في الأكشاك هذا الأسبوع
رئيس جهة طنجة العماري لحظة تتويج رئيس رواندا في منتدى "ميدايز" وكلاهما يدافعان عن أطروحة تقرير المصير

الفاسي الفهري يسيء للقضية الوطنية من باب الرعاية السامية

ما هي خلفيات التصالح بين “آل الفاسي” و”آل العماري”

                      

 

إعداد. سعيد الريحاني

   “قبل أن يذهب الوزير الفرنسي من القصر السلطاني عقب توقيع الحماية، طلب من السلطان أن يبقى الخبر مكتوما حتى يستعد له الأهالي، لكن بمجرد ذهابه، أعلم السلطان حاشيته بخبر توقيع معاهدة الحماية، فلم يلبث الأهالي أن اطلعوا على الخبر بسرعة البرق، وأثار سماعه في جميع الأوساط سخطا عظيما، ولاحظ المولى عبد الحفيظ داخل قصره، نفسه، غضب الشعب الصامت” (من كتاب الأغلبية الصامتة بالمغرب. مصطفى العلوي).

   لم يقف الغضب الصامت عند هذا الحد، بل إن أول أيام الحماية في المغرب سيكون يوما دمويا، ففي يوم 17 أبريل من العام نفسه، سمعت طلقات نارية في الأسواق، بينما تفجرت أصوات النساء بالزغاريد من فوق السطوح، وغطت أصواتهن المدينة كلها بجلبة وضوضاء عظيمة، وانفجر بذلك أول بركان من براكين الشعب المغربي ضد الحماية الفرنسية المفروضة، فأقبلت طوابير الحامية السلطانية التي كانت مؤلفة من 3 آلاف جندي، على الانتقام من ضباط البعثة العسكرية الفرنسية وغيرهم من رعايا فرنسا، بالخصوص الموزعين في الأحياء البعيدة، وانضمت إليهم الطبقات الشعبية الساخطة بمجرد ما سمعت الطلقات النارية الأولى، وحاصر أهالي العاصمة موظفي التلغراف الفرنسي، ومن دقيقة لأخرى كان الاضطراب يعظم ويشتد، وضرب القنابل يتسع ويشتد، من فاس البالي إلى فاس الجديد، وكان رصاص البنادق ينبسط على سطوح القنصلية الفرنسية البغيضة لا دون غيرها من القنصليات والمؤسسات الأجنبية.. وقتها تساءل كاتب فرنسي، أندريه كوليي، “كيف يمكن أن يدخل المغرب تحت الحماية، دون احتجاج، وهو الذي ظل خلال ثلاثة عشر قرنا، ليس فقط دولة مستقلة، ولكن أيضا كوطن إسلامي حافظ على التقاليد الإسلامية الطاهرة (نفس المصدر).

   ما حدث في فاس لم يكن صورة مصغرة عن مغاربة ذلك الزمان، الذين كانوا يرفضون الخنوع(..)، وقد دار الزمان دورته الماكرة، ليضع عدد كبير من الشبان المغاربة على وجوههم، في “الفيس بوك”، راية فرنسا، والواضح أن جلهم لا يقرؤون التاريخ، فالموازاة مع الاستعدادات للاحتفال بعيد الاستقلال، وبعد أيام من الاحتفال بذكرى المسيرة، فضل البعض الانغماس في التضامن مع فرنسا، في ذكرى جلاء استعمارها من المغرب، وربما يقول بعض الفرنسيين، إن بعض المغاربة ندموا على خروجنا من المغرب(..).

   ورغم أن الأيام الأخيرة كانت من المفترض أن تشهد انتعاشا للروح الوطنية (عيد المسيرة، عيد الاستقلال)، إلا أن بعض التحركات تؤكد أن هناك شيئا ليس على ما يرام في المغرب، ما معنى أن تدعو أربعة نقابات عمالية كبرى، إلى إضراب عام بالتزامن مع ذكرى المسيرة، وبالتزامن مع الاحتجاج على فواتير الماء والكهرباء، وهي الاحتجاجات التي تسببت فيها الشركات الفرنسية، وما معنى أن يدعو عدد من القضاة إلى الاحتجاج في الشارع بالتزامن مع ذكرى المسيرة(..).

