في الأكشاك هذا الأسبوع
بغدادي المغرب الشريف الريسونى الذي هاجمه الأسطول الأمريكي

حين هجم الأسطول الأمريكي على داعش المغاربة

كان المغاربة يعيشون ألف ليلة وليلة

 

 

بقلم: مصطفى العلوي

   يسيل لعاب القارئ، وهو يتصفح عشرات الكتب التي ألفها كتاب جادون، كانوا في أصل مهامهم صحفيين، فأصبحوا بحكم غزارة الأحداث التي عاشوها في المغرب، بداية القرن العشرين، مؤرخين.

   بعد موت الحسن الأول في 1898، وبداية دخول فلول الاستعمار للهيمنة على المغرب الذي كانت حدوده تمتد إلى تمبكتو ونهر السنغال، أصبح المغرب في ظرف سنتين أو ثلاث، مرتعا لبورجوازية جديدة، تفسخت في أحضان النخبة الإنجليزية والفرنسية والأمريكية التي توسع في نشرها سفراء وقناصل هذه الدول، وقد افتضوا بكارة الحشمة المغربية ووقار مجتمعها، بعد أن أصبحت البواخر المحملة بشحنات الشمبانيا، لا تتوقف عن المجيء من جبل طارق، لتلبية الطلبات المتعطشة(…) في ميناء طنجة، حتى كتب السفير الكونت “النبيل” سانت أولير، أنه عجز عن إقناع العاملين في المحيط السلطاني، بشرب الكونياك، بدل الشمبانيا.

   وفي جلسات قصور الوزراء المغاربة، يحكي هذا السفير، “سانت أولير” واصفا الجلسات والمآدب التي كان الوزراء المغاربة يتبارون في إقامتها، وهم ((يستلهمون طقوس حياتهم، من كتاب “ألف ليلة وليلة”، على أطراف الفرش المذهبة المخاد، المتناثرة في الحدائق المزهرة، التي لا تسمع فيها إلا خرير المياه المتعالية من الخصص الرخامية وتغريد الطيور المتراقصة التي لا تبتعد إلا أمام خطوات الخدم والحشم وهم يحملون على رؤوسهم الصواني المشحونة بالحلويات والفواكه)) (اعترافات دبلوماسي عجوز. سانت أولير).

   هكذا كان المظهر المهيمن على قصور المسؤولين المغاربة الكبار، وقد كان الدبلوماسي الكاتب يعيش وسطهم، أما المخبر، فهو الذي يستحق منتهى الاهتمام.

   ((هؤلاء المسؤولون المغاربة الذين يعيشون هذا البذخ، عندما يتطرقون للقضايا السياسية، فإنهم ينزعجون من إثارتها، وكثيرا ما يردون عليها بسخرية وعدم اهتمام، لأن كل واحد منهم، لا يهتم إلا بمستقبله، والطريقة التي سيعيش بها في آخر أيامه، ولا أحد يريد أن “يصدعه أحد”)) (نفس المصدر).

   ويخلد هذا السفير الفرنسي الكاتب، استثناء صريحا عندما يتكلم عن وزير الخارجية المغربي، عبد الكريم بنسليمان، الذي يكاد الكاتب يقسم، أنه تعرف على أكثر من أربعين وزيرا وسفيرا فرنسيا، في حياته، دون أن يجد عند أي واحد منهم الجدية التي كان يتحلى بها هذا الوزير المغربي، إضافة إلى نخوته وطريقة تفكيره وأسلوبه في إحراج محاوريه، وهو البورجوازي، وزير خارجية المغرب، أولى الدول المستجدية للدعم المالي في العالم، وهو الذي – رغم أنه نصف أسود- فإنه يعتبر الناس جميعا، أدنى منه.

