الراحل الحسن الثاني، وكان محط تنويه منه من خلال عدد الأوسمة التي حصل عليها.

    تنفست “أمينة فضول” الصعداء، وهي تسترجع شريط مسار طويل من الذكريات رفقة زوجها، الطبيب “عبد العالي بنجاي دوشان”، الذي رحل مؤخرا في صمت، رغم أنه كان مكلفا طيلة سنوات بالإشراف على الحالة الصحية للملك الحسن الثاني، واشتغل ما يناهز عشر سنوات بالمصحة الملكية، في حي “تواركة بالرباط” في عهد الملك محمد السادس، قبل أن توافيه المنية “مهملا” و”معزولا” في بيته يوم 16 أبريل الماضي.

   عبد العالي بنجاي دوشان، وكما يظهر من خلال الاسم ليس طبيبا مغربيا، ولكنه من أصل “يوغوسلافي” (ينتمي بالضبط لسلوفينيا)، اختار الوفاء للمغرب طيلة سنوات، بل إنه أصر على حمل الجنسية المغربية، التي حصل عليها بتاريخ 2 أكتوبر 1974، بناءا على ظهير شريف أصدره الحسن الثاني، جاء في فصله الأول: “أصدرنا أمرنا الشريف، بأن تنمح الجنسية المغربية بصفة استثنائية، للسيد علي بنجاي، المولود في 7 غشت 1927 بيوغوسلافيا، من أبويه جورج بنجاي وأنطونيا برنيك بنجاي..”.

   تؤكد زوجته “أمينة”، أنه بدأ مساره كطبيب بمستشفى ابن سينا في الرباط، قبل أن يلتحق بالطاقم الطبي، مع “الشرفا” بالقصر الملكي، حيث عاش عدة سنوات في خدمة الملك الراحل الحسن الثاني، الذي عينه بظهير شريف طبيبا مساعدا للطبيب الخاص بجلالته، في شهر رمضان سنة 1974، ولم يغادر المصحة الملكية إلا سنة في 2010، بعد أن أضاف سنوات أخرى من العمل في العهد الجديد.

   تحكي زوجته، وهي ربة بيت وليس لها أي مدخول، أن وفاته كانت مفاجئة، إذ أن العائلة وهو نفسه، لم يكونوا يعتقدون أن الحمى التي أصابته، طيلة ذلك اليوم (16 أبريل 2015)، ستكون مقدمة للوفاة، حيث أجرى اتصالات مساء نفس اليوم مع بعض الأطباء من أصدقائه، لكنهم عندما دخلوا عليه، وجدوه ميتا، بينما كانت عائلته تعتقد أنه فاقد للوعي فقط، حسب ما أفادت به زوجته.

   لم تتم إذاعة خبر وفاة طبيب الحسن الثاني على شاشة التلفزيون، ولم يجد نعيه ولو حيزا صغيرا في بلاغات وكالة المغرب العربي للأنباء، بل إنه دفن في صمت ولم يحضر في جنازته لا “جنرالات” ولا مسؤولين، فدفن بشكل صامت في مقبرة حي الرياض بالرباط، تقول زوجته: “إنه لولا العناية الملكية، لما كنا وجدنا مصاريف الجنازة”.

   تؤكد زوجة الراحل التي طرقت أبواب “الأسبوع”، أن عائلته أصبحت تعيش أوضاع مالية مزرية، بعد أن توقفت كل التعويضات بشكل مفاجئ، لتكتشف أن زوجها محروم من المعاش، رغم السنوات التي قضاها في مستشفى ابن سينا، و”المصحة الملكية”، وهو معطى صادم، حيث لا يخطر ببال أحد أن يتم إهمال أطباء المصحة الملكية، في آخر سنوات حياتهم، بل إن زوجته تؤكد أنهم لا يستفيدون من برامج “التغطية الصحية”.

   أمام هذا الوضع، لم تجد أرملة الراحل بدا من مراسلة الديوان الملكي، حيث تقول في رسالة استعطاف مرفوعة للملك محمد السادس: “.. من تاريخ وفاة زوجي، وأنا يا مولاي أمر بظروف عصيبة وصعبة، كوني فوجئت أنني لا أتوفر على معاش خاص بي من زوجي المرحوم، أمام هذا الوضع الاجتماعي القاهر الذي أصبحت أعيشه أنا وأبنائي الذين هم في أمس الحاجة إلى العناية والرعاية المولوية.. إن زوجي رحمه الله، لم يترك لي لا أملاكا ولا عقارات أستعين بمداخيلها، لمواجهة الحياة الصعبة التي أصبحت ملقاة على عاتقي..”.

