في الأكشاك هذا الأسبوع

متى سيتوقف “ترييش” مراكش؟

بقلم: محمد بركوش

                     

   أشياء كثيرة تغيرت في مراكش الخالدة بعد الانتخابات الأخيرة، خاصة الجماعية، التي انتصب فيها ميزان التقدير المجتمعي ليمنع أي تنزيل للفوضى العارمة التي كانت تعيش على إيقاعها بعض المجالس، لم يعد هناك كما قيل مطبخ سري تصنع فيه القرارات المهمة التي تربط بشكل وثيق. بمصلحة المواطن والمدينة، اختفى كل ذلك بعد أن تهدمت بعض المقاهي التي كانت تضم وتجمع رواد التدبير المفوض للاحتقان وإثارة الفتنة وابتزاز الرؤساء والمسؤولين.

   واقع جديد على ما يبدو، ومرحلة لها ما بعدها، ووجوه تحمل معاها أحلاما وردية، رافعة شعارا واحدا هو خدمة المدينة في حدود الإمكان، ولكن بوطنية صادقة وإخلاص نادر وتجرد عن الذات والمصلحة الخاصة، شعار من شأنه كما قال أحدهم قلب المواقع بحثا عن كنز خص به القدر سكان المدينة الخالدة: المدينة الأدبية التي تحكي القصص العالمية وتبعث الحياة في أقلام العديد من الكتاب والفنانين الذين يتربصون فرص التألق بفضاءاتها وتاريخها وحضارتها وطبيعتها التي لا تضاهي: واقع سينسينا (وسيمسح ذاكرتنا) ويلهينا عن الفترة الماضية التي كانت فترة بيضاء (على غرار سنة بيضاء) لم يرتسم بها سوى الركود، والاشتغال على المقولة المشهورة: “كم من حاجة قضيناها بتركها”، باستثناء طبعا (حاجاتهم هم)، إذ المتداول في الأوساط المراكشية استغلال الكبار للنفوذ والمواقع من بناء العمارات (ولو في أماكن لا تسمح بذلك) وتشييد المدارس الخصوصية، وتوزيع الامتيازات على الأهل والأقارب وإن على حساب الأسوار التي  ظلت تحكي عن الملوك العظام (من موحدين ومرابطين وسعديين وعلويين) وتحمي آثارهم الخالدة والصامدة أيضا رغم مرور قرون وقرون، (البنايات التي شيدت بجوار أسوار المدينة).

   العمدة الحالي الزمراني الأصل (حسب القول المشهور) يبدو أنه يعرف بالتدقيق الكثير من الأمور، لأنه عاش في قلب الصراعات والنزاعات وأيضا الاختلالات، بل أكثر من ذلك كان من العناصر القليلة والقليلة جدا التي وقفت في وجه النزيف القاتل، وقالت بكل جرأة وبكل تحد “لا لترييش المدينة”، دون أن يجد المناصر والمدافع حتى من “إخوانه في الحزب آنذاك” الذين تمادوا (بطريقة لا تسمو إلى درجة الأخلاق الدينية أو السياسية) في مسايرة ما هو كائن حفاظا على الموقع الذي لا يعوض الموقف المشرف ولا يوازي الكلمة الحقة، فهو أي العمدة مطالب اليوم بعد أن وضع الهيكلية ووزع التفويضات بمحاسبة المجلس السابق، وذلك بتفعيل المبدإ الذي جاء به الدستور الجديد (ربط المسؤولية بالمحاسبة) ومراجعة بعض الصفقات التي ظلت فقط تقرأ بين الأسطر ولا ترى على أرض الواقع، وكذا بعض المشاريع الكبرى والتي خلفت ركاما من الديون الثقيلة، وهي ديون يحاول عبثا أحد المستشارين الذي قذف من الباب أن يضرب على أوتارها رغم أنها من مخلفات الفترة الماضية التي كانت فيها هو نفسه يدبر بعشوائية ملفات كبيرة أكبر من حجمه وطوله، مطالب بأن يعيد الاعتبار لفضاءات المدينة التي نكبت على يد “برامكة السابقين” ولطرقها ومعابرها التي لم تعد تستغل لما أعدت له أو من أجله، ولأسواقها منها سوق الخضر بالجملة الذي تخرج منه أن صح التعبير جيل من الأغنياء والأثرياء ولصوص المال العام (جلهم أمام جنايات مراكش).

