في الأكشاك هذا الأسبوع

المغرب يعيد رفع التحدي بعد المسيرة الخضراء

 

بقلم: محمد بركوش

   أربعون سنة كاملة مرت على انطلاق المسيرة الخضراء التي أعلن المغرب من خلالها عن تحديه، ورغبته الأكيدة في ربط “لواء الحاضر بالمستقبل” بتحرير الأرض والإنسان ونشر الأمن والأمان، كانت فكرة مبدعة في “شكلها وطريقة تنفيذها ضمن سياق تاريخي معقد، بحكم حجم وقيمة أوراق الضغط التي كانت تتوفر عليها الدولة المغربية لمواجهة مخططات مدريد في علاقتها مع باقي القوى التاسع عشر” (الحسن العبسي)، مبدعة في حماس كل أبناء الوطن الذين تفاعلوا مع الحدث أينما تفاعل، حيث سرت حركية مثلا في صفوف الشعراء والملحنين والمطربين، جعلتهم كما قال صالح الشرقي يتسارعون ويتدافعون أمام استوديوهات الإذاعة بنفس قوة تدافع وتزاحم المتطوعين للرحلة، وتحركت الوطنية الخالصة داخل نفوس الغيورين من كل القطاعات، (قطاع المحاماة بالدار البيضاء شارك في الحدث بعدد هائل من المتطوعين، لهم وزنهم كما قال الأستاذ علي الصايغ في استجواب له، من بينهم المرحوم المعطي بوعبيد والنقيب عبد الرحيم بن عبد الجليل وابن زاكور والأستاذ عبد الحق التراب، زيادة في مشاركة بعض المحامين تحت يافطة حزبية كالأستاذ حسن الرحبيري عن الحركة الشعبية الديمقراطية.

   فكرة مغربية مائة في المائة، ابتدعها ملك عظيم من أجل أن يبقى التاريخ دوما حاضرا وشاهدا على “تنفيذ جدول أعمال تحرير الأرض والإنسان” واستمرار اللحظات في تعميق قيم المواطنة واستلهام الأسس الصلبة للبناء الديمقراطي والوحدة الشاملة: “فكرة بعبقرية نادرة كان الهدف منها هو الترتيب لمسيرة منع إسبانيا، كما قال الأستاذ العروي من تنظيم استفتاء على الشكل الذي اقترحه، وإرغامها على الدخول في مفاوضات ثنائية أو ثلاثية”: كما رآها الحسن الثاني رحمه الله في ليلة من ليالي ذكرى ثورة الملك والشعب، وكما حكى ذلك لشعبه،  “كان علي أن ألقي خطابا بمناسبة ذكرى الملك والشعب، وعشية ذلك اليوم كنت أتساءل مع نفسي ترى ماذا عساي أن أقول في هذا الخطاب؟ وفي المساء وبعد أن أديت صلاة العشاء خلدت للنوم، فاستيقظت فجأة في منتصف الليل تراودني فكرة نفذت إلى ذهني نفوذ السهم، لقد رأت ألاف الأشخاص يتظاهرون في جميع المدن الكبرى مطالبين باستعادة الصحراء، فلماذا إذن لا ننظم تجمهرا سليما ضخما يأخذ شكل مسيرة”.

   كانت كذلك مسيرة سلمية “بدون حرب ولا سلاح” استجابة لنداء الوطن وقوله تعالى: “ولا تفرقوا…”، كما قال أحد خطباء الجمعة، أثارت إعجاب العالم كله، ووفرت تقديرا واحتراما إضافيين للحسن الثاني، وشكلت كما قيل “توجها مشتركا نحو إعادة الاعتبار للعقد الوطني بين العرش والشعب، وللمشاركة الفعالة “من طرف الجميع” في بناء مغرب موحد على طول المسافة الفاصلة بين الشمال والجنوب، الغرب والشرق، والحد من التنافس بين الدولة الاستعمارية الأوروبية وإيقاف زحف مصالحها الحيوية بالمنطقة، وخلف تشويش على إيقاع نغمات ذلك الزحف، قلت مسيرة شارك فيها عدد هائل من ابناء الوطن ومن مختلف كل الأعمار والأجناس 350.000 متطوع أبدوا رغبة مثيرة في الذهاب بعيدا لمعانقة إخوان لهم هناك، وتقبيل أرض طاهرة عزيزة عليهم، وأبانوا عن حماس متجذر للانخراط والذوبان في أكبر التحام بشري، وأكبر انضباط سلوكي وأحسن توجه أخلاقي وأقوى رباط وطني لاختراق معابر عسكرية إسبانية بحشد يحمل الإعلام وكتاب الله، ويردد أغنية “نداء الحسن” دون خوف أو وجل من التهديدات بالألغام المدفونة تحت أقدام عارية، تحس براحة كبيرة وهي تمشي على رمال متموجة بالطموح والمشاعر وحب الوطن، وفوق كفوف السلامة والله والنبي والقرآن معنا كما في أغنية العيون عينيا للمرحوم شهرمان المراكشي.