   ((مرة كان الوزير بنسليمان يتحدث إلى المسيو “زار كانيسنو”، الذي قال له، لقد زرت أطراف المغرب، فوجدته دولة متخلفة فقيرة تنقصها مقومات الحياة، بلاد بلا طرق، بلا منشآت، بلا قناطر. فأجابه بنسليمان، أعلم كل هذا، ولا حاجة لأن تذكرني به، لكني أنصحك فيما يتعلق بالمغرب، عليك أن تعمل كالحمار، الذي بعدما يقضي جزءا من يومه في المتاعب والأحمال، فإنه يلقي بجسمه في حفرة رمل، يتمرغ فيها ويرتاح من مشقة الطريق)) (نفس المصدر).

   ويتجول الدبلوماسي الكاتب، في شوارع فاس، ليشاهد سيدات الطبقة البورجوازية، من مغاربة وفرنسيين وإنجليز، وهن محمولات على الكراسي المرفوعة من طرف الخدم، فيكتب في مذكراته عن غيبة صاحبة الجلالة(…) وصاحبة الجلالة التي يقصدها، كما كتب هو نفسه، هي الصحافة.

ليعود بنا إلى الصحافة التي كانت تسمى في ذلك الزمان، صاحبة الجلالة، وأصبحت في زماننا هذا تسمى مهنة المتاعب.

   وكانت الصحافة في ذلك الزمان، قد واكبت وعلقت على مؤتمر مدريد الذي أسفر عن اتفاقية مدريد 1880، وشاركت فيها أمريكا، وإنجلترا، وفرنسا، والمغرب، الذي اكتفى بالحضور في مؤتمر اتفق فيه الأروبيون على الهيمنة على المغرب، لكن المسؤولين المغاربة لم يكفوا عن احتفالاتهم في قصورهم، وتفاؤلهم، وتفادي الكلام عن السياسة، إلى أن حصل ما لم يكن في الحسبان.

   ففي زخمة الحفلات والسهرات التي كانت تجمع الأثرياء المغاربة والإنجليز والفرنسيين، كان الصحفيون الأجانب في المغرب، يتتبعون بإعجاب، ظروف البذخ والثراء التي كان يعيش فيها أحد الرعايا الأمريكيين في طنجة، واسمه “بريكارديس”، وقد أصبح عند الطنجويين معروفا باسم ملك الجبل، يعني جبل طنجة، وأصبحت النساء المحتفلات تسمين زوجته: الملكة فيكتوريا، فكان ملك جبل طنجة ذات مساء قد ارتدى كسوة الحفلات السموكينغ، وزوجته في أحلى أزيائها، يستعدون للذهاب إلى إحدى الحفلات الساهرة في طنجة، حين انفتحت باب القصر وهجم عليهما كومندو من الرجال المسلحين، الذين كتفوا بالحبال، الأمريكي ملك الجبل، وزوجته التي تسمى الملكة فيكتوريا، وساقوهما إلى خارج البيت، وأركبوهما على حمارين، قال الصحفي الدبلوماسي، سانت أولير، أنهم ربطوا الرهينتين ووجههما إلى ذيل الحمار، منتهى الإهانة.

   ليكون هذا الأمريكي وزوجته، أول المختطفين الأجانب في تاريخ المغرب، وعلى الطريقة التي نكاد نقرأ عنها هذه الأيام، من عمليات الاختطاف التي تتبناها داعش.

   ولا مبالغة.. فإن هذه العملية التي هزت اطمئنان المغرب، وأرعبت البورجوازية المغربية التي كانت تنزعج من الحديث عن السياسة، نظمها بغدادي ذلك الزمن، وكان يسمى الريسوني، وهو فقيه جبلي، متأصل من سلالة الفاتح الأول مولاي إدريس، لا يتنازع اثنان، في أن القصبة التي كانت هي قصره، محاطة مصونة ببركة سماوية، وكان الريسوني، هو أيضا يتمتع بقوة الروماني “هيركول”، وإن كانت صحف ذلك الزمان وصفته بأنه إرهابي(…) قاطع الطرق، يختطف الرهائن من أجل الحصول على فدية المال، لولا أن الزمن مؤخرا، ما فتئ أن أنصفه، حين انعقد في الريف سنة 1996 احتفال بمناسبة ذكرى معركة أنوال، شارك فيه الدكتور عمر الخطابي، ابن أخ الأمير عبد الكريم الخطابي، الطبيب الذي عانى من أجل أفكاره الثورية، فعذب وسجن، وهو الذي بعث لاحتفال أنوال برقية مؤرخة بـ 15 يوليوز 1996، ربط فيها كفاح المجاهد عبد الكريم الخطابي بجهاد الفقيه الريسوني – مختطف الأمريكي بريكارديس- ((مذكرا بتاريخ المقاومة الريفية، معدن نخوة قبائل جبالة وقائدهم مولاي أحمد الريسوني، الذي يرقد غير بعيد منكم، مخلدا لنبل القضية الريفية)) (برقية الدكتور عمر الخطابي).