   إن مهمة العمدة الجديد تتطلب الكثير من الجهد والصبر ومغالبة الصعاب التي تنسج بفعل فاعلين، لا يريدون للمدينة إقلاعا ومجدا بقدر ما يرغبون في إبقاء الحال على ما هو عليه للاستفادة أكثر من الفوضى والفساد والتدمير الأخلاقي، والعبث بمصير القاصرات واستغلالهن في علب الليل حتى مطلع الفجر كما هو شأن مستشار سابق كان يستفيد من درجة تقربه لضرب القوانين والضوابط المعمول بها في تسيير مثل تلك الأماكن، ولعل الرجل الهادئ والمتواضع والذي تغمره هالة من الوقار كما قال عنه أحد أصدقائه لعله قادر على أن يعيد الأمجاد للمدينة ولنواديها الثقافية وحدائقها، ولرموزها الذين دخلوا في غيبوبة النسيان بعد ان اصطدموا بالجحود والنكران من المجالس السابقة التي كان بعضها يسير “بالتيليكوماند” ومن وراء حجاب، وتقودها أو بالأحرى تروج لها أقلام بئيسة كان همها أن تمنع تواصل المسؤولين الجماعيين مع المواطن والاحتفاظ بالتواصل معها، كما ظهر من الملف المتابع فيه عمر الجزولي وعبد الله رفوكس، رغم ان وقائعه تفرض متابعة رجل السلطة والصحفيين الذين ضغطوا وابتزوا، وإظهارهم للرأي العام  حتى يكون على علم بما يجري، ويتخلى عن التحامل على عمر وغير عمر والالتفات إلى شخصيات أخرى مخمخت ما شاء لها أن تخمخم في المدينة وأراضيها وغرفها سواء الصناعية أو الفلاحية أو التجارية وتلاعبت في مالية بعض مجالسها التي نجهل عنها الكثير وعن عملها واختصاصاتها وميزاتها، قلت قادر أي العمدة على التواصل مع المواطنين والإصغاء إلى متاعبهم وفتح الصدر لمشاكلهم الضاربة في العمق، وبالأخص مشاكل ذوي الإعاقات الذين اجتمع بهم أمام باب مقر البلدية بعد أن تخلى عن برج الرئاسة، ليبعث برسائل إلى باقي الرؤساء من أجل الاهتمام وبتلك الشريحة وتوفير ولوجيات لفائدتهم، وعلى منع الظلم الذي ألم بالمبلغين عن الفساد والمفسدين، ووضع حد للوظيفة الشبحية التي ترسبت في قعر الجماعة نتيجة الولاءات والمحسوبية والتدخلات المؤدى عنها (900 موظف في المجلس الجماعي لا يؤدون أي عمل ويتقاضون أجور عالية، بل إن بعضهم يمازج بين عملين متنافيين، قادر على مواكبة الأشغال وسير الأعمال ومراقبة القائمين عليها واختيار الأحسن والأنظف للتفويض كرجل القانون، جبور عبد الرزاق الذي أبدى صرامة وحزما دائبين في مواقفه مع العاملين المشتغلين في سوق الخضر بعد أن وأنذرهم وأخطرهم بضرورة الجدية والإخلاص والانضباط، ولم يتوان في اتخاذ العقوبات اللازمة في حالة وجود احتلالات أو تلاعبات في المداخيل (أو قفاصد العاملين مؤخرا)، تلك المداخيل التي ينتظر ان ترى ارتفاعا كبيرا، بسبب عفة الرجل وتردده على الأسواق ومتابعة سير العمل بها، اذ كثيرا ما كان يفاجئ السوق بحضوره قبل غبش الفجر، وهو الوقت الذي كانت في السابق تتم فيه كل العمليات المشبوهة وتتسع فيه رفع العبث والتبذير. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!