في الأكشاك هذا الأسبوع

عندما منع حصاد قاتل بنبركة من دخول غرفة الحسن الثاني

 

   قبل وفاة الحسن الثاني بعشرة أيام، رفض الملك الراحل لقاء انطوان لوبيز المتورط في قتل المهدي بنبركة، ومنع من دخول غرفته بفندق “كاريون” بباريس، وتساءلت الأسبوع في عددها لـ 4 فبراير 2000 عقب نشر مقال للصحفية صوفي مونيي في”مجلة باري ماتش” عن الشخصية المغربية التي حاولت إدخال أحد القتلة إلى غرفة الملك، وأعطت الإعلامية الفرنسية أوصافها وما فيها من كراسي وأفرشة، بما فيها التي قدمت من المغرب.

   ويورد المقال المنشور في 3 فبراير 2000 كيف كشف حصاد، وزير الداخلية الحالي، لهوية لوبيز قائلا في بهو الفندق: أنتم لوبيز المشهور، وتجمد الحاضرون من الجنرالات والوزراء والضباط، وتقدم الجنرال سكيرج بثبات وأناقة إلى صوفي وأنطوان قائلا لهما: إن الحسن الثاني يكرر دائما، لا يمكن أن نراقب ونمنع في عصر الأنترنت، تقول ترجمة الأسبوع.

   وحسب وثائق تنشر لأول مرة فإن اتفاقا (جنتلمان) تم عقده مع لوبيز عام 1991، التزم بموجبه الملك الراحل بكشف الحقيقة في غضون عشر سنوات من تاريخ الاجتماع، وأن “دون بيدرو” الاسم الكودي للوبيز، المسؤول السابق عن حماية الطريق إلى “أورلي” في موضوع مكافحة التجسس لم يتمكن من إماطة السر عن مصير جثة  بن بركة، وأراد أن يطلب من الملك مشاركته هذا السر، وعلق ضابط المخابرات، أن الوثائق الفرنسية نفسها مجرد رواية، وهو ما أزعج دوغول، ومات مجروحا لأن بلده لم يعرف السر، كما مات لوبيز وفي نفسه شيء من الإهانة لأنه لم يعرف مصير جثة من ساهم في قتله، وتمت تصفية الفرنسيين المشاركين في العملية داخل المغرب، ممن يعرفون الجزئيات الأخرى. يقول لوبيز، ليست المشكلة في من قرر قتل بن بركة، لكن كل فرنسا لم تعرف مصير الجثمان.

لوبيز دخل غرفة الملك ولم ير الحسن الثاني

   في 13 يونيو 1999، رأت الصحافية صوفي كرسي العرش المنقول من المغرب إلى الغرفة المحجوزة في فندق “كاريون”، كان كل شيء مؤهل لكشف آخر حقائق ملف بنبركة، لكن الملك والوسيط الذي وعد باللقاء بينه وبين لوبيز في 1991 و1999 اختفيا، وقرر الحسن الثاني “ترك الأمر للتاريخ”، ولا يمكن الارتهان إلى لوبيز الذي يحمل رواية ضمن روايات كثيرة عن نفس الأحداث.

   وفعلا ترك الملك الراحل الأمور تجري على طبيعتها، لأن الشك طال روايات الدول أيضا، وفي محاكمة أوفقير، ظهرت كل التفاصيل، لكن جهاز (السديس: المخابرات الخارجية ومكافحة التجسس) لم يتوصل إلى مصير الجثة.

   وأراد أنطوان لوبيز أن ينتصر حيث فشل “دوغول” وبقي سر جثة بنبركة من إخفاقات الاستخبارات الفرنسية، فهي لا تستطيع كشف هذه الهفوة، وبرفع السرية عن 144 صفحة من أرشيف وزارة الدفاع المتبقية لن تظهر الأمور واضحة، ولا ترغب المخابرات المغربية التي أحرقت أرشيفها مرتين، أن تجدد كتابتها الدقيقة للأحداث، فليس هناك وثيقة رسمية حول هذا الملف في الأجهزة الرسمية المغربية يقول تقرير فرنسي حديث.

الدليمي طلب حرق ملف بنبركة من 113 صفحة.. وتقرير العشعاشي لم يكن دقيقا

   لم يناقش الدليمي في إدارة الطبعة الثانية لجهاز “الكاب واحد” أي مسؤول بما فيهم الملك الحسن الثاني، وأحرق أوراقا لم تكن مهمة، فأوفقير نفسه أحرق كل أوراق وسجلات الهاتف وكل ما يتعلق بالقضية وهو يحاكم في فرنسا، خوفا من أن تسقط أي وثيقة في يد (السديس) الجهاز الذي كره أوفقير وكرهه الجنرال المغربي، وبقيت قضية بنبركة، مجرد شهود اغتيل كل واحد منهم في ظروف معقدة” وتظهر أنها عادية”.

