في الأكشاك هذا الأسبوع

يتحدثون عن الشهيد بنبركة ولا يقومون بأية حركة!!

 

بقلم: الحسين الدراجي

   الزعيم الفذ المرحوم المهدي بنبركة لم يكن رجلا عاديا، بل إنسانا من طينة استثنائية، تتملكه نزعة ثورية عارمة، كان مهووسا بحتمية تحرير جميع الشعوب من سيطرة الاستبداد والاستعباد اللذين كانا تتجليان في سيطرة القطبين الروسي والأمريكي.

   وقد تعرفت على هذا القائد السياسي العظيم أثناء الفترة غير القصيرة التي قضيتها في العمل إلى جانبه سنة 1958، يوم كان لي شرف القيام بترجمة أول مخطط، جاء باكورة عمل ثلة من الخبراء المغاربة والأجانب، دونته في مئات الصفحات والذي تطلب مني جهودا مضنية، خصوصا وأن الفترة التي حددها لي المشرفون على هذا المشروع، وعلى رأسهم المرحوم عبد الرحيم بوعبيد الذي كان حينئذ وزيرا للاقتصاد الوطني والمالية، وذلك لأن المرحوم محمد الخامس طلب منهم أن يقدموا له النسخة العربية للمخطط، وحدد لهم فترة شهر بعد الانتهاء من النسخة الأصلية التي تم تحريرها باللغة الفرنسية، والتي سبق أن اطلع عليها، وهكذا لم تكن صعوبة مهمتي تنحصر في صعوبة ترجمة الكلمات والمصطلحات التقنية التي كان يعج بها المخطط، بل في المهلة الزمنية التي فرضها علي المرحوم المهدي بنبركة، الذي كان يرأس أول مجلس استشاري تم إحداثه بعد الاستقلال، وكان مقره يوجد في قاعة كبرى تحتضنها وزارة العدل، وقد كان علي أن أتنقل مع أربع كاتبات من وزارة الاقتصاد إلى مكاتب توجد بحديقة وزارة العدل، حيث كان المرحوم بنبركة يزورني بين الفينة والأخرى ليستعجل أشغال الترجمة، ولما لاحظ أن ما يطلب مني يفوق طاقتي، جاء يوما بسيدة مصرية، تسمى “نبوية أسفهاني”، قال لي أنها خريجة جامعة السوربون، وأن مؤهلاتها ستساعدني على تسريع وتيرة العمل ربحا للوقت، فعرضت عليها أن نقتسم عدد صفحات المخطط ليقوم كل واحد منا بترجمة نصف المخطط الموكول له، ولكني فوجئت بالسيدة نبوية تأتي في اليوم الموالي لتقترح علي أن أقوم بترجمة المخطط بأكمله وتكتفي هي بعملية التصحيح بعد رقن الصفحات من طرف الكاتبات، فأدركت أن صاحبتنا لم تكن في مستوى المهمة التي جيء بها من أجلها، وقد كان المرحوم بنبركة يناقشني في بعض الأحيان في اختياري لبعض المصطلحات، لأنه كان ضليعا ومتمكنا من اللغتين العربية والفرنسية، وكنت دائما أقنعه بوجهة نظري. ومرت الأمور بسلام إلى أن اندهشت من إنجاز ترجمة أول مخطط ينزه المغرب “1958-1960”.

   وقد شاءت الأقدار أن أحضر بعض المناقشات التي كانت تدور بين الزعيمين المرحومين عبد الرحيم بوعبيد والمهدي بنبركة اللذين كانا يتابعان أطوار ترجمتي للمخطط، حيث علمت أن المهدي بنبركة كان أول قائد سياسي طالب بمناقشة ميزانية القصر الملكي من طرف مجلس المستشارين، وقد سارع المرحوم عبد الرحيم بوعبيد إلى تنبيه رفيقه المهدي بنبركة إلى كونه بهذه المبادرة فإنه يقترب من اختراق الخطوط الحمراء، وأنها قد تؤدي به إلى تداعيات وعواقب غير محسوبة، ربما قد تشكل خطرا على مستقبله السياسي، فأجابه المرحوم المهدي بنبركة، إنني أحمل معي دائما تذكرة سفر إلى الآخرة، وكأنني به كان يعلم بحدسه القوي، أن مشواره السياسي لن يكون مفروشا بالورود، وقد صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم: “اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!