   في إطار التصرفات العجيبة والغريبة، وفي إطار الجهل بالتاريخ، أو الاستهزاء به، ومن باب الرعاية السامية، التي حصل عليها، أطل على المغاربة، الشاب المحظوظ، والمحضي، إبراهيم الفاسي الفهري، نجل المستشار الفاسي، ليطلق هجوما غير مباشر على القضية الوطنية، بالتزامن مع التحركات الملكية الكبرى في الصحراء، من خلال إطلاق النسخة الثامنة، من منتدى “ميدايز”، الذي ينظمه المعهد الذي يترأسه، وهو “أماديوس”.

   في طنجة، وبعد ستة أيام من الاحتفال بذكرى المسيرة، أشرف إبراهيم الفاسي الفهري على تسليم الجائزة الكبرى “ميدايز 2015″، لرئيس جمهورية رواندا، “بو كاغامي”، ويقول إبراهيم الفاسي الفهري: “إن منح الجائزة الشرفية للرئيس الرواندي تشكل إشادة بدوره الكبير وعمله الدؤوب من أجل تحقيق الاستقرار والتنمية، في بلاده، والذي بفضله أضحت رواندا تحتل المراتب الأولى إفريقيا في التصنيفات الدولية باقتصاد تنافسي وجذاب، ووضع اجتماعي معتبر” (انتهى كلام الفقاسي الفهري).

   ما لم يقله الفهري هو أنه اختار الاحتفاء برئيس دولة لا تعترف بمغربية الصحراء في عز الاحتفال بالصحراء، بل إن الرجل وقع منذ شهور فقط اتفاقا مع الجزائريين، يعلنان فيه بشكل مشترك: “دعمهما لجهود الأمم المتحدة لصالح تسوية سياسية وعادلة ودائمة تقوم على ممارسة شعب الصحراء الغربية لحقه في تقرير مصيره في إطار استفتاء حر ونزيه ومحايد”. حسب لغة البيان الذي أكد أيضا على دعم سياسة المبعوث الأمريكي، “كريستوفر روس” إلى المنطقة.

   وجدد قائدا البلدين بخصوص مسالة الصحراء الغربية “دعمهما لجهود الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومبعوثه الخاص كريستوفر روس من أجل التوصل إلى تسوية سياسية وعادلة ومستديمة تقوم على ممارسة شعب الصحراء الغربية لحقه في تقرير المصير في إطار استفتاء حر ونزيه ومحايد” (عن الإذاعة الجزائرية).

   الفاسي الفهري لم يكتف بهذا الحد، بل إنه اتفق مع أصحابه في المعهد على استدعاء إلياس العماري رئيس جهة طنجة، ليسلم الجائزة للرئيس المذكور، علما أن إلياس العماري نفسه يفضل استعمال مصطلح “تقرير المصير” بدل “الحكم الذاتي”، وقد صرح بذلك علانية على قناة العربية، في شهر مارس 2015، وقتها عبر عن رغبته في تحمل مسؤولية وزارية تعنى “بالمطابع أو بنشر الفكر الحديث أنا مستعد أن أتحملها من الغد”.. كما سبق للصحف أن كتبت عن علاقة مفترضة بين إلياس العماري، وفرحات مهني الذي يطالب باستقلال القبايل في الجزائر، من خلال استدعائه لمهرجان “تاويزا في طنجة”، ورغم أن بعض الأصوات باتت تدعم مشروع القبايل لتقرير مصيرها، فإن هذه الخطوة، لا تدعو إلى الاطمئنان، فمن يطالب بتقرير المصير لشعب آخر، في الأمم المتحدة، قد يجب نفسه مطالبا، بالاعتراف بتقرير المصير لشعب آخر، قد يكون في الداخل(..).

