في الأكشاك هذا الأسبوع

حامي الدين.. والقضية فيها ما فيها

بقلم: محمد بركوش

 

   عاش عبد العالي حامي الدين، الصقر الصاعد، أو صقر المستقبل، كما قال عنه أحد أصدقائه، عاش فترات صعبة وحرجة، جعلته يتوارى إلى الخلف بعد أن عودنا على “الاقتحام والاختراق وركوب سفن خشبية” (من صنعه) للإبحار في مواضيع أكبر من قامته: جعلته يتقرب من (متزعمي مشروع التحكم) ورموز “الدولة العميقة” رغم النفي الذي حملته “الأسبوع الصحفي” في عددها 856 على لسان مقربين منه، مبتعدا وبشكل مفاجئ عن “أحجية التباكي النابعة عن مفهوم التحكم”، تاركا مسافة شاسعة بينه وبين أسلوب التشكي المدر للعطف والذي يتقنه جيدا عندما يؤهل لترديد رجع صدى الكبار.

   فضل الرجل الذي يمثل الجانب المتنور أن يغير رأيه حتى لا يقال عنه معتوه  “وحدهم المعتوهون لا يغيرون آراءهم”، بعد أن تتجاوز السرعة المسموح بها في طرق المخزن السيارة كما أشيع، واستوعب الدرس بسهولة، حيث ترك المنصب الكبير الذي توفر له بفضل “تحكم الصقور الكبار في الحزب” في اقتراحه على اللجنة المكلفة بالانتقاء، رغم علاته إن كانت له علات ومساوئ، وبعد أن تأكد بأن للجرح ملمس الرمل، وأن القضية فيها أو ما فيها، خاصة عندما تزامن اقتراحه لقيادة فريق العدالة والتنمية بمجلس المستشارين مع حملة شعواء واحتجاجات ساخنة رفعت فيها شعارات جارحة إلى أبعد حد، قادتها مؤسسة آيت الجيد بنعيسى، هذه الأخيرة التي “هيأت حسب رئيسها ملفا قضائيا مع خبراء دوليين لرفع دعوى قضائية أمام مجموعة من الهيآت الدولية، وعلى رأسها أجهزة الأمم المتحدة”، للإشارة أو للعلم المؤسسة المذكورة تأسست في فبراير الماضي، غير أن مكتبها لم يتوصل بعد بالوصل النهائي، وهو ما يؤخر تنفيذ البرنامج الاحتجاجي على سياسة اللاعدل حسب قول المحامي الحبيب حجي، الذي نشرته بعض الجرائد: ((القضية تتعلق بحياة إنسان: “طالب سلبت حياته ويجازى القتلة بالتعيين في المناصب الكبرى”)) (جريدة الصباح العدد 4818 الخميس 15/10/2015).

   المقربون جدا من المبعد (بقوة الواقع) التجأوا، وكما هي العادة إلى استعمال كلمة التحكم التي ارتفع مداها مع الانتخابات الأخيرة، لكي يبرروا ما حدث للصقر البارع في التحليق قبل الأوان، وإخراجها من سياقها العام وتقليص معناها بشكل يتلاءم مع المراد، دونما رجوع إلى الوراء لإدراك بداية استعمال المصطلح واستخدامه لنعت سلوكات بعضهم بإشارة من محمد اليازغي كما ذكر بذلك ضيف الأولى الحبيب المالكي: سلوكات تعتمد أو بالأحرى تجد شرعيتها في مبدإ مغلوط، وهو مناصرة الأخ أو الإخوة في جميع الأحوال، وهو ما لم يقبل به وزير العدل والحريات مصطفى الرميد عندما واجه الكل إثر اجتماع أطر الحزب وقواعده بضرورة التزامه الحياد هو وزير الداخلية، وتطبيق القانون على كل من سولت له نفسه أو دفع به غروره إلى المس بنزاهة الانتخابات، سواء كان من العدالة والتنمية أو من الأصالة والمعاصرة أو من غيرهما، وفي نفس الوقت مارسوا تحكما من نوع خاص (بهم)، حيث ضغطوا بكل قوة وبكل بأس من أجل أن يتوفر لحامي الدين امتياز ما داخل قبة البرلمان، رغ مراسلة مؤسسة آيت الجيد، كما قال الأستاذ الحبيب حجي لرئيس الحكومة ورئيس البرلمان وكل   “برلمانات العالم وبرلمانات الدول العربية”. للتذكير بأن القضية تتعلق بأمر حقوقي، وإن كان البعض لا يساير هذا الطرح، لأنهم ينظرون إليها من منظور قانوني صرف، انتهت إجراءاتها بشكل سليم وطوي ملفها بعد صدور حكم المحكمة.