   لم يتمكن أحد من الوصول إلى أنطوان لوبيز لاستمراره في العمل، وقد قدم شهادته التي اعتمدتها وزارة الدفاع كاملة، وبقي لغز الجثة قائما لديه ولدى وزارة الدفاع بلاده إلى الآن.

   ولم يرض الجنرال أوفقير بتقديمه إلى المحاكمة في الخارج، وفي ليلة فشله في انقلاب الطائرات، قبل محاكمة فورية انتهت بإزهاق روحه. وجمع العشعاشي تقريرا دقيقا حول بنبركة وتم إحراقه مرة أخرى.

  الحسن الثاني لم يخش الحقيقة في قضية بنبركة

   لم يرغب الملك الراحل في آخر المطاف، في تمرير الحقيقة حول جثة أستاذه عبر ضابط فرنسي، ورأت أوساط أن يسلم الحسن الثاني السر الأخير: مصير الجثة، ويطوي لوبيز في كتابه القصة الكاملة.

   وبعد موت الملك الراحل، كررت المملكة نفس الورقة، ومررت الحقيقة عبر ضابط مغربي (البخاري) على نفس المنوال، ويعمل الفرنسيون والمغاربة على كثير من الكرامة في موضوع مناضل مغربي لا يشك أحد في وطنيته، ولا تريد الأجهزة المحلية أن تظهر أقل وطنية من الموضوع الذي تكشفه، كما لا يريد الفرنسيون أن يحنق دوغول في قبره.

   وتزداد الأمور تعقيدا، عندما يتعامل المغاربة والفرنسيون في موضوع بنبركة على أنه موضوع بين ملك أسس دولة (الحسن الثاني) ورئيس حرر دولته (دوغول)، ولا يريد أحد أن يخرج الحسن الثاني أو دوغول في هذا الملف منهزما  مما حول القضية إلى “طابو”.

دوغول منع إطلاع قضاة بلاده على 144 صفحة

   لا يزال رفع السرية موضوعا مثيرا في دولة ديمقراطية، ومن المصادفة الغريبة أن يمنع دوغول شخصيا اطلاع قضاة بلاده على 144 صفحة وتضم بالتحديد 213 فقرة “غاية في السرية سايرت المزاج القلق للرئيس الفرنسي”.

وما منعه دغول هو ما منعه ساركوزي عن قضاة بلاده.

   وحسب وثيقة سرية أمريكية، فإن سؤال الأسبوع ليوم الجمعة 4 فبراير 2020 عن الشخصية المغربية التي حاولت إدخال لوبيز إلى غرفة الملك الحسن الثاني عزل هذه الشخصية وألغى تكليفها بأي مهمة (في الدولة).

   وأدركت السلطات المغربية صعوبة الإشراف على مهمات للملك محمد السادس من طرف شخصية اتفقت مع لوبيز في 1991 وجددت اتصالها معه في 1999، وقبل بروتوكول الملك محمد السادس في خطوة لافتة أن يصحب فريديريك ميتران مدير مسجد كوركورون، أو مسجد بنبركة تقول باري ماتش لأن جثته مدفونة في ترابه.

   وابتعد نجل وخليفة الحسن الثاني عن سر بن بركة وجدد أخيرا التأكيد على ذلك في رسالته التي تلاها شيخ الاشتراكيين، عبد الرحمان اليوسفي في الذكرى الخمسينية لوفاة رمز الاتحاد الوطني والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

لوبيز والبخاري ضابطان لم يتمكنا من كل التفاصيل

   في منافسة تقليدية بين فرنسا والمغرب، لم يتمكن ضابطان تابعان لأجهزة سرية في البلدين من الوصول إلى كل تفاصيل قضية بنبركة، وانتهى الأمر إلى محاولة رفع السرية عن باقي (الأرشيف)، وتدرك باريس والرباط أن المسألة دخلت التاريخ لدخولها إلى الأرشيف.

   والوثائق الفرنسية التي ستظهر ناقصة ولا تجيب عن مكان رأس بنبركة، فالفرنسيون لا يملكون حوله دليلا، ولا يعرف أحد كيف قبل دوغول دفن جثة دون رأس؟ وهو ما يثير الأجهزة إلى مزيد من التعتيم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!