   في نفس المراسلة تؤكد أمينة، أنها أصبحت تقوم ببيع حاجياتها، لمواجهة الظروف الصعبة، وتوفير لقمة العيش لأبنائها..، كما أنها قالت لـ”الأسبوع” أن الملك الحسن الثاني هو الذي سمى أبناءها، سكينة ونزهة وحسن، وتتذكر أن زوجها عاش مع الملك الراحل، سيناريوهات المحاولات الانقلابية، لحظة وقوعها، فهو كان حاضرا خلال المحاولة الانقلابية التي شهدها قصر الصخيرات، وتؤكد زوجته أنه كان من بين المسعفين الأوائل للجرحى والمصابين، حيث أن انقلاب الصخيرات كان محاولة فاشلة تزعمها كل من الكولونيل محمد أعبابو، قائد مدرسة أهرمومو العسكرية والجنرال محمد المذبوح، لاغتيال الملك الحسن الثاني بالتزامن مع عيد ميلاده في يوم 10 يوليوز 1971.

   وقد وصفت الصحافة فيما بعد لحظة وقوع الانقلاب الذي حضره، الطبيب “عبد العالي بنجاي دوشان”، دون أن يدون أي شيء عن تلك المرحلة التي قالت عنها التقارير الصحفية: “.. قاد انقلاب الصخيرات الذي انطلق من الثكنة العسكرية بأهرمومو، رجلان قويان في الهرم العسكري: محمد المذبوح، ومحمد اعبابو. خططا للانقلاب بكثير من الدهاء، واستطاعا الوصول إلى القصر الملكي بالصخيرات، إلا أن اللحظات الأخيرة لم تكن كما أرادا، فقد انتهى انقلابهما بشجار عنيف بينهما، وعوض أن يستلم أحد منهما مقاليد السلطة يوم 10 يوليوز 1971، قُتل الاثنان معا في سيناريو لازال يثير الكثير من الأسئلة”.

   تؤكد زوجة الطبيب الراحل أن زوجها كان حاضرا، أيضا إلى جانب الملك الراحل الحسن الثاني، خلال المحاولة الانقلابية الثانية، وهي المحاولة الانقلابية المنسوبة للجنرال أوفقير، الذي كان يهدف لتأسيس حكومة وصاية على ولي العهد، حسب بعض المؤرخين(..).

   هل يعقل أن يتم إهمال طبيب من أطباء الحسن الثاني بهذا الشكل، لماذا لم يتم التعامل معه كما تم التعامل مع الجنرال دوبريغاد عبد الغني مثقال، مدير المصحة الملكية، الذي توفي هو الآخر جراء معاناة طويلة مع المرض، لماذا و”تنكر له كل الأصدقاء”؟ هذه بعض الأسئلة التي طرحها الحاضرون القلائل لتشييع جنازته.

   تؤكد أمينة فضول، التي تزوجت من الراحل سنة 1978، أن مبعوثين من الديوان الملكي حضروا إلى بيتها مباشرة بعد رفعها رسالة إلى الملك محمد السادس، بتاريخ 6 يوليوز 2015، واستقبلتهم في بيتها بتاريخ 14 غشت، غير أنهم لم يرجعوا ولم يتغير أي شيء من المعاناة، رغم أن لجنة أخرى من ولاية جهة الرباط – سلا – زمور- زعير، جمعت نفس المعلومات، بدون فائدة.

   تؤكد أمينة، أن عائلتها مهددة بالتشرد، وتضيف بأن أمنيتها هي أن تحصل على نفس العناية التي كانت تحصل عليها العائلة، عندما كان زوجها حيا يرزق، قبل أن يطالهم الإهمال(..)، بل إن زوجها كان قد نسج علاقات صداقة مع ضيوف القصر، أمثال الموسيقار عبد الحليم حافظ، الذي حكى عنه طبيبه الخاص الدكتور هشام عيسى، كيف أن هذا الفنان الكبير رفض المساهمة في الانقلاب على الحسن الثاني، فرفض قراءة بيان الانقلاب، معتذرا للانقلابيين عن طريق القول: “أنا فنان لا أعمل بالسياسة وأكره أن أنخرط فيها”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!