في الأكشاك هذا الأسبوع

إلى وزير التربية الوطنية: حق لك أن تنسحب سيدي الوزير

   وأنت تداعب هاتفك المحمول، وتتلقى الرسائل من قريب أو حبيب، حق لك سيدي الوزير أن تصم أذنيك عن ثرثرة برلمانية جنت عليك وهي تستدعي معجم المأساة وتقرع سمعك بمفردات الأزمة التي لا تلائم مقام نشوة مناجاة دردشية جعلتك خارج الزمان والمكان، حق لك سيدي أن ترمقها بنظرات الاستخفاف، وأن ترد عليها بابتسامتك الصفراء البلهاء، وأن تقول لنا عن طريقها بلغة اللامبالاة “اذهبوا أنتم وتعليمكم إلى الجحيم، إني هاهنا قاعد، أعيش نشوة خريف العمر وأتملى بما بقي في رصيدي الحياتي من أيام، ولا طاقة لي بتشاؤمكم المفسد للحياة، المضاد لنشوتها”.

   مهلا، سيدي، أنت في خريف العمر، ولا داعي لملء المسافة الرابطة بين حياتك ومماتك بصخبنا وضجيجنا ومحننا وآلامنا، لا شيء يدعوك لتتدثر بلباس السواد، أو لتذرف دموع الأسى على حقيقة تعليم جهزوا لك نعشه لتصلي عليه وتشيعه إلى مثواه الأخير، متشحا بجروحه وندوبه وطعناته القاتلة التي تلقاها على مر السنين، لتتكفل أنت بالبقية وتعطي لنفسك شرف الإجهاز، أو القتل الرحيم، حتى تخلصه من عذاب إصلاح، وإصلاح الإصلاح الذي جعله يتعرض للإجهاض تلو الآخر، دون أن يفرح ولو مرة واحدة بولادة طبيعية تمكنه من إنجاب نموذج سوي كامل الخلقة يخلصنا به من عقدة المراتب الأخيرة.

   ليس هذا انسحابك الأول سيدي، فمنذ أن جئت إلى هذه الوزارة ممتطيا صهوة قاطرة تكنوقراطية وأنت تضع نفسك بمنأى عن صداع رأس منظومة لن يؤدي الانخراط في صلب مشاكلها سوى الانزلاق بك نحو هاوية الحتف والفقدان، ارتفاع ضغط الدم، والانشغال عن التملي بنظارة الحياة وبريق الاستوزار الذي يأخذ بالأبصار. الانسحاب والفرار ديدنك سيدي، كلما ادلهمت عليك الأمور. وتشابكت الخطوط، وعجزت بك سنك المتقدمة عن إيجاد الحلول للمشاكل المستعصية التي تحبل بها المنظومة التربوية.

   انسحبت سيدي في عز فضيحة تسريبات امتحانات البكالوريا، وشغلتنا عن تتبع فرارك بإثارة غبار رمي المسؤولية على مالك الفيسبوك، لكنه غبار ما لبث أن انقشع بسرعة على حين غفلة منك وتركك عاريا تستفرغ الناس ضحكا وتثير فيهم الشفقة والسخرية في الآن نفسه.

   انسحبت وتركت رجال التعليم ونسائه يواجهون مصيرهم مع إشكالية العنف المدرسي، واكتفيت وأنت تطلق ساقيك للريح برمي مذكرة مشؤومة صورتهم من خلالها كوحوش آدمية هاجسها الوحيد هو افتراس المتعلمين وممارسة التسلط والسلطوية عليهم، توهما منك أنهم نازعوك سلطة القهر والاستبداد، لتتولى تأديبهم على جريرتهم بإعطاء الضوء الأخضر للتلاميذ الناشزين ليمارسوا عليهم فنون التمرد البهلواني، ويحولوهم إلى مادة إعلامية خصبة تتناقلها نشرات الأخبار والمواقع الالكترونية في صور تبدو فيها وجوههم مضمخة بالدماء.

   انسحبت، سيدي، عندما عجزت عن تغيير البرامج التعليمية الحالية والإتيان بما يتساوق و التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية, واكتفيت بإطلاق الكلام على عواهنه، ووصف هذه البرامج بـ”الخرايف”، دون أن تدري بأنك تسيء إلى نفسك أولا وأخيرا، لأنك رضيت حسب منطقك بأن جعلت نفسك مشرفا على قطاع “الخرايف”، وهو ما يعني بطريقة أخرى أنك المخرف الأول الذي يعزف سمفونية الخرف المملة المنفرة.

   ما أكثر انسحاباتك سيدي، ولو خصصت عشرات المقالات لها وحدها لما وفيتها حقها، لكن انسحابك الأخير وتمليك بهاتفك المحمول أشعرنا بواجب توفير لعب التسلية لك، فربما نحن المذنبون لأننا عجزنا عن معرفة حاجتك حتى طفح بك الكيل وأعلنتها أنت بنفسك، فلتكن المبادرة إذن من رجال ونساء التعليم لجمع هذه اللعب لك ووضعها رهن إشارتك، وحينئذ سيتخلصون من قصفك، وقد تكون هذه وصفة الإصلاح المناسبة، لأنك لن تدخر جهدا في مدحهم والثناء عليهم وعلى جهودهم الجبارة في إنقاذ التعليم من السكتة القلبية.

 نورالدين الطويليع

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!