في الأكشاك هذا الأسبوع

قرار اغتيال بنبركة اتخذه رضى جديرة باسم القصر

عندما كذب المستشار على الملك الحسن الثاني

 

 

    حفظت فرنسا 144 صفحة من أصل 484 صفحة في إطار رفع السرية الكاملة عن ملف المهدي بن بركة، وأطلق القاضي سيريل باكو للمرة الثانية الإنابة القضائية لسنة 2003، مباشرة بعد رسالة الملك محمد السادس التي أوحت بأن القضية لم تعد سياسية، وانتقلت إلى يد المؤرخين، وليس هناك تاريخ جيد وآخر سيء، كما قال وريث الحسن الثاني.

   تقف التفاصيل عند أوفقير ولا تتقدم إلى جديرة الذي أمر باغتيال بن بركة باسم القصر، ولا شيء يمنع أن المستشار كذب على الملك، لتصفية منافس لدود وغريم شرس، يمكن أن ينقل تحالفات المغرب بشكل جذري نحو الشرق ـ الشيوعي ـ، وانتقال اللعبة السياسية وقرار تشكيل الحكومات من ليبرالي غربي الهوى والتحالفات، إلى يساري لم يكن مقبولا في بعض الدوائر الغربية اعتبره البعض خطرا، مع أن مهارة الحسن الثاني تعرف اللعب بالتعقيدات وتدرك حجم التوازن وعدم الانحياز.

    في الأوراق السرية التي لم يرفع عنها الحظر توجد ثلاثة خيوط إحداها متصل برضى جديرة الذي أدخلته “الأسبوع” دائرة الضوء بعد أقل من عام على وفاة الملك الحسن الثاني، وقررت المخابرات الخارجية الفرنسية الإفراج عن المعلومة مباشرة بعد موت المستشار النافذ، وتحاول الموساد إلى الآن الحفاظ على سرية شبكتها من تسعة أشخاص حول الملك الراحل.

معلومات المؤرخ بن سيمون أنييس

   يقول مصطفى العلوي في الحقيقة الضائعة ليوم 4 فبراير 2000 تحت عنوان “عندما كانت إسرائيل تمول جريدة جديرة”.

   ((وإذا كانت اليد الإسرائيلية ستظهر ملطخة هي أيضا بدم بنبركة، حيث اتفقت جميع الملفات على أن الموساد الإسرائيلي، أسهم في تنظيم عملية الاختطاف، وأسهم بالمواد الكيماوية التي أحضرت لتذويب جثته، فإن المشاركة الإسرائيلية كانت بديهية لتغطية النشاط الصهيوني في تلك الفترة، داخل مراكز القرار بالرباط، وداخل الديوان الملكي كما قال المؤرخ اليهودي “بنسيمون أنييس”، وميزة الإسرائليين أنهم ينشرون كل شيء، فهو الذي ذكر عن تلك الفترة، في كتابه الحسن الثاني واليهود أن مستشار الملك أحمد رضى اجديرة، أخذ خمسمائة ألف دولار لإصدار جريدة “ليفار”… لنعرف بعض ما خفي عن دور بعض الصحف، وتسخيرها لخدمة الأغراض الخارجية، هذا الكاتب نفسه ذكر أن أوفقير سافر إلى إسرائيل (ليتحدى ويكسر الواجهة العربية) ألم يكن من الطبيعي أن تكون تصفية المهدي بن بركة قد تمت في هذا الإطار؟)).

تصفية بنبركة بين جديرة وأوفقير

   أطرت إسرائيل تحالف الجنرال والمستشار القاتلين للمهدي بنبركة الشهيد الذي شهد له نجل الحسن الثاني بأنه “رجل سلم” فهو لم يفكر في الانقلاب على الملكية، وأراد ملكية برلمانية هي  قدر المغرب طال الزمن أو قصر.

   ويذكر الكاتب أن الدورة العكسية لعجلة الزمن بدأت مع مطلع القرن الحالي، وتحديدا مع تصريحات لوبيز المنظم الأساسي لعملية الاختطاف، والتي أعطت تفاصيل وصلت إلى حدود وصف الثوب الذي نقل فيه الشهيد بنبركة بعد قتله في بيت لوبيز ووصفه بأنه قماش ثوب عسكري، كان ينام عليه كلب لوبيز… مواكبة لقرار الحكومة الفرنسية رفع الكشف عن سر القضية وملفاتها، وكلها ممهدات في نظر الكاتب، إلى المحاكمة الحقيقية، وتأجل كل شيء كي تتفق الأطراف على حل الملف من داخل العدالة الانتقالية.

   وقرر الملك محمد السادس واليوسفي أن يخطوا خطوات إلى الحقيقة فقط، وجاءت الذكرى الخمسينية لجنازة مستمرة لمدة نصف قرن، ليقول الملك محمد السادس أن المهدي رجل سلام.

 الملك محمد السادس لا ناقة له ولا جمل

   جاءت هذه العبارة من مصطفى العلوي قبل خمسة عشر سنة وقبل أن يؤكدها الملك محمد السادس في رسالته بمناسبة الذكرى الخمسينية لاغتيال المهدي بنبركة، ولا يمكن ولا يعقل أن يكون الذين تحملوا المسؤولية بعد أوفقير، من رجال المخابرات، ومقربين لقمة القرار غير عارفين بمصير جثة بنبركة، ولا حتى الذين نصحوا في سنة 1980 ببناء مسجد مغربي فوق المكان الذي دفن فيه جثمان المهدي، وقد أصدرت مؤسسة الحسن الثاني في باريس بلاغا تنفي فيه أن تكون هي التي بنت المسجد، ليبقى السؤال من هو الذي بنى المسجد فوق مدفن رأس بنبركة خصوصا إذا كان رأس بنبركة قد قطع فعلا.

