في الأكشاك هذا الأسبوع
بيريغوفوا رئيس الحكومة الفرنسية المنتحر

الكلاب السياسية التي دفعت رئيس الحكومة إلى الانتحار..

 

بقلم: مصطفى العلوي

يذكرنا الرئيس عبد الإله بن كيران في قفشاته وطريقة كلامه، وردود فعله المنطلقة من المقولة الفرنسية: Du Tac au Tac بزميله السابق في رئاسة الحكومة، باحماد، الذي كان ذات زمان، يتحكم في المشور الملكي، الشيء الذي لم يدركه بعد، رئيسنا بن كيران، ولكن الخير أمام.

حيث أن باحماد بعد موت السلطان الحسن الأول اتفق مع زوجته التركية، قيقة، بأن ينصب أصغر أولاد السلطان، مولاي عبد العزيز، سلطانا، بدون تجربة، ليبقى حليف السلطانة التركية، رئيسا للحكومة، والرجل القوي في تاريخ المغرب، جعلت منه ظروف نفوذه، رجلا أكثر تجربة من رئيسنا الحالي بن كيران.

وإن كان التشابه بينهما ثابتا في مجال القيل والقال، فعندما أصاب المغرب في بداية سنوات السلطان الشاب مولاي عبد العزيز، طاعون خطير يسميه المغاربة “بوگليب”، المرض الذي أخذ ضحاياه يتساقطون في الشوارع كالذباب، وانبرى لمحاربة هذا الطاعون، دكاترة فرنسيون وإنجليز، اعترفوا في كتاباتهم بعجزهم عن درء هذا الخطر الذي كتب عنه الكثير عند حصوله سنة 1896.

وكان طاعونا إحدى ميزاته، أنه ديمقراطي(…) لا يصيب طبقة دون أخرى، حتى أن أقطابا مغاربة من طنجة إلى الجنوب، ماتوا ضحية هذا المرض.

((مات بمرض البوگليب، وزير المالية التازي، ومحتسب مراكش مولاي عبد الله، ومات وزير الحرب أخ رئيس الحكومة باحماد، واسمه سي سعيد، وماتت أخت المستشار الإنجليزي “ماك لين”، الذي كان يتصرف في المغرب بحكم صداقته مع السلطان، واسمها ميني، وكنا نرى يوميا رجالا يسقطون قرب الجثث التي يدفنونها)) (زمن المحلات. لويس أرنو).

لكن رئيس الحكومة باحماد، كان ينظر إلى هذه الكارثة، بعيون الانتهازية، لأن موت الوزراء والأقطاب، يخلص رئيس الحكومة من الذين كانوا لا يتفاهمون معه، ويحل بالتأكيد مشاكله الاجتماعية، فترك باحماد للتاريخ تصريحا له يكاد ينوه فيه بهذا الطاعون، وقال: ((أنا لا أفهم لماذا أنتم متذمرون، بوكليب، موجود في كل مكان، فلماذا تشتكون، إنه وراءنا، وأمامنا وقد علمت أنه وصل لمراكش، فهو في هذه الأحيان، يعمل لفائدتنا(…) ولن يفلت أحد من مصيره إذا جاء أجله، فهو يخترق صفوفنا برصاصاته الخفية)) (نفس المصدر).

مفاجأة رئيس الحكومة هذا، المتفائل بارتفاع قتلى الطاعون، كانت إلهية من الضخامة، لدرجة أن رئيس الحكومة باحماد، نفسه مات بهذا الطاعون في سنة 1900، بسنة واحدة بعد أن رحب بمرض البوگليب.

طبعا.. وفي تدخلاته الكلامية لمواجهة الأحداث المغربية(…) لم يتمن عبد الإله بن كيران، أن يأتي الطاعون، ليحل مشاكله، ولعل بن كيران، أكثر تشبثا بالحياة من سلفه(…) باحماد، ولذلك سمعناه في استجوابه مع القناة التلفزيونية ميدي آن، صارح الصحفي بقوله: ((إن عائلتي قالت لي بأنها تخاف علي، فسأله الصحفي: تخاف عليك مماذا.. فأجاب: يخافوا علي، فهذه هي السياسة)).

السياسة إذن تقتل وتهدد رئيس الحكومة نفسه، لولا أن فلتة لسان أخرى(…) قربت السامعين والمتتبعين من أطروحة شغلت المغاربة كثيرا، حين مات نائب بن كيران، المرحوم باها، في ظروف غامضة(…) ربما نسيها بن كيران، وفلتت منه أطراف من الحقيقة(…) حين قال: ((بأن حياته في خطر خصوصا بعد وفاة وزير الدولة باها)) (موقع بديل).