   لقد اتضح للمتتبعين أن الرجل يتقوى بضعفه ويتغول بدفعه من الخلف للظهور في الواجهة بحجات وهمي (كما قيل) لإرغام الآخرين بالانحياز إلى نصرة “المدافعين عن الشعب والواقفين في صف الغلبة (بالزيادة في الأسعار) والمتعاطفين مع المظلومين والدفاع عن التجربة الناجحة التي ساهم فيها حزب العدالة والتنمية، كما قال حامي الدين نفسه، بفعالية في مختلف مراحل المسار التشاوري والتشريعي المؤطر للعملية الانتخابية، والتفوق في امتحان الديمقراطية الداخلية لاختيار مرشحيه للجماعة، وخوض حملة انتخابية نظيفة مبنية على خطاب سياسي واضح، تحت شعار صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح”، رغم أن الانتخابات، وهذا يعرفه كل السياسيين والحقوقيين ليست فقط محطة للتنافس “بين البرامج والرؤى والأفكار التي تطرحها الأحزاب”، بل أيضا منافسة “لقياس درجة التدافع الحزبي وفرز الاصطفافات الاجتماعية، واستشراق آفاق الصراع السياسي” (محمد أحمد بنيس. المساء العدد 2801)، وفرصة لتقييم جدية التحالف ومدى صلابة التقاطب الذي يمكن أن ينشأ عنه، سواء قبل العملية الانتخابية أو بعدها، أي أثناء تشكيل المجالس والجماعات والغرف المهنية ومجلس المستشارين، قلت الرجل يتقوى بتقربه من بعض الكبار في الحزب الذين يتبنونه ليكون فيما بعد صقرا حقيقيا، يصعب كما قيل “رد جنونه الذي لا يطاق” والحد من براعته في ترديد ما يقدم له دون أن يترك يده في العاصفة، ومن تسلله إلى المواضيع الكبيرة التي يشارك فيها كمدافع لا يشق له غبار مقابل الاستفادة من الانتقال إلى الرباط (كما أوردت ذلك بعض الجرائد)، بطريقة أثارت الكثير من السخط والتذمر، وخلقت جوا من الغضب والاحتقان داخل قطاع التعليم الجامعي الذي يتمتع رجاله ونساؤه بالصمود والدفاع عن قلعة الديمقراطية الداخلية، ويرفعون شعارا موحدا في جميع المؤسسات الجامعية، وهو “لا للحزبية لا للزبونية، نعم للديمقراطية والمساواة”، ويتمسكون بالقوانين والمراسيم الجاري بها العمل، والتي تقيم عمل الأستاذ أو الأستاذة بالجودة والابتكار والمشاركة الفعلية في تطوير الجامعة والرفع من منسوب البحث العلمي وقيمته، وهي كلها أشياء تتنافى مع سياسة “أنت من الحزب” وزوجتك أيضا من نفس الطينة السياسة إن صح التعبير، إذن أنتما معا مؤهلان (رغم أنف المستحقين) للانتقال والترقية والفوز بالسفريات والامتيازات (هذا الكلام عام ولا يعني حامي الدين في شيء).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!