   قد يقول قائل إن إبراهيم الفاسي الفهري حر فيما يريد، ويمكنه أن ينشط من خلال معهده، كما تمليه عليه نفسه، لكن النشاط في مثل هذه الحالة كان ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار مكانة والده، الذي يعد اليوم مستشارا ملكيا، وأحد المشاركين في تدبير مفاوضات ملف الصحراء، طيلة سنوات، كما أن الحصول على الرعاية السامية كان يفترض الحرص على عدم الإساءة للقضية الوطنية. إذن لا يعقل أن يقول الملك المحمد السادس في الصحراء، من خلال خطاب ملكي، إن أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب هو الحكم الذاتي، بينما يقوم منظمو نشاط تحت الرعاية السامية بالاحتفاء بأصحاب أطروحة تقرير المصير، أو أصحاب المواقف المتذبذبة(..).

   الغريب في هذا النشاط هو التصالح، أو المصادفة، التي جمعت بين إلياس العماري وآل الفاسي الفهري، فحتى وقت قريب لم يكن بالإمكان التقاط الصور لآل الفاسي وآل العماري وهم يبتسمون في وجه بعضهم البعض، قد يقول قائل إن إلياس حضر لنشاط “أماديوس” لكونه رئيس الجهة، لكن لاشيء يفرض ذلك، بل إن مجلس طنجة لم يكن يوافق على تقديم الدعم لنجل وزير الخارجية السابق بالإجماع، بسبب تطبيعه مع إسرائيل، واستضافة قتلة أبناء فلسطين.

   وقد سبق أن سئل إلياس العماري: “كيف تشعر وفي عز الحملة الانتخابية لدستور جديد، يظهر يوميا وزير الخارجية الفاسي الفهري وابنه بمؤتمرهم؟ فقال مع كامل الأسف نحن في المغرب مازال عندنا أحزاب العائلات. هناك حزب آل الفاسي وحزب آل الشعبي.. إن أخطر ما يواجهه المغرب، مع كامل الأسف، هو حزب العائلات، حزب آل الفاسي استولوا على المغرب، وثورة المغرب لعقود من الزمن من عهد إدريس الثاني إلى الآن… حاليا يستحيل على المواطن المغربي أن يميز بين الفاسي في الخارجية وابنه في التعاون والعلاقات الدولية وبين الفاسي في رئاسة الحكومة والأبناء والأحفاد والأصهار والإخوان والأخوات في كل مناحي الحياة.. فقبل أن نلج إلى الديمقراطية من باب الانتخابات يجب أولا أن نتفق لمن ينتمي هذا الوطن الذي ستجرى فيه الانتخابات..

   من غرائب الصدف، ومن مكرها، أن إلياس العماري الذي يبتسم في معهد “أماديوس”، هو نفسه الذي سبق طالب بافتحاص مالية إبراهيم الفاسي الفهري، حيث قال: “علينا أن نطرح سؤال التمويل على المجلس الأعلى للحسابات”، وأضاف: “أتساءل لماذا لا يريدون التفتيش في أملاك الولد ومصادر أملاك الولد” (موقع أريفينو، عن موقع كود، 18 نونبر 20111).

   وربما لا يعرف كثير من المواطنين أن موقف إلياس العماري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، كان قريبا من حيث المضمون مع موقف حزب العدالة والتنمية الذي كان يطالب بمنع الترخيص له، على خلفية استقبال وزرة خارجية إسرائيل، حيث كانوا يعتبرون ذلك: “تنكرا لالتزامات المغرب الرسمية والشعبية، وتنصلا لتاريخه الذي يشهد على جهاد أهله وموقفهم من احتلال القدس الشريف”.. غير أن ظهور إلياس رفقة إبراهيم، مقابل غياب الأب الفاسي الفهري، يدفع إلى طرح عدة أسئلة حول خلفيات هذا التصالح، الذي لم يكن متناغما مع القضية الوطنية في أول ظهور مشترك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!