في الأكشاك هذا الأسبوع

من قتل الشهيد المهدي بنبركة؟

بقلم: الحسين الدراجي

 الحلقة الرابعة

   لا شك أن الذين عاشوا مثلي بداية استقلال البلاد، يتذكرون أن المغرب عانى من ظروف مضطربة، كان سببها التضامن الذي خاضته الأحزاب الوطنية، حيث كان الغاية منه، عرض العضلات في مجال النضال ضد المستعمر الفرنسي، وذلك قصد جعل الشعب يعتقد، بل يؤمن بأن حزب الاستقلال هو الذي له الفضل الأكبر في تحقيق الاستقلال ورجوع الملك الشرعي إلى البلاد، والعكس صحيح، بالنسبة لحزب الشورى وحزب الاستقلال وهما الحزبان اللذان خاضا معا حرب النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وسرعان ما دارت خلافات حادة بينهما حين بدا المغرب يبني قواعد الدولة ودواليب الإدارة وهنا بدأت الاضطرابات والأحداث الدامية المؤسفة التي ذهب ضحيتها كثير من أعضاء المقاومة السرية، وما كان يتم من اختطاف واغتيال بدائرة الأمن مولاي الشريف بالدار البيضاء.

   في هذه الظروف المضطربة حاول المرحوم المهدي بنبركة أن يهيمن حزبه على أعضاء جيش التحرير، ولذلك قام بزيارته المشهورة لجبال الريف، حيث كانت توجد ثكنات جيش التحرير المغربي، وهناك اجتهد بكل ما لديه من وسائل الإقناع أن يضغط على أبرز رموز جيش التحرير، وهو عباس المسعدي، ليقبل هذا الأخير بأن يشرف، أو على الأقل يشارك حزب الاستقلال في عملية إدراج عناصر جيش التحرير في صفوف الجيش الملكي، وهي نفس العملية التي كان يقوم بها مولاي الحسن الذي كان يومئذ وليا للعهد، وهي مرحلة زادت في عدد التباينات(…)، وهنا بدأت بوادر الاختلافات القائمة بين المهدي بنبركة، والحسن الثاني تزداد حدة، خصوصا أن الأمير مولاي الحسن لاحظ أن أباه محمد الخامس قد أخذ يتأثر كثيرا بكل ما يقترحه عليه حزب الاستقلال وعلى رأسه المهدي بنبركة، وهي العوامل التي اضطر من أجلها أن يبعد أباه عن التعامل مع بعض القادة السياسيين المنتمين للحركة الوطنية، وقد أدى به هذا الدرس إلى العمل على إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم، وهي عملية ومبادرة تأثر لها كثيرا القادة الوطنيون، الأمر الذي جعل بعضهم يفصح ولو بصفة خجولة، عن معارضته للقصر الملكي، وأمام كثرة عمليات الاعتقال والمحاكمات التي شنها المرحوم الحسن الثاني على كل من كانت تسول له نفسه مناهضة النظام، ومن هناك بدأوا يوجهون ضربات موجعة إلى نظام الحكم بالمغرب سواء عن طريق التصريحات النارية في انتقاداتهم لحكم الحسن الثاني، بل إن بعضهم. لم يكن المهدي بنبركة بعيدا أو بريئا من هذه المحاولات التي اضطر من أجلها الراحل الحسن الثاني إلى الدفاع عن عرشه بجميع الوسائل. هكذا ظلت العداوة القائمة بين المرحوم الحسن الثاني ومعارضيه إلى السنة التي تم فيها اغتيال الشهيد بنبركة، وقد شجعت هذه العداوة بعض الجهات إلى الاعتقاد بأن القصر الملكي كانت له يد في هذه العملية الشنيعة، والحالة أن السفاح، الجنرال أوفقير هو الذي كان حريصا على ألا يعود المهدي بنبركة إلى المغرب لأنه كان يوقن أن رجوع هذا الزعيم الوطني الكبير إلى المشاركة في دفة الحكم يشكل بالنسبة له القضاء المبرم، وهو الذي ظل بحكم ما كان لديه من اختصاصات ونفوذ، يصول ويجول في مجال السلطة في ربوع المملكة بوصفه الرجل الثاني في قمة الهرم المخزني بفضل ما كان يتمتع به من ثقة عمياء من طرف المرحوم الحسن الثاني وتدل جميع القرائض، بل الوثائق التي تحتفظ بها الدول التي شاركت في التصفية الجسدية للمرحوم الشهيد بنبركة عن طريق مخابراتها وهي “فرنسا، الولايات المتحدة وإسرائيل” التي تمتلك أرشيفات لو كشفت عنها هذه الدول لاتضح الأمر جليا في توجيه الاتهام للجهات الحقيقة التي ارتكبت هذه الجريمة الشنعاء، وقد قامت فرنسا في هذا الصدد بعملية محتشمة، حيث كشفت عن جزء قليل من أرشيفاتها، لهذا يجب على الحكومة المغربية أن تتعاون مع القضاء الفرنسي على إجراء تحقيقات جديدة تشمل جميع الذين تحوم حولهم الشبهات في اغتيال المهدي بنبركة، ومنهم بعض المسؤولين السابقين والحاليين من المغاربة، خصوصا وأن محمد اليازغي، قد صرح مؤخرا بمناسبة إحياء ذكرى اغتيال الشهيد بنبركة أن حقيقة التصفية الجسدية للمهدي بنبركة ستظهر قريبا، وذلك ولا شك بعد الرسالة الملكية التي فاجأ بها محمد السادس المنظمين لذكرى وفاة الشهيد، حيث تعتبر هذه المبادرة الملكية شبه اعتراف للتاريخ، حيث أكد حفظه الله أن المغرب لا يخجل من تاريخه الحافل بالأمجاد لأن رؤساء الدول ليسوا ملائكة وهم بشر قد تؤدي بهم ظروف مسؤولياتهم والحرص على المحافظة عليها إلى ارتكاب بعض الهفوات أو الأخطاء ضد منا هديهم وقد قام المجلس الوطني في عمله قصد المصالحة الوطنية بالكشف بعد تحريات دقيقة عن غياب أو تغييب بعض رموز الحركة الوطنية عن بعض المعطيات الخاصة ببعض الضحايا لسنوات الرصاص واعترف بأنه عجز عن الوصول إلى إبراز سبب الاختفاء القصري لبعض الضحايا لكونها عملية معقدة زادت في تعقيدها رفض بعض الجهات المسؤولة المغربية التعاون مع أجهزة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ولذلك يجب على المسؤولين عن هذا المجلس ألا يستسلموا ويعيدوا الكرة بفتح هذا الملف من جديد بالاعتماد على استدعاء المشبوهين في ارتكاب جريمة قتل المهدي بنبركة وذلك بوصفهم شهود عيان لمن جرى من أحداث كان لهم الحق في الاطلاع عليها والتعامل معها أثناء قيامهم بأعمالهم الرسمية أو الخفية وذلك حتى يساهموا في تبرئة ذمة الدولة المغربية في هذا العدد وفي نفس الوقت يبرؤون أنفسهم من هذه التهمة حتى لا يخلفوا لأبنائهم وأحفادهم سمعة يسمها الخزي والعار ولهم في ذلك ثواب عظيم ومن عائلة المرحوم أزكى عبارات الشكر والامتنان، ومن اعترف بذنبه فلا ذنب عليه ومن تاب وأصلح بعد ذنبه فإن الله يتوب عليه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!