ذلك أن عبد الإله بن كيران، وكرئيس للحكومة، يعرف أكثر من غيره(…) مغزى خطورة هذه الهجمات والتهديدات التي يتعرض لها يوميا، وحتى إذا لم تكن تتضمن تهديدات صريحة، تجعل شبح الموت، كامنا وراء كل هجمة، فإن أثار تلك الهجمات، على معنويته ونفسيته هي التي قتلت الكثيرين قبله، فليست ذاكرة رئيس حكومتنا، مرتبطة بسلة للمهملات، يرمي فيها كل هذه الخزعبلات(…) أم أنه ليس من قبيل الخزعبلات، ما قالته النائبة المعاصراتية(…) خديجة الرويسي للنائبة ماء العينين: “سيروا يا تريكت بن كيران القتال”(…) وزد عليها وزير العدل، مكتفيا في دفاعه عن رئيسه بقوله: إن الغضب لا يكون مبررا للاتهامات المجانية في حق الأموات والأحياء(…). أكثر من وصف بن كيران بالقتال(…) وقف مستشار من المعاصرة اسمه عبد الكريم بونمر وقال: ((اتفو على وزير شحال مريض أهذه هي السياسة حاشاكم)).

ورغم أن المجال – في هذا الموضوع – ليس مفتوحا للتذكير بكل ما تلقاه رئيس الحكومة بن كيران، من شتم وقذف، بقدر ما هو في الواقع، من الخطورة، التي قتلت قبله رئيسا آخر للحكومة، عانى بدوره من الهجمات الصحفية، ورغم أنه رئيس لحكومة كبرى، هي الحكومة الفرنسية، في سنة 1993، تكاثرت عليه الهجمات الصحفية، والحزبية، فوضع رئيس حكومتها حدا لحياته.. بالانتحار، الشيء الذي أغضب رئيس الدولة ميتران، الذي جعله وهو يحضر جنازة رئيس حكومته المنتحر “بيريغوفوا” يصف المهاجمين الذين دفعوا الرئيس إلى الانتحار، بالكلاب.

وكان الرئيس ميتران، يتابع الحملات المعلنة على وزيره الأول، ويشعر بأن رئيس حكومته لن يصمد في وجه هذه الهجمات، وحاول الرئيس ميتران، مرارا أن يكلم رئيس حكومته “بيريغوفوا” تلفونيا، ولكن هذا الأخير لا يرد، فأرسل إليه مجموعة من مساعديه، وهو يقول لهم: عجلوا.. إني أخاف أن يطلق الرصاص على نفسه، وذلك ما حصل. المهم، هو الدرس الذي استخلصه الرئيس ميتران، وهو أن الحملة الصحفية التي شنت على رئيس الحكومة “بيريغوفوا” وخاصة في جريدة “لوكانار أنشيني” جعلت ميتران يقول لعائلة الرئيس المنتحر: “لقد قتلوه”، رغم أنه يعرف أنه انتحر.

فمن قتل رئيس الحكومة الفرنسية؟ الرئيس ميتران حمل المسؤولية للمقالات الصحفية على رئيس حكومته، وأكد للوزيرين الذين رافقاه إلى بيت الوزير المنتحر “إدوار بالادور”، و”لوران فابيوس”، في الساعة الواحدة صباحا أمام جثمان “بيريغوفوا”، حيث كان الرئيس ووزراؤه، يتعانقون حسرى على هذا الاندثار الأخلاقي الذي أودى بحياة رئيس الحكومة، ليخلد ميتران، مقولته الرهيبة وحكمه على المسؤولين الصحفيين بعبارات لم يحصل من قبل أن قالها رئيس دولة، وقال ميتران: ((إن كل التفسيرات في العالم، لا تبرر أننا أسلمنا الفقيد إلى الكلاب(…) أعطيناهم شرف دولتنا لينهشوه، من هم الكلاب؟ سأله أحد الصحفيين في القطار الذي كان يركبه ميتران عائدا من الجنازة، فأجابه إن كل واحد منا يعرف كلابه، وعندما عاد إلى قصر الإليزي كان الرئيس ميتران يردد: الكلاب.. الكلاب.. ولكن الكلاب هم نحن، الكلاب هم أنا وأنتم فكل واحد منا يعرف أن الكلاب تسكن أنفسنا)) (لونوفيل أوبسرفاتور. 30 شتنبر 2015).

الحدث الأليم، والإحساس المؤلم، بقي يخترق ضمير الرئيس ميتران، إلى أن مات هو نفسه، وبقيت الصحافة الفرنسية، كما نرى إلى يومنا هذا في سنة 2015 تذكر هذا الحكم الصادر عن رئيس الدولة بأن الذين هاجموا رئيس حكومته، ودفعوه للانتحار هم كلاب السياسة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!