المستشار رضا جديرة يبني مسجدا فوق مدفن جسد بنبركة بعد أن نقل رأسه إلى الرباط

   تكشف تفاصيل سرية تنشر لأول مرة، وتنفرد بها “الأسبوع” عام 2015 عن وصية رضا اجديرة حملها صديقه، وهو محامي فرنسي، وتقضي ببناء مسجد فوق مدفن جسد بن بركة المفصول عن رأسه المنقول إلى الرباط.

   ومن الغريب أن رضا اجديرة لم يتابع التفاصيل بعد تصفية بنبركة، ولم يتمكن نفسيا من سماع القصة إلى آخرها، ولو لمرة واحدة يقول صديقه الفرنسي.

   يقول مصطفى العلوي: “ودفن الرأس بمعتقل تازمامارت”، رغم أن المعتقل لم يأخذ هذه الصفة الجديدة إلا بعد انقلاب أوفقير، ويرى البعض أن قرار نقل المتورطين مع الجنرال إلى هذا المعتقل للتأكيد على طي صفحتين مرة واحدة.

   وسمع على الأقل اثنان من محيط رضا جديرة بالمستشار يقول “إن دفن أوفقير تقرر أن يكون في تازمامارت”، وخوفا من أي تأويل يقرب من تفاصيل ملف المهدي بنبركة دفن الجثمان في بوذنيب، مسقط رأس الجنرال.

   رغب الحسن الثاني في إحدى اللحظات في القول أن أوفقير لا يستجيب لكل قراراته، ليس أولها في ملف بن بركة، وانقلابه دليل أكيد على ذلك، وقتل الجنرال لنفسه أمام الملك (أو انتحاره) كما روجها العهد السابق خدمت نفس السيناريو، كما تمت تصفية المهدي تصفية قاتله، وتسود هذه الرواية نصف قرن إلى اليوم في انتظار تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يريد الجميع أن يكون قريبا إلى الحقيقة بـ 80 في المائة فقط.

   يقول مصطفى العلوي: “فتح ملف المهدي بنبركة، لن تقفل معه جزئيات ذلك الماضي، كنت فيه رفقة مجموعة من مناضلي هذا الوطن، في معتقل دار المقري الذي سالت فيه الدماء، ودفنت فيه جثث الرافضين لطأطأة الرأس قبل أن تسيل الدماء وتدفن الجثث في معتقل تازمامارت… وما تازمامارت إلا استمرار لاختيار ديكتاتوري كان أقطابه معروفون، ورجاله بعد اختطاف بنبركة، وبعد أحداث الصخيرات، وبعد ضرب الطائرة، وبعد أحداث الريف، وبعد أحداث الدار البيضاء مخلصون أوفياء مستمرون في جرائمهم، وتحت ظل النظام وارفون”.

   يحكي ما كتب عن أوفقير ـ وقد كتب عنه الكثير ـ أنه كان يأمر بأن لا تدخل الصحف إلى بيته حتى لا يراها أولاده… فقد كان جيلا من الذين قطعوا أيديهم من يد الله… جيلا حكم المغرب من سنة 1960إلى 1990 وتربى في أحضان مئات من رجال السلطة الذين يقال لنا اليوم، أنه من الصعب العثور على من يخلفهم.

   لقد صدق الجنرال أوفقير في جملة واحدة قالها في حياته، عندما نبهته زوجته يوما إلى أنه نسي مسدسه فأجابها: ولماذا أحمل المسدس، إنه لو كان في المغرب رجال بمعنى الكلمة، لكنت قد قتلت من زمان.

   هذه القولة تكشف إلى أي حد كان المعارضون لعسكرة الدولة والنظام الملكي مسالمون، وأولهم بن بركة الذي شهد له ابن الحسن الثاني أنه رجل سلام، ومفاوضته لابن عم الملك الحسن الثاني والوصول إلى اتفاق للعودة بشروط، كان نقطة أفاضت كأس  خصميه: جديرة والجنرال أوفقير، وأفتى المستشار الجنرال قائلا، إن إعدام بن بركة مشروع لأنه خائن في حرب الرمال، وعليه أحكام قضائية.

واستغل جديرة خبرته القانونية كمحام في الدفاع عن أوفقير فوق الأراضي الفرنسية وبالمغرب.

وفعلا تمكن جديرة من إدارة فترة ما بعد الاغتيال المزلزل لأكبر معارضي نظام الحسن الثاني.

   وتواصلت الهزات بحادث الصخيرات يقول مصطفى العلوي، بموت جزء هام من أقطاب النظام، وعندما عاد أوفقير إلى بيته منتصرا ليجد أفراد عائلته ـ وهم الذين يروون الحكاية ـ مختبئين في دهاليز البيت، فقد فوجئ أفراد عائلة الجنرال الذي كان أقوى رجل في المغرب، بأن العساكر والحراس الذين يشتغلون في بيته، يثورون بدورهم على أفراد العائلة، ويشهرون في وجوههم الأسلحة، ذلك أنه لا ثقة في كثير من الذين يظن بعض الناس أنهم أوفياء لهم، وأنهم يحرسونهم عندما يكونون نائمين.

   انتحر أوفقير أم نحر كما نحر بن بركة دون أن يقترب أحد من اجديرة، تلك قصة حمت فيها إسرائيل رجالها عندما تمت تصفية الجنرال كي لا يكشف في محاكمته باقي الخيوط… وتلك قصة أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!