   الريسوني لم يكن قاطع طرق إذن، كما كتب عنه المستعمرون، وإنما الأحداث التي تم فيها اختطاف الأمريكي بريكارديس أشبه بكثير، من الأحداث الحالية، والتحالفات الدولية لضرب داعش.

   فبعد اختطاف الأمريكي في طنجة، اطلع الأمريكيون على حقيقة المشروع الكامن وراء تحركات الريسوني، وخبايا تحركات السلطان العثماني عبد الحميد، للاتصال بالثوار المغاربة من أجل إقامة مشروع الوحدة الإسلامية، وأراد سلطان المغرب عبد العزيز مسابقة الأحداث، فأرسل وزيره عبد الكريم بريشة إلى قصر الباب العالي للاجتماع بالسلطان عبد الحميد، ليعلن الفرنسيون رسميا، رفضهم لهذا المشروع ((وتلتحق أكبر قوة في ذلك الزمن بريطانيا، لتتحالف مع الأسطول الأمريكي الذي حرك ست بوارج حربية، لاحتلال ميناء طنجة والاستعداد لهجوم بري على موقع الريسوني، حيث موقع اعتقال الرهائن الأمريكيين، ولم نكن من قبل رأينا تحالفا من هذا النوع في أطراف الشواطئ المغربية، لينقل إلينا صحفي اجتمع بالريسوني أن الزعيم المتمرد قال له: متى رأيتم قرش البحر يخرج من بحره ليتوجه قصد اصطياد ذئب في الجبل)) (confession d’un vieux diplomate. C, de saint aulaire).

   المؤرخون سكتوا عن الطريقة التي تم بها الهجوم على الريسوني واعتقاله وتسليمه للسلطان عبد العزيز، الذي سجنه في الصويرة خمس سنوات، قبل أن يطلق السلطان مولاي حفيظ، سلطان الجهاد، سراحه.

   وحيث أن زعيم داعش البغدادي عراقي، فقد سبقه عراقي آخر، ليسجل في التاريخ سبق الريسوني لبغدادي داعش، حيث صدر عن جامعة الموصل بالعراق سنة 1998 كتاب ألفه الدكتور محمد على داعش(…) عنوانه: “أحمد الريسوني في مواجهة الاستعمار الفرنسي والإسباني”، فمن يكذب من بعد، إن التاريخ يعيد نفسه.

تعليق واحد

  1. الذي يحز في النفس , ويبعث على الاسى والاسف , هو كوننا نلدغ مرارا من جحر واحد فلا نتعظ , الامر هنا لا يتعلق بتبرئة مولاي احمد الريسوني , ولابتلميع صورته , ولكن الذي لايمكن انكاره هو : ان الرجل حركته الغيرة على الدين والعرض والوطن . في الوقت الذي تؤكد كافة المصادر التاريخية المؤكدة , ان المتنفذين الذين كانوا يمسكون بخيوط النفوذ المالي والسياسي في المغرب , كانوا غارقين في الغباء والسفاهة والفصق , بينما احمد الريسوني , باع بركارديس بعد اختطافه , ليوزع ثمنه على المقاومة وعلى كل من له استعداد للدفاع عن كرامة الوطن , مؤسسا ثورة جبلية ضد المستعمر , لاتزال السن الناس تتوارث الثناء عليها بالتواثر جيلا عن جيل , لذا كان وصفه ب : قاطع الطرق . باطل وكذب لانه صادر عن العدو المستمعمر , او من ااذنابه واتباعه .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!