   اليوم وبعد أن مضت سنوات على حدث بدأ مذهلا وكبيرا كما قيل، وزاد شموخا مع مر الأيام وتواليها يحيي المغاربة ذكرى المسيرة بنفس الروح العالية عبر إرادة كافة مكونات الأمة، وبنفس الإجماع الكبير الذي حظيت به الدعوة في بدابة الأمر إلى مسيرة أسطورية تجمع كل الألوان والأطياف والطبقات والأجناس (الذكر والأنثى) في إشارة واضحة إلى ضرورة استحضار (ومن تلك اللحظة) مبدإ المساواة وكذا مبدأ المناصفة قبل أن يضمنها الدستور الجديد ويحتوي فقراتها ضمن نصوصه المبتوتة داخل الوثيقة الدستورية، لإعادة قراءتها بتأن، قراءة متجددة إن صح التعبير داخل سياق وظروف تفرضان على الكل وضع مسافات بين القضية بحمولتها الوطنية وبين الخيارات والتيارات السياسية وفتح أبواب “سياسة الوحدة” والإجماع الوطني بنظرة تفاؤلية وصمود عال خال من “القبلية”، لبلورة “المعاني السامية لقيم المواطنة والعدالة والشرعية”، كما قال محمد الأشهب، في إطار “تصورات وطنية وإقليمية ودولية لا تحيد في مجملها عن هذه الثوابت” (الأخبار، عدد 914 محمد الأشهب).

   نعم أيها السادة، علينا أن نحييها جميعا لنعيد إلى الأذهان انصهار المغاربة مع القائد الأول والأكبر الذي أبى إلا أن يكون في المقدمة من خلال زيارة ميمونة بنفع كبير ومشاريع ضخمة وإشارات قوية عن المرحلة المقبلة وما بها من إصلاح وتصالح من كل أبناء الوطن خاصة الذين “ذكرهم الوطن كما قالت الأحداث المغربية في مناسبة كبرى متجاوزة بكثير الحركة السياسية لتصبح دلالة إنسانية واجتماعية” (المقصود العفو عن بعض المعتقلين الصحراويين في قضايا الإرهاب)، زيارة ارتبطت بتطورات “حتمت أن يكون القائد في الواجهة” ليؤكد الجميع ويصور لهم أسطورة الالتحام القوي الذي يربط الملك بالشعب والشعب بالملك، ويذكر بصلابة موقف المغرب المتمسك بالشرعية التاريخية الثابتة بالحجة والدليل وقرارات المحاكم الدولية “لاهاي”، الذي يقابله موقف متخاذل مهتز لن يخلق للجيران إلا المتاعب التي لا تحصى ولا تعد، ويعبد رفع التحدي من جديد في ارض تنعم أكثر من غيرها بالأمن والاستقرار كما قال صاحب الجلالة في خطابه بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، ولا تسوق “بالنفي” بداخله الأوهام والأكاذيب والشعارات الخالية من الصدق والعارية من الحقيقة، وإنما يفعل فيها ويحين مشروع ثوري كبير، يقوم كما قيل “على مأسسة بنية تدبير الدولة المغربية”، ويقدم ورقة ناصعة وبسطور واضحة لبرنامج تنموي متكامل بمواصفات الجدارة من شأنه “أن يعزز منطق التصالح ويؤشر لمرحلة ظلت متواصلة منذ القرن ما قبل الماضي لحماية الدولة المغربية لأراضيها الصحراوية التي هي جزء منا ونحن جزء منها، هي في المغرب كما قيل والمغرب فيها”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!